۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الحشر، آية ٣

التفسير يعرض الآية ٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَوۡلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ٣

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

(هُوَ) الله سبحانه (الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) كل أهل الكتاب كفار ، لكن منهم من آمن بالرسول ، فخرج عن الكفر ، ومنهم من لم يؤمن فيقال له «كفر» إما باعتبار استمراره في الكفر من قبيل «اهدنا» ، أو باعتبار أنه كان إلى قبل بعثة الرسول مؤمنا ـ إذ كان تكليفه هو دينه ـ فإذ جاء الرسول ولم يؤمن صار كافرا والمراد بهم هنا يهود «بني النضير» (مِنْ دِيارِهِمْ) بأن سلط المؤمنين عليهم وأيدهم ، حتى يتمكنوا من إخراجهم (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) الحشر هو الجمع من مكان ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا ____________________________________ إلى مكان آخر ـ ولعل المراد لأول مرة في إخراج اليهود من المدينة بصورة جماعية ـ ثم بعد ذلك أخرج غيرهم ، حتى لا يبقى في جزيرة العرب اليهود إطلاقا ، فإنهم أهل مؤامرة ودسائس ، فأراد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إخلاء البلاد منهم ومن كيدهم ، لئلا يدبروا المؤامرات على الدين الجديد. (ما ظَنَنْتُمْ) أيها المسلمون (أَنْ يَخْرُجُوا) أي اليهود بهذه السرعة لما كنتم تعلمون من شدة بطشهم وشوكتهم (وَظَنُّوا) أي اليهود (أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ) أي تمنعهم من المسلمين (حُصُونُهُمْ) جمع حصن وهي القلعة التي يتحصن فيها الإنسان خوفا من العدو المهاجم (مِنْ) بأس (اللهِ) بأنه سبحانه إذا أراد بهم شيئا وقفت حصونهم أمام إرادته (فَأَتاهُمُ اللهُ) أي جاءهم أمر الله بالخراب لقلاعهم ، والتشريد لهم (مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أي لم يظنوا أنهم يمكن أن يؤتوا من تلك الجهة بأن ألقى الرعب في قلوبهم وأرخى قواهم ، وكسر شوكتهم ومنعتهم (وَقَذَفَ) أي ألقى الله سبحانه (فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) أي الخوف ، فإنهم لما رأوا كثرة شوكة المسلمين انهارت قواهم ، وأول الهزيمة هو : الرعب وخور القوى وانهيار الأعصاب (يُخْرِبُونَ) أي أولئك اليهود (بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ) فقد كانوا يهدمون بيوتهم لئلا ينتفع بها المؤمنون (وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) فقد كان المؤمنون يخربون بيوتهم ليصلوا إليهم ويهزموهم (فَاعْتَبِرُوا) واتعظوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (2) ____________________________________ (يا أُولِي الْأَبْصارِ) أي أصحاب العقول ، بأن الله سبحانه إذا حاده جماعة كيف يهزمهم ويغلب عليهم ، حتى أنهم بأنفسهم يهدمون بيوتهم التي هي أعز ما يكون لديهم ، والمراد بالاعتبار النظر في الأمور ليرى الإنسان بها أمورا أخر لها ارتباط وثيق بها. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت في «بني النضير» وتفصيل قصتهم على ما في «قادة الإسلام» (1) : قتل أحد أصحاب الرسول نفرين ممن كانا في عهد الإسلام ، وكان قتله لهما اشتباها ، فأراد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يستقرض ديتهما من بني النضير ، وهم يهود قرب المدينة ، عددهم زهاء الألف ، فأظهروا قبول إقراض الدية ، ودعوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى داخل الحصن. لكن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبى واتكأ على جدار الحصن ، وهناك نزل عليه جبرئيل وأخبره بأنهم عازمون على الغدر به ، وتبين الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك من حركاتهم ، حيث إنهم تآمروا بينهم أن يذهب أحدهم على سطح الجدار الذي كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متكئا عليه فيلقي على رأس الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حجرا حتى يقضي على حياته الشريفة. قفل الرسول راجعا إلى المدينة ، قبل أن يأخذ القرض ، وأرسل رسولا إلى بني النضير إذ نقضتم ميثاقكم وأردتم الغدر ، فاخرجوا من بلادي ولقد أمهلتكم عشرة أيام ، وحينذاك لم يجدوا مناصا عن الخروج إلا أن بعض المنافقين ، وعدهم النصر ، ونهاهم عن الخروج ، فلم يخرجوا ، وأخبروا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنهم لن يخرجوا فليفعل __________________ (1) للمؤلف. وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (3) ____________________________________ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما بدا له وعزموا على القتال ، فخرج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع جمع من أصحابه ، ورايته بيد الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام وحاصروا حصونهم وأخذوا يحتلون بيوتهم ، فكانت اليهود تنسحب من دار إلى دار ، وكلما انسحبت هدّمت البناء الذي في معرض الاحتلال واستماتوا ، فأراد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قطع آمالهم عن أراضيهم ، فأمر بقطع نخيلهم. يئس اليهود عن النجدة ، وأرسلوا إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رسولا يطلبون منه أن يسمح لهم بالخروج جميعا ، فأذن لهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بشرط أن لا يحملوا أكثر مما تحمله إبلهم فقط ، لكنهم لم يقبلوا ، وبقوا مستميتين ، ولما ضيق عليهم الحصار قبلوا شرط الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لكن الرسول جزاهم عن عنادهم ، فلم يسمح لهم بحمل شيء من أموالهم ، وإنما أذن لهم بالخروج بدون حمل أثقالهم ، فقبلوا الشرط وخرجوا وحدهم ، وخلوا أموالهم كلها للإسلام ، فقسم الأموال بين المهاجرين الأولين ، وأعطى منها لنفرين من الأنصار ، وبجلاء بني النضير استراح المسلمون من عدو لدود لهم ، كان يكيد لاجتثاث الإسلام من جذوره.