۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الحشر، آية ٣

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٢ وَلَوۡلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ٣ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤ مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّينَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيُخۡزِيَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ سبّحَ للّهِ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ (1) هُوَ الّذِى أَخْرَجَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ لأَوّلِ الحَْشرِ مَا ظنَنتُمْ أَن يخْرُجُوا وَ ظنّوا أَنّهُم مّانِعَتُهُمْ حُصونهُم مِّنَ اللّهِ فَأَتَاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْث لَمْ يحْتَسِبُوا وَ قَذَف فى قُلُوبهِمُ الرّعْب يخْرِبُونَ بُيُوتهُم بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبرُوا يَأُولى الأَبْصرِ (2) وَ لَوْ لا أَن كَتَب اللّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذّبهُمْ فى الدّنْيَا وَ لهَُمْ فى الاَخِرَةِ عَذَاب النّارِ (3) ذَلِك بِأَنهُمْ شاقّوا اللّهَ وَ رَسولَهُ وَ مَن يُشاقِّ اللّهَ فَإِنّ اللّهَ شدِيدُ الْعِقَابِ (4) مَا قَطعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكتُمُوهَا قَائمَةً عَلى أُصولِهَا فَبِإِذْنِ اللّهِ وَ لِيُخْزِى الْفَسِقِينَ (5)

القراءة

قرأ أبو عمرو يخربون بالتشديد و الباقون «يخربون» ساكنة الخاء و خفيفة الراء و في الشواذ قراءة طلحة بن مصرف يشاقق الله بقافين على الإظهار كالتي في الأنفال.

الحجة

يقال خرب الموضع و أخربته و خربته قال الأعشى:

{و أخربت من أرض قوم ديارا}

وحكي عن أبي عمرو أن الأخراب أن يترك الموضع خربا و التخريب الهدم.

اللغة

الحشر جمع الناس من كل ناحية و منه الحاشر الذي يجمع الناس إلى ديوان الخراج و الجلاء الانتقال عن الديار و الأوطان للبلاء يقال جلا القوم عن منازلهم جلاء و أجليتهم إجلاء و اللينة النخلة و أصله من اللون قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها و جمعها ليان قال امرؤ القيس:

{وسالفة كسحوق الليان --- أضرم فيها الغوي السعر}

و قال ذو الرمة:

{طراق الخوافي واقع فوق لينة --- بذي ليلة في ريشه يترقرق}

فكان اللينة نوع من النخل أي ضرب منه و قيل هو من اللين للين ثمرها.

الإعراب

«مانعتهم حصونهم» ارتفع حصونهم بقوله «مانعتهم» لأن اسم الفاعل جرى خبرا لأن فيرفع ما بعده.

النزول

قيل نزلت السورة في إجلاء بني النضير من اليهود فمنهم من خرج إلى خيبر و منهم من خرج إلى الشام عن مجاهد و قتادة و ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يقاتلوه و لا يقاتلوا معه فقبل ذلك منهم فلما غزا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بدرا و ظهر على المشركين قالوا و الله أنه للنبي الذي وجدنا نعته في التوراة لا ترد له راية فلما غزا غزاة أحد و هزم المسلمون ارتابوا و نقضوا العهد فركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة فأتوا قريشا و حالفوهم و عاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد ثم دخل أبو سفيان في أربعين و كعب في أربعين من اليهود المسجد و أخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار و الكعبة ثم رجع كعب بن الأشرف و أصحابه إلى المدينة و نزل جبرائيل فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما تعاقد عليه و أبو سفيان و أمره بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلم الأنصاري و كان أخاه من الرضاعة قال محمد بن إسحاق خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بني النضير يستعينهم في دية القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري و كان بين بني النضير و بني عامر عقد و حلف فلما أتاهم النبي يستعينهم في الدية قالوا نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت ثم خلا بعضهم ببعض فقال إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حالته هذه و رسول الله إلى جانب جدار من بيوتهم قاعد فقالوا من رجل يعلو على هذا البيت يلقي عليه صخرة و رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في نفر من أصحابه فأتاه الخبر من السماء بما أراد القوم فقام و قال لأصحابه لا تبرحوا فخرج راجعا إلى المدينة و لما استبطئوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال رأيته داخلا المدينة فأقبل أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى انتهوا إليه فأخبرهم الخبر بما أرادت اليهود من الغدر و أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) محمد بن مسلمة بقتل كعب بن الأشرف فخرج و معه سلكان بن سلامة و ثلاثة من بني الحرث و خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على إثرهم و جلس في موضع ينتظر وجوههم فذهب محمد بن مسلمة مع القوم إلى قرب قصره و أجلس قومه عند جدار و ناداه يا كعب فانتبه و قال من أنت قال أنا محمد بن مسلمة أخوك جئتك أستقرض منك دراهم فإن محمدا يسألنا الصدقة و ليس معنا الدراهم فقال لا أقرضك إلا بالرهن قال معي رهن أنزل فخذه و كانت له امرأة بنى بها تلك الليلة عروسا فقالت لا أدعك تنزل لأني أرى حمرة الدم في ذلك الصوت فلم يلتفت

إليها فخرج فعانقه محمد بن مسلمة و هما يتحادثان حتى تباعدا من القصر إلى الصحراء ثم أخذ رأسه و دعا بقومه و صاح كعب فسمعت امرأته فصاحت و سمع بنو النضير صوتها فخرجوا نحوه فوجدوه قتيلا و رجع القوم سالمين إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما أسفر الصبح أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه بقتل كعب ففرحوا و أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحربهم و السير إليهم فسار بالناس حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصن فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقطع النخل و التحريق فيها فنادوا يا محمد قد كنت تنهى عن الفحشاء فما بالك تقطع النخل و تحرقها فأنزل الله «ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها» الآية و هي البويرة في قول حسان:

{وهان على سراة بني لوي --- حريق بالبويرة مستطير}

و البويرة تصغير بؤرة و هي إرة النار أي حفرتها و قال ابن عباس كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم و أن يخرجهم من أرضهم و أوطانهم و أن يسيرهم إلى أذرعات بالشام و جعل لكل ثلاثة منهم بعير أو سقاء فخرجوا إلى أذرعات بالشام و أريحا إلا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق و آل حيي بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر و لحقت طائفة منهم بالحيرة و كان ابن عباس يسمي هذه السورة سورة بني النضير و عن محمد بن مسلمة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعثه إلى بني النضير و أمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال و عن محمد بن إسحاق كان إجلاء بني النضير مرجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أحد و كان فتح قريظة مرجعه من الأحزاب و بينهما سنتان و كان الزهري يذهب إلى أن إجلاء بني النضير كان قبل أحد على رأس ستة أشهر من وقعة بدر.

###

المعنى

«سبح لله ما في السماوات و ما في الأرض و هو العزيز الحكيم» مضى تفسيره «هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب» يعني يهود بني النضير «من ديارهم» بأن سلط الله المؤمنين عليهم و أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بإخراجهم من منازلهم و حصونهم و أوطانهم «لأول الحشر» اختلف في معناه فقيل كان جلاؤهم ذلك أول حشر اليهود إلى الشام ثم يحشر الناس يوم القيامة إلى أرض الشام أيضا و ذلك الحشر الثاني عن ابن عباس و الزهري و الجبائي قال ابن عباس قال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخرجوا قالوا إلى أين قال إلى أرض المحشر و قيل معناه لأول الجلاء عن البلخي لأنهم كانوا أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب ثم أجلى إخوانهم من اليهود لئلا يجتمع في بلاد العرب دينان و قيل إنما قال

لأول الحشر لأن الله فتح على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في أول ما قاتلهم عن يمان بن رباب «ما ظننتم أن يخرجوا» أي لم تظنوا أيها المؤمنون أنهم يخرجون من ديارهم لشدتهم و شوكتهم «و ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله» أي و ظن بنو النضير أن حصونهم لوثاقتها تمنعهم من سلطان الله و إنزال العذاب بهم على يد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث حصنوها و هيأوا آلات الحرب فيها «فأتاهم الله» أي فأتاهم أمر الله و عذابه «من حيث لم يحتسبوا» أي لم يتوهموا أن يأتيهم لما قدروا في أنفسهم من المنعة جعل الله سبحانه امتناعهم من رسوله امتناعا منه «و قذف في قلوبهم الرعب» و ألقى سبحانه في قلوبهم الرعب بقتل سيدهم كعب بن الأشرف «يخربون بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين» أي يهدمون بيوتهم بأيديهم من داخل ليهربوا لا أنهم خربوا ما استحسنوا منها حتى لا يكون للمسلمين و يخربها المؤمنون من خارج ليصلوا إليهم عن الحسن و قيل أن معنى تخريبها بأيدي المؤمنين أنهم عرضوها لذلك عن الزجاج و قيل أنهم كانوا يخربون بيوتهم بأيديهم بنقض الموادعة و بأيدي المؤمنين بالمقاتلة «فاعتبروا يا أولي الأبصار» أي فاتعظوا يا أولي العقول و البصائر و تدبروا و انظروا فيما نزل بهم و معنى الاعتبار النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها و المراد استدلوا بذلك على صدق الرسول إذ كان وعد المؤمنين أن الله سبحانه سيورثهم ديارهم و أموالهم بغير قتال فجاء المخبر على ما أخبر فكان آية دالة على نبوته و لا دليل في الآية على صحة القياس في الشريعة لأن الاعتبار ليس من القياس في شيء لما ذكرناه و لأنه لا سبيل لأهل القياس إلى العلم بالترجيح و لا يعلم كل من الفريقين علة الأصل للآخر فإن علة الربا عند أحدهما الكيل و الوزن و الجنس و عند الآخر الطعم و الجنس و في الدراهم و الدنانير لأنهما جنس الأثمان و قال آخرون أشياء أخر و ليس هذا باعتبار إذ لا سبيل إلى المعرفة به «و لو لا أن كتب الله عليهم الجلاء» أي حكم عليهم أنهم يجلون عن ديارهم و ينقلون عن أوطانهم «لعذبهم في الدنيا» بعذاب الاستئصال أو القتل و السبي كما فعل ببني قريظة لأنه تعالى علم أن كلا الأمرين في المصلحة سواء و قد سبق حكمه بالجلاء «و لهم في الآخرة» مع الجلاء عن الأوطان «عذاب النار» لأن أحدا منهم لم يؤمن و قيل أن ذلك مشروط بالإصرار و ترك التوبة «ذلك» الذي فعلنا بهم «بأنهم شاقوا الله» أي خالفوا الله «و رسوله» ثم توعد من حذا حذوهم و سلك سبيلهم في مشاقة الله و رسوله فقال «و من يشاق الله» أي يخالفه «فإن الله شديد العقاب» يعاقبهم على مشاقتهم أشد العقاب «ما قطعتم من لينة» أي نخلة كريمة

من أنواع النخيل عن مجاهد و ابن زيد و قيل كل نخلة سوى العجوة عن ابن عباس و قتادة «أو تركتموها قائمة على أصولها» فلم تقطعوها و لم تقلعوها «فبإذن الله» أي بأمره كل ذلك سائغ لكم علم الله سبحانه ذلك و أذن فيه ليذل به أعداءه «و ليخزي الفاسقين» من اليهود و يهينهم به لأنهم إذا رأوا عدوهم يتحكم في أموالهم كان ذلك خزيا لهم.