۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النور، آية ٦٢

التفسير يعرض الآية ٦٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٢

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

ثم يأتي السياق ليبين أحكام الأكل والمواكلة ، مما يرتبط بالعائلة ، والأصدقاء ، بعد ما بين حكم البيوت والخلوة والاستئذان في خارجها وداخلها قال الإمام الباقر عليه‌السلام : أن أهل المدينة ـ قبل أن يسلموا ـ كانوا يعتزلون الأعمى والأعرج والمريض وكانوا لا يأكلون معهم وكان الأنصار فيهم تيه وتكرم ، فقالوا : إن الأعمى لا يبصر الطعام والأعرج لا يستطيع الزحام على الطعام والمريض لا يأكل كما يأكل الصحيح فعزلوا طعامهم على ناحية وكانوا يرون عليهم في مؤاكلتهم جناح ، وكان الأعمى والأعرج والمريض يقولون : لعلنا نؤذيهم إذا أكلنا معهم فاعتزلوا من مواكلتهم ، فلما قدم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سئل عن ذلك : فأنزل الله عزوجل(لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ) (1) أي ليس عليه ضيق يوجب اعتزالهم (وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ) في أكله مع الناس (وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) ومن المعلوم أن الآية لم تسق للإطلاق من جهة أقسام الأمراض المعدية وإنما سيقت لبيان أمر آخر ، فلا إطلاق فيها من هذه الجهة ، ثم بين سبحانه حكما آخر وهو جواز أن يتناول الإنسان من __________________ (1) وسائل الشيعة : ج 25 ص 53. وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ____________________________________ البيوت المذكورة بدون استئذان أربابها. (وَلا) حرج (عَلى أَنْفُسِكُمْ) أيها المؤمنون (أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) أي بيوت أزواجكم ، فلا محل لأن يتحرج عن الأكل من بيته باحتمال أن يكون المأكول خاصا بالزوجة أو الزوج أو لشخص غريب وضعه هناك أمانة أو نحو ذلك ، وربما احتمل أن يكون المراد بيت الأولاد ، فنسب بيت الأولاد إلى الإنسان نفسه (أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ) ويشمل الأجداد (أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ) وتشمل الجدات (أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ) سواء كان الآكل أخا أو أختا (أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ) من الأبوين أو من واحد منهما (أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ) والظاهر شموله لأعمام الأب والأم (أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ) وهي في الشمول لمطلق العمة كالسابق (أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ) أخ الأم (أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ) أخت الأم ، وفي عمومها ما سبق (أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ) مفاتح جمع مفتح ، وهو المفتاح ، أي البيت الذي عندكم مفتاحه ، قال الصادق عليه‌السلام : الرجل له وكيل ، يقوم في ماله فيأكل في غير إذنه (أَوْ) بيت (صَدِيقِكُمْ) فقد ورد عنهم عليهم‌السلام إنهم قالوا : لا بأس بالأكل لهؤلاء من بيوت من ذكره الله قدر حاجتهم من غير لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ ____________________________________ إسراف (1). وقال الصادق عليه‌السلام : هؤلاء الذين سمى الله عزوجل في هذه الآية يأكل بغير إذنهم من التمر والمأدوم وكذلك تطعم المرأة من منزل زوجها بغير إذنه (2). وقال عليه‌السلام في قوله «ليس عليكم جناح» : بإذن وبغير إذن (3). (لَيْسَ عَلَيْكُمْ) أيها المسلمون (جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً) فليس على الإنسان بأس أن يأكل مع غيره أو منفردا ، وهذا بيان كيفية الأكل بعد ما بين سبحانه مكان الأكل ، فقد كان بعض الناس يتحرج أن يأكل الطعام وحده ، وأشتات جمع شتيت ، ومعناه المتفرق «و» إذ بين سبحانه كيفية الأكل ومكان الأكل جاء السياق لبيان بعض آداب البيوت عطفا على ما سبق من الآداب فقال (فَإِذا دَخَلْتُمْ) أيها المسلمون (بُيُوتاً) من تلك البيوت أو غيرها (فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ) أي ليسلم بعضكم على بعض ، قال الصادق عليه‌السلام : هو تسليم الرجل على أهل البيت حين يدخل ثم يردون عليه فهو سلامكم على أنفسكم (4) (تَحِيَّةً) منصوب على المصدر ، إذ هو بمعنى تسليما ، أي حيوا تحية وسلموا تسليما وأصل التحية أن الإنسان كان إذا رأى غيره قال «حياك الله» أو «لتحيى» والمعنى أن يبقى حيا ، حتى شرع الإسلام السلام ، وهو أفضل من التحية ـ بالمعنى المتقدم ـ إذ الحياة لا تلازم السلامة ، أما السلامة فهي تلازم الحياة مع الزائد ، ومن هناك سمي كل ترحيب يبدي به عند اللقاء ، بالتحية (مِنْ عِنْدِ اللهِ) أي أنها تحية جاءت من عنده __________________ (1) فقه القرآن : ج 2 ص 33. (2) الكافي : ج 6 ص 277. (3) وسائل الشيعة : ج 24 ص 283. (4) وسائل الشيعة : ج 12 ص 81. مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ____________________________________ سبحانه ، بأمره لكم أن تبدؤوا بها. في حال كونها (مُبارَكَةً) أي لها البركة ، فإن السلام يوجب الزيادة في العلاقات ، مع ما له من الآثار الغيبية (طَيِّبَةً) لما فيها من طيب العيش بالتواصل والأجر الكبير ، وقد ورد أن في السلام والجواب مائة حسنة تسع وتسعون منها للمسلم وواحدة للمجيب ، وكما بين الله لكم هذه الأحكام (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ) أيها المسلمون (الْآياتِ) الدالة على الأحكام والآداب (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي لكي تعملوا عقولكم فتسعدوا في الحياة.