۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الإسراء، آية ٩٤

التفسير يعرض الآية ٩٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٤

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

(أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ) أي بيت مملوء من ذهب ، وأصله من الزخرفة ، وهي الزينة ، فكأن إطلاقه على الذهب مجازا من باب الأولى ، لأن الذهب يزين به (أَوْ تَرْقى) وتصعد (فِي السَّماءِ) بأن نراك قد صعدت (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ) وصعودك ، لأنا نحتمل ، أن ذلك من باب السحر ، وأنك قد تصرفت في أبصارنا (حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً) من __________________ (1) الطور : 45. (2) الفجر : 23. (3) الفرقان : 23. نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً (93) ____________________________________ جانب الله (نَقْرَؤُهُ) مكتوب فيه نبوتك وصدقك في دعاويك ، وقد كانوا من الجهل والغباوة بحيث يفرقون بين الصعود ، وبين الإنزال بالكتاب ، فإن من يتمكن من السحر في الصعود ، يتمكن من السحر في إنزال الكتاب أيضا (قُلْ) يا رسول الله في جواب هذه الاقتراحات (سُبْحانَ رَبِّي) أي أنزه ربي عن المثل والذمائم وهذه جملة تستعمل للتعجب ، وكان الأصل في ذلك ، أن المعنى كون الله منزها ، أما ما جرى بيننا ، فليس منزها (هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) أي لست أنا إلا رسول ، فالواجب علىّ أن آتى بمنهاج السماء ، ومعي من الأدلة ما تثبت أني رسول ، أما أن آتى بكل ما يقترح الناس من الخوارق ، فإن هذا ليس من شأن الرسول ، فإن كان الشخص من أهل الإنصاف ، كفاه ما جئت به من القرآن الحكيم دليلا ، وإن كان الشخص معاندا فلا يؤمن ولو جئت له بألف دليل ، وقد كانت الأمم تسأل أنبياءها بالمقترحات ، ثم لم تؤمن ، كما حدث في قصة صالح النبي عليه‌السلام ، وقد ورد في شأن نزول هذه الآيات : أن جماعة من قريش وهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سيفان بن حرب والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابنا الحجاج والنضر بن الحارث ، وأبو البختري ابن هشام ، اجتمعوا عند الكعبة وقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكلموه وخاصموه ، فبعثوا إليه ، أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ، فبادر صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليهم ، وكان حريصا على رشدهم ، فجلس إليهم ، فقالوا يا محمد إنا دعوناك لنعذر إليك ، فلا نعلم أحد أدخل على قومه ما أدخلت على قومك ، شتمت الآلهة ، وعبت الدين ، وسفهت الأحلام ، وفرقت ____________________________________ الجماعة ، فإن كنت جئت بهذا لتطلب مالا أعطيناك ، وإن كنت تطلب الشرف سودناك علينا ، وإن كانت علة غلبت عليك طلبنا لك الأطباء؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليس شيء من ذلك ، بل بعثني الله إليكم رسولا ، وأنزل كتابا ، فإن قبلتم ما جئت به ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه أصبر حتى يحكم الله بيننا؟ قالوا فما أحد ليس أضيق بلدا منا ، فاسأل ربك أن يسيّر هذه الجبال ، ويجري لنا أنهارا كأنها الشام والعراق ، وأن يبعث لنا من مضى ، وليكن فيهم قصي ، فإنه شيخ صدوق ، لنسألهم عما تقول ، أحق أم باطل؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما بهذا بعثت ، قالوا : فإن لم تفعل ذلك ، فاسأل ربك أن يبعث ملكا يصدقك ، ويجعل لنا جنات وكنوزا وقصورا من ذهب؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما بهذا بعثت ، وقد جئتكم بما بعثني الله به ، فإن قبلتم ، وإلا فهو يحكم بيني وبينكم ، قالوا : فأسقط علينا السماء ، كما زعمت إن ربك ، إن شاء فعل ذلك؟ قال ذاك إلى الله إن شاء فعل ، وقال قائل منهم لا نؤمن ، حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا ، فقام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقام معه عبد الله ابن أبي أمية المخزومي ابن عمة عاتكة بنت عبد المطلب ، فقال : يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله ، ثم سألوك لأنفسهم أمورا فلم تفعل ، ثم سألوك أن تجعل ما تخوفهم به؟ فلم تفعل ، فو الله لن أومن بك أبدا ، حتى تتخذ سلّما إلى السماء ثم ترقى فيه وأنا أنظر ويأتي معك نفر من الملائكة يشهدون لك وكتاب يشهد لك ، فأنزل الله سبحانه الآيات (1).