۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الرعد، آية ٣٢

التفسير يعرض الآية ٣٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

إن الكفار يطلبون الخوارق ، ولا يطمئنون إلى ذكر الله القرآن الحكيم ، وإنا قد أرسلناك ، لتتلو عليهم القرآن ، وما أعظمه من كتاب ، فإنه من العظمة والتأثير ، حتى لتكاد تسير به الجبال ، وتتقطع به الأرض ، ويكلم به الموتى ، لما فيه من قوة وطاقة وتأثير ، ولكن هؤلاء قست وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى ____________________________________ قلوبهم ، فهي كالحجارة أو أشد قسوة ، فلا يؤمنون به ، ويطلبون آية غيره ، إنا أرسلناك لتتلو عليهم هذا القرآن (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً) أي مقروءا ، أي لو كان هناك قرآن (سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) بأن يقرأ على جبل فيسير من شدة تأثيره وطاقته المسيرة للجماد (أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ) بأن يقرأ على الأرض ، فتنشق من طاقته الهائلة ، التي تنشق الأرض من هيبته (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى) بأن يقرأ على الميت ، فيتكلم الأحياء بسببه ، أو المراد يحيي الميت ـ فالتكلم كناية عن الحياة ـ أي لو أن قرآنا كان كذلك ، لكان هو هذا القرآن ، ولكن الكفار مع ذلك يطلبون غيره ، ولا يكتفون به ، فجواب «لو» محذوف وهذا كما يقال : فلان يبكي حتى يتأثر به الحجر يراد أن في بكائه من الحرارة واللوعة ، ما يكفي لأن يؤثر في الحجر ، وفلان منطيق ، يؤثر كلامه في الأموات ، يراد أن في نطقه من التأثير ما يجعله صالحا لأن يؤثر في الأموات ثم أن هذا القرآن يؤثر ـ بالفعل ـ هذه التأثيرات ، ولكن بشرط أن يتلوه الإنسان الصالح ، فهو كالسيف الذي يصلح أن يجز الرقاب ، ولكن إذا كان بيد الشجاع ، وقد روي عن الإمام الكاظم عليه‌السلام أنه قال : قد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تسير به الجبال ، وتقطع به البلدان ، وتحيي به الموتى (1). والمراد بإرثه بذلك المعنى ، لا إرث ألفاظه وأوراقه ، فإنهما عامان لكل المسلمين ، كما أنه ربما أطلق الإرث وأريد به إرث المعاني مما خفي على كثير من الناس ، ولذا انحرفوا فصاروا مجسمة ومجبرة ، وما أشبه __________________ (1) الكافي : ج 1 ص 226. بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ ____________________________________ (بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً) إنهم يطلبون الآيات الخارقة ، لكن النبي ليس مكلفا بذلك ، وإنما مكلف بالإنذار ، وأن يكون معه ما يصدقه أنه نبي مرسل ، وقد فعل الأمرين ، فجاء بالقرآن شاهدا ، ثم أنذر وبشر ، أما سائر الآيات ، التي يقترحونها ، فإنها بيد الله ، كما قال سبحانه : (قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ) (1) فهو ينزلها حسب المصلحة والحكمة ـ كما سبق تفصيل ذلك ـ وإذا أتى هؤلاء الكفار ، هذا القرآن العظيم الذي من شأنه تلك التأثيرات الهائلة ، ثم لم يؤمنوا به ، فلييأس المؤمنون من هدايتهم ، ولينتظروا عذاب الله وعقابه ، جزاء إعراضهم (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) عن هؤلاء؟ وألم يعلموا (أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً) بالإجبار ، فإذ رأوا أنه لا يهدي أحدا بالإجبار ، فاللازم أن ييأسوا ، فإن هناك إما الإيمان بالاختيار ، وإما الإيمان بالجبر ، وإما اليأس عنهم ، فإذا علم المؤمنون أن الله لا يجبر أحدا بالإيمان ، ورأوا عناد هؤلاء عن الإيمان الاختياري ، فاللازم أن ييأسوا عنهم ، ويتركوهم في ضلالهم يعمهون ، وقد ظهر بما ذكرنا : أن «أفلم ييأس» أشرب معنى «أفلم يعلم» ولذا عمل في «أن لو يشاء» (وَ) إذ لا يريد الله إجبار الكفار ، ولا أنهم يؤمنون بالاختيار ، فليعلم المؤمنون أنه (لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ) ما تقرعهم وتضربهم ، فإنه سبحانه لم يشاء إهلاك هذه الأمة دفعة كبعض الأمم __________________ (1) الأنعام : 110. أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (31) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ____________________________________ السالفة ، لكنه تعالى يعذبهم مرة ، فمرة بقوارع من الضيق والفقر والضر ، وتسلط الأعداء عليهم ، ونحو ذلك (أَوْ تَحُلُ) القارعة (قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ) فتروعهم وتخيفهم وتدعهم في قلق وانتظار لمثلها (حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ) الذي وعده باستئصال المجرمين ونصر المؤمنين عليهم (إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) ووعده آت لا محالة.