ولكن الأب الرؤوف خاف على أولاده من العين فقد كانوا جماعة أبطالا حسني المنظر والجمال ، وجميعا أولاد رجل واحد فإذا رآهم الرائي ملؤوا قلبه وعينه ، ولذا وصاهم بالتفرق عند دخول المدينة (وَقالَ يا بَنِيَ) أصله بنوني وهو جمع ابن مضافا إلى ياء المتكلم ، لكن نون الجمع حذف بالإضافة ـ على القاعدة ـ والواو أدغم في ياء المتكلم. كما نقلت ضمة النون إلى الباء (لا تَدْخُلُوا) مصر (مِنْ بابٍ واحِدٍ) حتى تصيبكم العين (وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ) فقد كانت المدن ـ سابقا ـ ذات أسوار وأبواب ، (وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) أي ما أدفع من قضاء الله من شيء إن كان قد قضى عليكم الإصابة بالعين ، يقال : أغنى عنه ، إذا دفع عنه ، وأصله الكفاية ، كأن الشخص يكفيه عن أمر يدهمه ، وقد قال ذلك يعقوب على وجه التسليم له سبحانه منبها أن أمري إنما كان لأجل الطوارئ ، أما إذا كان شيء حتما فلا دافع له (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) أي ليس الحكم في الأمور ـ التي منها إصابتكم بالعين أو عدم إصابتكم ـ إلا لله سبحانه (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68) ____________________________________ تَوَكَّلْتُ) في أن يرد عنكم عين الحساد ويرجعكم إليّ سالمين. (وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) أي المريدون للتوكل على أحد ، عليهم أن يتوكلوا عليه ، ويفوضوا أمورهم إلى الله سبحانه لا إلى غيره وهذا لا ينافي الأخذ بالحزم حسب الموازين التي قررها سبحانه في الكون.