۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المنافقون، آية ٣

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ ١ ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٣ ۞ وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٤ وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ يَسۡتَغۡفِرۡ لَكُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوۡاْ رُءُوسَهُمۡ وَرَأَيۡتَهُمۡ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ إِذَا جَاءَك الْمُنَفِقُونَ قَالُوا نَشهَدُ إِنّك لَرَسولُ اللّهِ وَ اللّهُ يَعْلَمُ إِنّك لَرَسولُهُ وَ اللّهُ يَشهَدُ إِنّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ (1) اتخَذُوا أَيْمَنهُمْ جُنّةً فَصدّوا عَن سبِيلِ اللّهِ إِنهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَلِك بِأَنهُمْ ءَامَنُوا ثُمّ كَفَرُوا فَطبِعَ عَلى قُلُوبهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (3) وَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُك أَجْسامُهُمْ وَ إِن يَقُولُوا تَسمَعْ لِقَوْلهِِمْ كَأَنهُمْ خُشبٌ مّسنّدَةٌ يحْسبُونَ كلّ صيْحَةٍ عَلَيهِمْ هُمُ الْعَدُوّ فَاحْذَرْهُمْ قَتَلَهُمُ اللّهُ أَنى يُؤْفَكُونَ (4) وَ إِذَا قِيلَ لهَُمْ تَعَالَوْا يَستَغْفِرْ لَكُمْ رَسولُ اللّهِ لَوّوْا رُءُوسهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصدّونَ وَ هُم مّستَكْبرُونَ (5)

القراءة

قرأ أبو عمرو غير عباس و الكسائي خشب ساكنة الشين و الباقون «خشب» بضمها و قرأ نافع و روح عن يعقوب و سهل لووا بتخفيف الواو و الباقون «لووا» بتشديدها و هو اختيار أبي عبيدة و في الشواذ قراءة الحسن اتخذوا إيمانهم بالكسر.

الحجة

قال أبو علي من قرأ خشب جعله مثل بدنة و بدن و مثله أسد و أسد و وثن و وثن في قوله إن يدعون من دونه إلا أثنا قال سيبويه هي قراءة و التثقيل أن فعل قد جاء في نظيره قالوا أسد كما قالوا في جمع ثمر ثمر قال الشاعر

يقدم إقداما عليكم كالأسد قال أبو الحسن التحريك في خشب لغة أهل الحجاز و حجة من قرأ لووا بالتخفيف قوله «ليا بألسنتهم» فاللي مصدر لوى مثل طوى طيا و التثقيل لأن الفعل للجماعة فهو كقوله مفتحة لهم الأبواب و قد جاء

تلوية الخاتن زب المعذر أنشده أبو زيد و قوله إيمانهم بالكسر هو على حذف المضاف أي اتخذوا إظهار إيمانهم جنة و قد مر أمثال ذلك.

اللغة

الجنة السترة المتخذة لدفع الأذية كالسلاح المتخذ لدفع الجراح و الجنة البستان الذي يجنه الشجر و الجنة الجنون الذي يستر العقل و الفقه العلم بالشيء فقهت الحديث أفقهه و كل علم فقه إلا لما اختص به علم الشريعة و كل من علمها يقال أنه فقيه و أفقهتك الشيء بينت لك و فقه الرجل بالضم صار فقيها قال ابن دريد الجسم كل شخص مدرك و كل عظيم الجسم جسيم و جسام و الأجسم العظيم الجسم قال الشاعر:

{و أجسم من عاد جسوم رجالهم --- و أكثر إن عدوا عديدا من الرمل}

و اختلف المتكلمون في حد الجسم فقال المحققون منهم هو الطويل العريض العميق و لذلك متى ازداد ذهابه في هذه الجهات الثلاث قيل أجسم و جسيم و قيل هو المؤلف و قيل هو القائم بالنفس و معناه أنه لا يحتاج إلى محل و الصحيح القول الأول و الأجسام ما تأتلف من الجواهر و هي أجزاء لا تتجزء ائتلفت بمعان يقال لها المؤتلفات فإذا رفعت عنها بقيت أجزاء لا تتجزء و اختلف في أقل أجزاء الأجسام و الصحيح أنه ما تألف من ثمانية أجزاء و قيل من ستة أجزاء عن أبي الهذيل و قيل من أربعة أجزاء عن البلخي.

الإعراب

«ساء ما كانوا يعملون» تقديره ساء العمل عملهم فقوله «ما كانوا يعملون» موصول و صلة في موضع رفع بأنه مبتدأ أو خبر مبتدإ محذوف هو المخصوص بالذم.

«أنى يؤفكون» أنى في موضع نصب على الحال بمعنى كيف و التقدير أ جاحدين يؤفكون و يجوز أن يكون في محل النصب على المصدر و التقدير أي أفك يؤفكون و قيل معناه من أين يؤفكون أي يصرفون عن الحق بالباطل عن الزجاج فعلى هذا يكون منصوبا على الظرف و يصدون في موضع نصب على الحال.

المعنى

خاطب الله سبحانه نبيه فقال «إذا جاءك» يا محمد «المنافقون» و هم الذين يظهرون الإيمان و يبطنون الكفر و اشتقاقه من النفق و النافقاء كما قال الشاعر:

{للمؤمنين أمور غير مخزية --- و للمنافق سر دونه نفق}

«قالوا نشهد إنك لرسول الله» أي أخبروا بأنهم يعتقدون أنك رسول الله «و الله يعلم» يا محمد «إنك لرسوله» على الحقيقة و كفى بالله شهيدا «و الله يشهد إن المنافقين لكاذبون» في قولهم إنهم يعتقدون أنك رسول الله فكان إكذابهم في اعتقادهم و أنهم يشهدون ذلك بقلوبهم و لم يكذبوا فيما يرجع إلى ألسنتهم لأنهم شهدوا بذلك و هم صادقون فيه و في هذا دلالة على أن حقيقة الإيمان إنما هو بالقلب و من قال شيئا و اعتقد خلافه فهو كاذب «اتخذوا أيمانهم جنة» أي سترة يستترون بها من الكفر لئلا يقتلوا و لا يسبوا و لا تؤخذ أموالهم «فصدوا عن سبيل الله» أي فأعرضوا بذلك عن دين الإسلام و قيل معناه منعوا غيرهم عن اتباع سبيل الحق بأن دعوهم إلى الكفر في الباطن و هذا من خواص المنافقين يصدون العوام عن الدين كما تفعل المبتدعة «إنهم ساء ما كانوا يعملون» أي بئس الذين يعملونه من إظهار الإيمان مع إبطان الكفر و الصد عن السبيل «ذلك بأنهم آمنوا» بألسنتهم عند الإقرار بلا إله إلا الله محمد رسول الله «ثم كفروا» بقلوبهم لما كذبوا بهذا عن قتادة و قيل معناه آمنوا ظاهرا عند النبي و المسلمين ثم كفروا إذا خلوا بالمشركين و إنما قال ثم كفروا لأنهم جددوا الكفر بعد إظهار الإيمان «فطبع على قلوبهم» أي ختم عليها بسمة تميز بها الملائكة بينهم و بين المؤمنين على الحقيقة و قيل لما ألفوا الكفر و العناد و لم يصغوا إلى الحق و لا فكروا في المعاد خلاهم الله و اختارهم و خذلهم فصار ذلك طبعا على قلوبهم و هو الفهم إلى ما اعتادوه من الكفر عن أبي مسلم «فهم لا يفقهون» أي لا يعلمون الحق من حيث أنهم لا يتفكرون حتى يميزوا بين الحق و الباطل «و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم» بحسن منظرهم و تمام خلقتهم و جمال بزتهم «و إن يقولوا تسمع

لقولهم» أي و إذا قالوا شيئا أصغيت إلى كلامهم لحسن منطقهم و فصاحة لسانهم و بلاغة بيانهم «كأنهم خشب مسندة» أي كأنهم أشباح بلا أرواح شبههم الله في خلوهم من العقول و الأفهام بالخشب المسندة إلى شيء لا أرواح فيها و قيل أنه شبههم بخشب نخرة متأكلة لا خير فيها و يحسب من رآها أنها صحيحة سليمة من حيث أن ظاهرها يروق و باطنها لا يفيد فكذلك المنافق ظاهره معجب رائع و باطنه عن الخير زائغ «يحسبون كل صيحة عليهم» وصفهم الله تعالى بالخور و الهلع أي يظنون كل صيحة يسمعونها كائنة عليهم و المعنى يحسبون أنها مهلكتهم و أنهم هم المقصودون بها جبنا و وجلا و ذلك مثل أن ينادي مناد في العسكر أو يصيح أحد بصاحبه أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة و قيل معناه إذا سمعوا صيحة ظنوا أنها آية منزلة في شأنهم و في الكشف عن حالتهم لما عرفوا من الغش و الخيانة في صدورهم و لذلك قيل المريب خائف ثم أخبر سبحانه بعداوتهم فقال «هم العدو» لك و للمؤمنين في الحقيقة «فاحذرهم» أن تأمنهم على سرك و توقهم «قاتلهم الله» أي أخزاهم و لعنهم و قيل أنه دعاء عليهم بالهلاك لأن من قاتله الله فهو مقتول و من غالبه فهو مغلوب «أنى يؤفكون» أي أنى يصرفون عن الحق مع كثرة الدلالات و هذا توبيخ و تقريع و ليس باستفهام عن أبي مسلم و قيل معناه كيف يكذبون من الإفك «و إذا قيل لهم تعالوا» أي هلموا «يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم» أي أكثروا تحريكها بالهزء لها استهزاء بدعائهم إلى ذلك و قيل أمالوها إعراضا عن الحق و كراهة لذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ذلك لكفرهم و استكبارهم «و رأيتهم» يا محمد «يصدون» عن سبيل " الله " الحق «و هم مستكبرون» أي متكبرون مظهرون أنه لا حاجة لهم إلى الاستغفار.