۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المنافقون، آية ١١

التفسير يعرض الآيات ٦ إلى ١١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ أَسۡتَغۡفَرۡتَ لَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ لَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٦ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ ٧ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

سوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَستَغْفَرْت لَهُمْ أَمْ لَمْ تَستَغْفِرْ لهَُمْ لَن يَغْفِرَ اللّهُ لهَُمْ إِنّ اللّهَ لا يهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ (6) هُمُ الّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلى مَنْ عِندَ رَسولِ اللّهِ حَتى يَنفَضوا وَ للّهِ خَزَائنُ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ لَكِنّ الْمُنَفِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئن رّجَعْنَا إِلى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الأَعَزّ مِنهَا الأَذَلّ وَ للّهِ الْعِزّةُ وَ لِرَسولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لَكِنّ الْمُنَفِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8) يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا لا تُلْهِكمْ أَمْوَلُكُمْ وَ لا أَوْلَدُكمْ عَن ذِكرِ اللّهِ وَ مَن يَفْعَلْ ذَلِك فَأُولَئك هُمُ الْخَسِرُونَ (9) وَ أَنفِقُوا مِن مّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْت فَيَقُولَ رَب لَوْ لا أَخّرْتَنى إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصدّقَ وَ أَكُن مِّنَ الصلِحِينَ (10) وَ لَن يُؤَخِّرَ اللّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَ اللّهُ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)

القراءة

قرأ أبو عمرو و أكون بالنصب و الباقون «و أكن» بالجزم و قرأ حماد و يحيى بما يعلمون بالياء و الباقون بالتاء.

الحجة

من قرأ «و أكن» عطفه على موضع قوله «فأصدق» لأنه في موضع فعل مجزوم أ لا ترى أنك إذا قلت أخرني أصدق كان جزما بأنه جواب الجزاء و قد أغنى السؤال عن ذكر الشرط و التقدير أخرني فإنك إن تؤخرني أصدق فلما كان الفعل المنتصب بعد الفاء في موضع فعل مجزوم بأنه جواب الشرط حمل قوله «و أكن» عليه و مثل ذلك قوله «و من يضلل الله فلا هادي له و يذرهم» لما كان فلا هادي له في موضع فعل مجزوم حمل و يذرهم عليه و مثل ذلك قول الشاعر:

{فأبلوني بليتكم لعلي --- أصالحكم و ستدرج نويا حمل}

و استدرج على موضع الفاء المحذوفة و ما بعدها من لعلي و كذلك قوله:

{أيا سلكت فإنني لك كاشح --- و على انتقاصك في الحياة و ازدد}

حمل و ازدد على موضع الفاء و ما بعدها و أما قول أبي عمرو و أكون فإنما حمله على اللفظ دون الموضع و كان الحمل على اللفظ أولى لظهوره في اللفظ و قربه و زعموا أن في حرف أبي فأتصدق و أكون و من قرأ بما يعملون بالياء فعلى قوله «و لن يؤخر الله نفسا» لأن النفس و إن كان واحدا في اللفظ فالمراد به الكثرة و من قرأ بالتاء كان خطابا شائعا.

اللغة

الانفضاض التفرق و فض الكتاب إذا فرقه و نشره و سميت الفضة فضة لتفرقها في أثمان الأشياء المشتراة و كل شيء يشغلك عن شيء فقد ألهاك عنه قال:

ألهى بني جشم عن كل مكرمة

قصيدة قالها عمرو بن كلثوم و قال امرؤ القيس:

{فمثلك حبلى قد طرقت و مرضع --- فألهيتها عن ذي تمائم محول}

النزول

نزلت الآيات في عبد الله بن أبي المنافق و أصحابه و ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه و قائدهم الحرث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما سمع بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فتزاحف الناس و اقتتلوا فهزم الله بني المصطلق و قتل منهم من قتل و نفل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبناءهم و نساءهم و أموالهم فبينا الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس و مع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له جهجاه بن سعيد يقود له فرسه فازدحم جهجاه و سنان الجهني من بني عوف بن خزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الأنصار و صرخ الغفاري يا معشر المهاجرين فأعان الغفاري رجل من المهاجرين يقال له جعال و كان فقيرا فقال عبد الله بن أبي لجعال إنك لهتاك فقال و ما يمنعني أن أفعل ذلك و اشتد لسان جعال على عبد الله فقال عبد الله و الذي يحلف به لآزرنك و يهمك غير هذا و غضب ابن أبي و عنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم حديث السن فقال ابن أبي قد نافرونا و كاثرونا في بلادنا و الله ما مثلنا و مثلهم إلا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك أما و الله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل يعني بالأعز نفسه و بالأذل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أقبل على من حضره من قومه فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم و قاسمتوهم أموالكم أما و الله لو أمسكتم عن جعال و ذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم و لأوشكوا أن يتحولوا من بلادكم و يلحقوا بعشائرهم و مواليهم فقال زيد بن أرقم أنت و الله الذليل القليل المبغض في قومك و محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في عز من الرحمن و مودة من المسلمين و الله لا أحبك بعد كلامك هذا فقال عبد الله اسكت فإنما كنت ألعب فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

و ذلك بعد فراغه من الغزو فأخبره الخبر فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرحيل و أرسل إلى عبد الله فأتاه فقال ما هذا الذي بلغني عنك فقال عبد الله و الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك قط و إن زيدا لكاذب و قال من حضر من الأنصار يا رسول الله شيخنا و كبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام من غلمان الأنصار عسى أن يكون هذا الغلام وهم في حديثه فعذره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و فشت الملامة من الأنصار لزيد و لما استقل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسار لقيه أسيد بن الحضير فحياه بتحية النبوة ثم قال يا رسول الله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أ و ما بلغك ما قال صاحبكم زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل فقال أسيد فأنت و الله يا رسول الله تخرجه إن شئت هو و الله الذليل و أنت العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق به فو الله لقد جاء الله بك و إن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه و إنه ليرى أنك قد استلبته ملكا و بلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا رسول الله أنه قد بلغني أنك تريد قتل أبي فإن كنت لا بد فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني و أني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي أن يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار فقال بل ترفق به و تحسن صحبته ما بقي معنا قالوا و سار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالناس يومهم ذلك حتى أمسى و ليلتهم حتى أصبح و صدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يكن إلا أن وجدوا مس الأرض وقعوا نياما إنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي خرج من عبد الله بن أبي ثم راح بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق البقيع يقال له بقعاء فهاجت ريح شديدة آذتهم و تخوفوها و ضلت ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و ذلك ليلا فقال مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة قيل من هو قال رفاعة فقال رجل من المنافقين كيف يزعم أنه يعلم الغيب و لا يعلم مكان ناقته أ لا يخبره الذي يأتيه بالوحي فأتاه جبريل فأخبره بقول المنافق و بمكان الناقة و أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك أصحابه و قال ما أزعم أني أعلم الغيب و ما أعلمه و لكن الله تعالى أخبرني بقول المنافق و بمكان ناقتي هي في الشعب فإذا هي كما قال فجاؤوا بها و آمن ذلك المنافق فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد في التابوت أحد بني قينقاع و كان من عظماء اليهود و قد مات ذلك اليوم قال زيد بن أرقم فلما وافى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة جلست في البيت لما بي من الهم و الحياء فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد و تكذيب عبد الله بن أبي ثم أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بإذن زيد فرفعه عن

الرحل ثم قال يا غلام صدق فوك و وعت أذناك و وعى قلبك و قد أنزل الله فيما قلت قرآنا و كان عبد الله بن أبي بقرب المدينة فلما أراد أن يدخلها جاءه ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي حتى أناخ على مجامع طرق المدينة فقال ما لك ويلك قال و الله لا تدخلها إلا بإذن رسول الله و لتعلمن اليوم من الأعز من الأذل فشكا عبد الله ابنه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأرسل إليه أن خل عنه يدخل فقال أما إذا جاء أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنعم فدخل فلم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى و مات فلما نزلت هذه الآيات و بان كذب عبد الله قيل له نزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يستغفر لك فلوى رأسه ثم قال أمرتموني أن أومن فقد آمنت و أمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزل «و إذا قيل لهم تعالوا» إلى قوله «و لكن المنافقين لا يعلمون».

###

المعنى

ثم ذكر سبحانه أن استغفاره لا ينفعهم فقال «سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم» أي يتساوى الاستغفار لهم و عدم الاستغفار «لن يغفر الله لهم» لأنهم يبطنون الكفر و إن أظهروا الإيمان «إن الله لا يهدي القوم الفاسقين» أي لا يهدي القوم الخارجين عن الدين و الإيمان إلى طريق الجنة قال الحسن أخبره سبحانه أنهم يموتون على الكفر فلم يستغفر لهم و قد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يستغفر لهم على ظاهر الحال بشرط حصول التوبة و أن يكون الباطن مثل الظاهر فبين الله تعالى أن ذلك لا ينفعهم مع إبطانهم الكفر و النفاق ثم قال سبحانه «هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله» من المؤمنين المحتاجين «حتى ينفضوا» أي يتفرقوا عنه و إنما قالوا هم من عند محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و لكن الله سبحانه سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تشريفا له و تعظيما لقدره «و لله خزائن السماوات و الأرض» و ما بينهما من الأرزاق و الأموال و الأغلاق فلو شاء لأغناهم و لكنه تعالى يفعل ما هو الأصلح لهم و يمتحنهم بالفقر و يتعبدهم بالصبر ليصبروا فيؤجروا و ينالوا الثواب و كريم المآب «و لكن المنافقين لا يفقهون» ذلك على الحقيقة لجهلهم بوجوه الحكمة و قيل لا يفقهون أن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون «يقولون لأن رجعنا إلى المدينة» من غزوة بني المصطلق «ليخرجن الأعز» يعنون نفوسهم «منها الأذل» يعنون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و المؤمنين فرد الله سبحانه عليهم بأن قال «و لله العزة و لرسوله» بإعلاء الله كلمته و إظهاره دينه على الأديان «و للمؤمنين» بنصرته إياهم في الدنيا و إدخالهم الجنة في العقبي و قيل و لله العزة بالربوبية و لرسوله بالنبوة و للمؤمنين بالعبودية أخبر سبحانه بذلك ثم حققه بأن أعز رسوله و المؤمنين و فتح عليهم مشارق الأرض و مغاربها و قيل عز الله خمسة عز الملك و البقاء و عز العظمة و الكبرياء و عز البذل و العطاء و عز الرفعة و العلاء و عز الجلال و البهاء و عز الرسول خمسة عز

السبق و الابتداء و عز الأذان و النداء و عز قدم الصدق على الأنبياء و عز الاختيار و الاصطفاء و عز الظهور على الأعداء و عز المؤمنين خمسة عز التأخير بيانه نحن الآخرون السابقون و عز التيسير بيانه و لقد يسرنا القرآن للذكر يريد الله بكم اليسر و عز التبشير، بيانه و بشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا و عز التوقير، بيانه و أنتم الأعلون و عز التكثير، بيانه أنهم أكثر الأمم «و لكن المنافقين لا يعلمون» فيظنون أن العزة لهم و ذلك لجهلهم بصفات الله تعالى و ما يستحقه أولياؤه و وجه الجمع بين هذه الآية و بين قوله فلله العزة جميعا أن عز الرسول و المؤمنين من جهته عز اسمه و إنما يحصل به و بطاعته فلله العز بأجمعه ثم خاطب سبحانه المؤمنين فقال «يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم» أي لا تشغلكم «أموالكم و لا أولادكم عن ذكر الله» أي عن الصلوات الخمس المفروضة و قيل ذكر الله جميع طاعاته عن أبي مسلم و قيل ذكره شكره على نعمائه و الصبر على بلائه و الرضاء بقضائه و هو إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يغفل المؤمن عن ذكر الله في بؤس كان أو نعمة فإن إحسانه في الحالات لا ينقطع «و من يفعل ذلك» أي من يشغله ماله و ولده عن ذكر الله «فأولئك هم الخاسرون» خسروا ثواب الله و رحمته «و أنفقوا مما رزقناكم» في سبيل البر فيدخل فيه الزكوات و سائر الحقوق الواجبة «من قبل أن يأتي أحدكم الموت» أي أسباب الموت «فيقول رب لو لا أخرتني إلى أجل قريب» أي هلا أخرتني و ذلك إذا عاين علامات الآخرة فيسأل الرجعة إلى الدنيا ليتدارك الفائت قالوا و ليس في الزجر عن التفريط في حقوق الله آية أعظم من هذه و قوله «إلى أجل قريب» أي مثل ما أجلت لي في دار الدنيا «فأصدق» أي فأتصدق و أزكي مالي و أنفقه في سبيل الله «و أكن من الصالحين» أي من الذين يعملون الأعمال الصالحة و قيل من الصالحين أي من المؤمنين و الآية في المنافقين عن مقاتل و قيل من المطيعين لله و الآية في المؤمنين عن ابن عباس قال ما من أحد يموت و كان له مال فلم يؤد زكاته و أطاق الحج فلم يحج إلا سأل الرجعة عند الموت قالوا يا ابن عباس اتق الله فإنما نرى هذا الكافر يسأل الرجعة فقال أنا أقرأ عليكم قرآنا ثم قرأ هذه الآية إلى قوله «من الصالحين» قال الصلاح هنا الحج و روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) «و لن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها» يعني الأجل المطلق الذي حكم بأن الحي يموت عنده و الأجل المقيد هو الأجل المحكوم بأن العبد يموت عنده إن لم يقتطع دونه أو لم يزد عليه أو لم ينقص منه على ما يعلمه الله من المصلحة «و الله خبير بما تعملون» أي عليم بأعمالكم يجازيكم بها.

النظم

وجه اتصال هذه الآية الأخيرة بما قبلها أن معناه أنه سبحانه لو علم أنكم تتوبون لجعل في أجلكم تأخيرا إلى وقت آخر و لكنه علم أنكم لا تتوبون.