۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الممتحنة، آية ٨

التفسير يعرض الآيات ٦ إلى ٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦ ۞ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجۡعَلَ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ عَادَيۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةٗۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٞۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧ لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨ إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

لَقَدْ كانَ لَكمْ فِيهِمْ أُسوَةٌ حَسنَةٌ لِّمَن كانَ يَرْجُوا اللّهَ وَ الْيَوْمَ الاَخِرَ وَ مَن يَتَوَلّ فَإِنّ اللّهَ هُوَ الْغَنىّ الحَْمِيدُ (6) عَسى اللّهُ أَن يجْعَلَ بَيْنَكمْ وَ بَينَ الّذِينَ عَادَيْتُم مِّنهُم مّوَدّةً وَ اللّهُ قَدِيرٌ وَ اللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ (7) لا يَنْهَاشُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فى الدِّينِ وَ لَمْ يخْرِجُوكم مِّن دِيَرِكُمْ أَن تَبرّوهُمْ وَ تُقْسِطوا إِلَيهِمْ إِنّ اللّهَ يحِب الْمُقْسِطِينَ (8) إِنّمَا يَنهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ قَتَلُوكُمْ فى الدِّينِ وَ أَخْرَجُوكم مِّن دِيَرِكُمْ وَ ظهَرُوا عَلى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلّوْهُمْ وَ مَن يَتَوَلهُّمْ فَأُولَئك هُمُ الظلِمُونَ (9)

النزول

نزل قوله «لا ينهاكم الله» الآية في خزاعة و بني مدلج و كانوا صالحوا رسول الله على أن لا يقاتلوه و لا يعينوا عليه أحدا عن ابن عباس.

المعنى

ثم أعاد سبحانه في ذكر الأسوة فقال «لقد كان لكم فيهم» أي في إبراهيم و من آمن معه «أسوة حسنة» أي قدوة حسنة و إنما أعاد ذكر الأسوة لأن الثاني منعقد بغير ما انعقد به الأول فإن الثاني فيه بيان أن الأسوة فيهم كان لرجاء ثواب الله و حسن المنقلب و الأول فيه بيان أن الأسوة في المعاداة للكفار و قوله «لمن كان يرجوا الله و اليوم الآخر» بدل من قوله «لكم» و هو بدل البعض من الكل مثل قوله «و لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» و فيه بيان أن هذه الأسوة لمن يخاف الله و يخاف عقاب الآخرة و هو قوله «و اليوم الآخر» و قيل يرجو ثواب الله و ما يعطيه من ذلك في اليوم الآخر «و من يتول» أي و من يعرض عن هذا الاقتداء بإبراهيم و الأنبياء و المؤمنين و الذين معه فقد أخطأ حظ نفسه و ذهب عما يعود نفعه إليه فحذفه لدلالة الكلام عليه و هو قوله «فإن الله هو الغني الحميد» أي الغني عن ذلك المحمود في جميع أفعاله فلا يضره توليه و لكنه ضر نفسه «عسى الله أن يجعل بينكم و بين الذين عاديتم منهم» أي من كفار مكة «مودة» بالإسلام قال مقاتل لما أمر الله سبحانه المؤمنين بعداوة الكفار عادوا أقرباءهم فنزلت هذه الآية و المعنى أن موالاة الكفار لا تنفع و الله سبحانه قادر على أن يوفقهم للإيمان و تحصل المودة بينكم و بينهم فكونوا على رجاء و طمع من الله أن يفعل ذلك و قد فعل ذلك حين أسلموا عام الفتح فحصلت المودة بينهم و بين المسلمين «و الله قدير» على نقل القلوب من العداوة إلى المودة و على كل شيء يصح أن يكون مقدورا له «و الله غفور» لذنوب عباده «رحيم» بهم إذا تابوا و أسلموا «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم» أي ليس ينهاكم الله عن مخالطة أهل العهد الذين عاهدوكم على ترك القتال و برهم و معاملتهم بالعدل و هو قوله «أن تبروهم و تقسطوا إليهم» أي و تعدلوا فيما بينكم و بينهم من الوفاء بالعهد عن الزجاج و قيل إن المسلمين استأمروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أن يبروا أقرباءهم من المشركين و ذلك قبل أن يؤمروا بقتال جميع المشركين فنزلت هذه الآية و هي منسوخة بقوله اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم عن ابن عباس و الحسن و قتادة و قيل إنه عنى بالذين لم يقاتلوكم من آمن من أهل مكة و لم يهاجر عن قتادة و قيل هي عامة في كل من كان بهذه الصفة عن ابن الزبير و الذي عليه الإجماع أن بر الرجل من يشاء من أهل الحرب قرابة كان أو غير قرابة ليس بمحرم و إنما الخلاف في

إعطائهم مال لزكاة و الفطرة و الكفارات فلم يجوزه أصحابنا و فيه خلاف بين الفقهاء و قوله «أن تبروهم» في موضع جر بدل من الذين و هو بدل الاشتمال و تقديره لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم «إن الله يحب المقسطين» أي العادلين و قيل يحب الذين يجعلون لقراباتهم قسطا مما في بيوتهم من المطعومات ثم قال «إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين» من أهل مكة و غيرهم «و أخرجوكم من دياركم» أي منازلكم و أملاككم «و ظاهروا على إخراجكم» أي عاونوا على ذلك و عاضدوهم و هم العوام و الأتباع عاونوا رؤساءهم على الباطل «أن تولوهم» أي ينهاكم الله عن أن تولوهم و توادوهم و تحبونهم و المعنى أن مكاتبتكم بينهم بإظهار سر المؤمنين موالاة لهم «و من يتولهم» منكم أي يوالهم و ينصرهم «فأولئك هم الظالمون» يستحقون بذلك العذاب الأليم.