۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الحديد، آية ١٥

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١١ يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢ يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣ يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤ فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

مّن ذَا الّذِى يُقْرِض اللّهَ قَرْضاً حَسناً فَيُضعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَتِ يَسعَى نُورُهُم بَينَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَنِهِم بُشرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنّتٌ تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا ذَلِك هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَ الْمُنَفِقَت لِلّذِينَ ءَامَنُوا انظرُونَا نَقْتَبِس مِن نّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسوا نُوراً فَضرِب بَيْنهُم بِسورٍ لّهُ بَاب بَاطِنُهُ فِيهِ الرّحْمَةُ وَ ظهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَاب (13) يُنَادُونهُمْ أَ لَمْ نَكُن مّعَكُمْ قَالُوا بَلى وَ لَكِنّكمْ فَتَنتُمْ أَنفُسكُمْ وَ تَرَبّصتُمْ وَ ارْتَبْتُمْ وَ غَرّتْكُمُ الأَمَانىّ حَتى جَاءَ أَمْرُ اللّهِ وَ غَرّكُم بِاللّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَ لا مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النّارُ هِىَ مَوْلَاكُمْ وَ بِئْس الْمَصِيرُ (15)

القراءة

القراءة في فيضاعفه و الاختلاف فيه قد مضى ذكره في سورة البقرة و قرأ حمزة أنظرونا بقطع الهمزة و فتحها و كسر الظاء و الباقون «انظرونا» بهمزة الوصل و ضم الظاء و قرأ أبو جعفر و ابن عامر و يعقوب لا تؤخذ منكم بالتاء و الباقون بالياء و في الشواذ قراءة سهل بن شعيب و بإيمانهم بكسر الهمزة و قراءة سماك بن حرب و غركم بالله الغرور بضم الغين.

الحجة

قال أبو علي النظر هو تقليب العين إلى الجهة التي فيها المرئي و المراد رؤيته و مما يدل على ذلك قوله:

{فيا مي هل يجزي بكائي بمثله --- مرارا و أنفاسي إليك الزوافر} {و إني متى أشرف على الجانب الذي --- به أنت من بين الجوانب ناظر}

فلو كان النظر الرؤية لم يطلب عليه الجزاء لأن المحب لا يستثيب من النظر إلى محبوبه شيئا بل يريد ذلك و يتمناه و يدل على ذلك قول الآخر:

{ونظرة ذي شجن وامق --- إذا ما الركائب جاوزن ميلا}

و أما قوله تعالى و لا ينظر إليهم يوم القيامة فالمعنى أنه سبحانه لا ينيلهم رحمته و قد تقول نظر إلي فلان إذا كان ينيلك شيئا و يقول القائل أنظر إلي نظر الله إليك يريد أنلني خيرا أنالك الله و نظرت فعل يستعمل و ما تصرف منه على ضروب ( أحدها ) أن تريد به نظرت إلى الشيء فتحذف الجار و توصل الفعل و من ذلك ما أنشده أبو الحسن:

{ظاهرات الجمال و الحسن ينظرن --- كما ينظر الأراك الظباء}

و المعنى ينظرن إلى الأراك فحذف الجار و الآخر أن تريد به تأملت و تدبرت و هو فعل غير متعد فمن ذلك قولهم اذهب فانظر زيدا أبو من هو فهذا يراد به التأمل و من ذلك قوله أنظر كيف ضربوا لك الأمثال و أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض و قد يتعدى هذا بالجار كقوله أ فلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت فهذا خص على التأمل و قد يتعدى هذا يعني نحو قوله أ و لم ينظروا في ملكوت السماوات و الأرض.

فأما قول امرىء القيس:

{فلما بدا حوران و الآل دونه --- نظرت فلم تنظر بعينك منظرا}

فيجوز أن يكون نظرت لم تر بعينك منظرا إلى الآل و قد جوز أن يعني بالنظر الرؤية على الاتساع لأن تقليب البصر نحو المبصر تتبعه الرؤية و قد يجري على الشيء لفظ ما يتبعه و يقترن به كقولهم للمزادة راوية و للقناء عذرة و قد يكون نظرت فلم تنظر مثل تكلمت و لم تتكلم أي لم تأت بكلام على حسب ما يراد فكذلك نظرت فلم تنظر بعينك منظرا كما تريد أ و لم تر منظرا يروق و ضرب آخر من نظرت هو أن تريد به انتظرته من ذلك قوله غير ناظرين إناه و مثله قول الفرزدق:

{نظرت كما انتظرت الله حتى --- كفاك الماحلين لك المحالا}

يريد انتظرت كما انتظرت و قد يكون أنظرت في معنى انتظرت تطلب بقولك أنظرني التنفيس الذي يطلب بالانتظار فمن ذلك قوله:

{أبا هند فلا تعجل علينا --- و انظرنا نخبرك اليقينا}

ومن ذلك قوله فانظرني إلى يوم يبعثون إنما هو طلب الإمهال و التسويف فالمطلوب بقوله:

وانظرنا نخبرك اليقينا تنفيس و في قوله فانظرني إلى يوم يبعثون تسويف و تأخير و كذلك ما جاء في الحديث من إنظار المعسر و كذلك قوله «انظرونا نقتبس من نوركم» أي نفسونا نقتبس و انتظروا علينا و ليس تسرع من تسرع إلى تخطئة من قال انظرونا بشيء و لا ينبغي أن يقال فيما لطف أنه خطأ و قوله فاليوم لا تؤخذ منكم فدية حسن التاء لتأنيث الفاعل و يحسن الياء للفصل الواقع بين الفعل و الفاعل و لأن التأنيث غير حقيقي و أما قوله «بأيمانهم» فقد قال ابن جني هو معطوف على قوله «بين أيديهم» و يكون الظرف الذي هو بين أيديهم معناه الحال فيتعلق بمحذوف أي يسعى كائنا بين أيديهم و إذا كان كذلك جاز أن يعطف عليه الباء و ما جرته أي كائنا بأيمانهم كقوله ذلك بما قدمت يداك و قوله «الغرور» معناه الاغترار و هو مقدر على حذف المضاف أي و غركم بالله سلامة الاغترار أي سلامتكم مع اغتراركم و قال الزجاج الغرور كل ما غر من متاع الدنيا.

اللغة

القرض ما تعطيه غيرك ليقضيكه و أصله القطع فهو قطعة عن مالكه بإذنه على ضمان رد مثله و العرب تقول لي عندك قرض صدق و قرض سوء إذا فعل به خيرا أو شرا قال الشاعر:

{ويقضي سلامان بن مفرج قرضها --- بما قدمت أيديهم و أزلت}

والمضاعفة الزيادة على المقدار مثله أو أمثاله و الاقتباس أخذ النار و يقال قبسته نارا و اقتبسته علما و التربص الترقب و الانتظار.

الإعراب

«من ذا» قال الفراء ذا صلة لمن قال و رأيتها في مصحف عبد الله منذ الذي و النون موصولة بالذال و الذي قيل إن المعنى من هذا الذي و من في موضع رفع بالابتداء و الذي خبره على القول الأول و على القول الثاني يكون ذا مبتدأ و الذي خبره و الجملة خبر من كذا ذكره ابن فضال و أقول إن الصحيح أن يكون ذا مبتدأ و «الذي يقرض الله» صفته و من خبر المبتدأ قدم عليه لما فيه من معنى الاستفهام.

«يوم ترى المؤمنين» يتعلق بقوله «و له أجر كريم» و «يوم يقول المنافقون» يتعلق بقوله «ذلك هو الفوز العظيم» و يجوز أن يكون التقدير و اذكر يوم يقول و يجوز أن يكون بدلا من «يوم ترى» «له باب» في موضع جر صفة لسور «باطنه فيه الرحمة» صفة لباب.

المعنى

ثم حث سبحانه على الإنفاق فقال «من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا» أي طيبة به نفسه عن مقاتل و قد تقدم تفسيره في سورة البقرة «فيضاعفه له» أي يضاعف له لجزاء من بين سبع إلى سبعين إلى سبعمائة و قال أهل التحقيق القرض الحسن أن يجمع عشرة أوصاف أن يكون من الحلال لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب و أن يكون من أكرم ما يملكه دون أن يقصد الرديء بالإنفاق لقول و لا تيمموا الخبيث منه تنفقون و أن يتصدق و هو يحب المال و يرجو الحياة لقوله لما سئل عن الصدقة أفضل الصدقة أن تعطيه و أنت صحيح شحيح تأمل العيش و تخشى الفقر و لا تمهل حتى إذا بلغت النفس التراقي قلت لفلان كذا و لفلان كذا و أن يضعه في الأخل الأحوج الأولى بأخذه و لذلك خص الله أقواما بأخذ الصدقات و هم أهل السهمان و أن يكتمه ما أمكن لقوله و إن تخفوها و تؤتوها الفقراء فهو خير لكم و أن لا يتبعه المن و الأذى لقوله «لا تبطلوا صدقاتكم بالمن و الأذى» و أن يقصد به وجه الله و لا يرائي بذلك لأن الرياء مذموم و أن يستحقر ما يعطي و إن كثر لأن متاع الدنيا قليل و أن يكون من أحب ماله إليه لقوله «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» فهذه الأوصاف العشرة إذا استكملتها الصدقة كان ذلك قرضا حسنا «و له أجر كريم» أي جزاء خالص لا يشوبه صفة نقص فالكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير فلما كان ذلك الأجر يعطي النفع العظيم وصف بالكريم و الأجر الكريم هو الجنة «يوم ترى» يا محمد «المؤمنين و المؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم و بأيمانهم» على الصراط يوم القيامة و هو دليلهم إلى الجنة و يريد بالنور الضياء الذي يرونه و يمرون فيه عن قتادة و قيل نورهم هديهم عن الضحاك و قال قتادة إن المؤمن يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء و دون ذلك حتى إن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه و قال عبد الله بن مسعود و يؤتون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من نوره مثل الجبل و أدناهم نورا نوره على إبهامه يطفأ مرة و يقد أخرى و قال الضحاك «و بأيمانهم» يعني كتبهم التي أعطوها و نورهم بين أيديهم و تقول لهم الملائكة «بشراكم اليوم جنات» أي الذي تبشرون به اليوم جنات «تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها» أي مؤبدين دائمين لا تفنون «ذلك هو الفوز العظيم» أي الظفر بالمطلوب ثم ذكر حال المنافقين في ذلك اليوم فقال «يوم يقول المنافقون و المنافقات للذين آمنوا» ظاهرا و باطنا «انظرونا نقتبس من نوركم» قال الكلبي يستضيء المنافقون بنور المؤمنين و لا يعطون النور فإذا سبقهم المؤمنون قالوا انظرونا نقتبس من نوركم أي نستضيء بنوركم و نبصر الطريق فتتخلص من هذه الظلمات و قيل إنهم إذا

###

خرجوا من قبورهم اختلطوا فيسعى المنافقون في نور المؤمنين فإذا ميزوا بقوا في الظلمة فيستغيثون و يقولون هذا القول «قيل» أي فيقال للمنافقين «ارجعوا وراءكم» أي ارجعوا إلى المحشر حيث أعطينا النور «فالتمسوا نورا» فيرجعون فلا يجدون نورا عن ابن عباس و ذلك أنه قال تغشى الجميع ظلمة شديدة ثم يقسم النور و يعطى المؤمن نورا و يترك الكافر و المنافق و قيل معنى قوله «ارجعوا وراءكم» ارجعوا إلى الدنيا إن أمكنكم فاطلبوا النور منها فإنا حملنا النور منها بالإيمان و الطاعات و عند ذلك يقول المؤمنون ربنا أتمم لنا نورنا «فضرب بينهم بسور» أي ضرب بين المؤمنين و المنافقين سور و الباء مزيدة لأن المعنى حيل بينهم و بينهم بسور و هو حائط بين الجنة و النار عن قتادة و قيل هو سور على الحقيقة «له باب» أي لذلك السور باب «باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله» أي من قبل ذلك الظاهر «العذاب» و هو النار و قيل باطنه أي باطن ذلك السور فيه الرحمة أي الجنة التي فيها المؤمنون و ظاهره أي و خارج السور من قبله يأتيهم العذاب يعني أن المؤمنين يسبقونهم و يدخلون الجنة و المنافقون يجعلون في النار و العذاب و بينهم السور الذي ذكره الله «ينادونهم» أي ينادي المنافقون المؤمنين «أ لم نكن معكم» في الدنيا نصوم و نصلي كما تصومون و تصلون و نعمل كما تعملون «قالوا بلى» أي يقول المؤمنون لهم بلى كنتم معنا «و لكنكم فتنتم أنفسكم» أي استعملتموها في الكفر و النفاق و كلها فتنة و قيل معناه تعرضتم للفتنة بالكفر و الرجوع عن الإسلام و قيل معناه أهلكتم أنفسكم بالنفاق «و تربصتم» بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الموت و قلتم يوشك أن يموت فنستريح منه عن مقاتل و قيل تربصتم بالمؤمنين الدوائر «و ارتبتم» أي شككتم في الدين «و غرتكم الأماني» التي تمنيتموها بأن تعود الدائرة على المؤمنين «حتى جاء أمر الله» أي الموت و قيل إلقاؤهم في النار عن قتادة و قيل جاء أمر الله في نصرة دينه و نبيه و غلبته إياكم «و غركم بالله الغرور» يعني الشيطان غركم بحلم الله و إمهاله و قيل الغرور الدنيا «فاليوم لا يؤخذ منكم فدية» أيها المنافقون أي بدل بأن تفدوا أنفسكم من العذاب «و لا من الذين كفروا» أي و لا من سائر الكفار الذين أظهروا الكفر «مأواكم النار» أي مقركم و موضعكم الذي تأوون إليه النار «هي مولاكم» أي هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب و المعنى أنها هي التي تلي عليكم لأنها قد ملكت أمركم فهي أولى بكم من كل شيء «و بئس المصير» أي بئس المأوى و المرجع الذي تصيرون إليه.