۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الفتح، آية ١٥

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

سَيَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ شَغَلَتۡنَآ أَمۡوَٰلُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ بَلۡ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرَۢا ١١ بَلۡ ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهۡلِيهِمۡ أَبَدٗا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمۡ وَظَنَنتُمۡ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِ وَكُنتُمۡ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٢ وَمَن لَّمۡ يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فَإِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَعِيرٗا ١٣ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٤ سَيَقُولُ ٱلۡمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقۡتُمۡ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأۡخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعۡكُمۡۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَٰمَ ٱللَّهِۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمۡ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبۡلُۖ فَسَيَقُولُونَ بَلۡ تَحۡسُدُونَنَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَفۡقَهُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

سيَقُولُ لَك الْمُخَلّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شغَلَتْنَا أَمْوَلُنَا وَ أَهْلُونَا فَاستَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مّا لَيْس فى قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِك لَكُم مِّنَ اللّهِ شيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضراّ أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعَا بَلْ كانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرَا (11) بَلْ ظنَنتُمْ أَن لّن يَنقَلِب الرّسولُ وَ الْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَ زُيِّنَ ذَلِك فى قُلُوبِكُمْ وَ ظنَنتُمْ ظنّ السوْءِ وَ كنتُمْ قَوْمَا بُوراً (12) وَ مَن لّمْ يُؤْمِن بِاللّهِ وَ رَسولِهِ فَإِنّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سعِيراً (13) وَ للّهِ مُلْك السمَوَتِ وَ الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ وَ يُعَذِّب مَن يَشاءُ وَ كانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً (14) سيَقُولُ الْمُخَلّفُونَ إِذَا انطلَقْتُمْ إِلى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كلَمَ اللّهِ قُل لّن تَتّبِعُونَا كذَلِكُمْ قَالَ اللّهُ مِن قَبْلُ فَسيَقُولُونَ بَلْ تحْسدُونَنَا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلاً (15)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم ضرا بضم الضاد يبدلوا كلم الله بغير ألف و الباقون «ضرا» بالفتح «كلام الله» بالألف.

الحجة

قال أبو علي الضر خلاف النفع و في التنزيل ما لا يملك لكم ضرا و لا نفعا و الضر سوء الحال و في التنزيل فكشفنا ما به من ضر هذا الأبين في هذا الحرف عندي و يجوز أن يكونا لغتين في معنى كالفقر و الفقر و الضعف و الضعف و من قرأ «كلام الله» فوجهه أنه قيل فيهم لن تخرجوا معي أبدا فخص الكلام بما كان مفيدا و حديثا فقال كلام الله و من قرأ كلم الله قال الكلم قد يقع على ما يقع عليه الكلام و على غيره و إن كان الكلام بما ذكرنا أخص أ لا ترى أنه قال و تمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل فإنما هو و الله أعلم و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و ما يتصل به.

اللغة

المخلف هو المتروك في المكان خلف الخارجين من البلد و هو مشتق من الخلف و ضده المقدم و الأعراب الجماعة من عرب البادية و عرب الحاضرة ليسوا بأعراب فرقوا بينهما و إن كان اللسان واحدا و البور الفاسد الهالك و هو مصدر لا يثنى و لا يجمع يقال رجل بور و رجال بور قال:

{يا رسول المليك إن لساني --- راتق ما فتقت إذ أنا بور}

وقال حسان:

{لا ينفع الطول من نوك القلوب و قد --- يهدي الإله سبيل المعشر البور}

المعنى

ثم أخبر سبحانه عمن تخلف عن نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «سيقول لك المخلفون من الأعراب» أي الذي تخلفوا عن صحبتك في وجهتك و عمرتك و ذلك أنه لما أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا و كان في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة استنفر من حول المدينة إلى الخروج معه و هم غفار و أسلم و مزينة و جهينة و أشجع و الدئل حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو بصد و أحرم بالعمرة و ساق معه الهدي ليعلم الناس أنه لا يريد حربا فتثاقل عنه كثير من الأعراب فقالوا نذهب معه إلى قوم قد جاءوه فقتلوا أصحابه فتخلفوا عنه و اعتلوا بالشغل فقال سبحانه إنهم يقولون لك إذا انصرفت إليهم فعاتبتهم على التخلف عنك «شغلتنا أموالنا و أهلونا» عن الخروج معك «فاستغفر لنا» في قعودنا عنك فكذبهم الله تعالى فقال «يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم» كذبهم في اعتذارهم بما أخبر عن ضمائرهم و أسرارهم أي لا يبالون استغفر لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أم لا «قل» يا محمد «فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا» أي فمن يمنعكم من عذاب الله إن أراد بكم سوءا و نفعا أي غنيمة عن ابن عباس و ذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يدفع عنهم الضر أو يعجل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم و أموالهم فأخبرهم سبحانه أنه إن أراد بهم شيئا من ذلك لم يقدر أحد على دفعه عنهم «بل كان الله بما تعملون خبيرا» أي عالما بما كنتم تعملون في تخلفكم «بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول و المؤمنون إلى أهليهم أبدا» أي ظننتم أنهم لا يرجعون إلى من خلفوا بالمدينة من الأهل و الأولاد لأن العدو يستأصلهم و يصطليهم «و زين ذلك في قلوبكم» أي زين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم و سوله لكم «و ظننتم ظن السوء» في هلاك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المؤمنين و كل هذا من الغيب الذي لا يطلع عليه أحد إلا الله فصار معجزا لنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) «و كنتم قوما بورا» أي هلكى لا تصلحون لخير عن مجاهد و قيل قوما فاسدين عن قتادة «و من لم يؤمن بالله و رسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا» أي نارا تسعرهم و تحرقهم «و لله ملك السماوات و الأرض يغفر لمن يشاء» ذنوبه «و يعذب من يشاء» إذا استحق العقاب «و كان الله غفورا رحيما» ظاهر المعنى ثم قال «سيقول لك المخلفون» يعني هؤلاء «إذا انطلقتم» أيها المؤمنون «إلى مغانم لتأخذوها» يعني غنائم خيبر «ذرونا نتبعكم» أي اتركونا نجىء معكم و ذلك أنهم لما انصرفوا من عام الحديبية بالصلح وعدهم الله سبحانه فتح خيبر و خص بغنائمها من شهد الحديبية فلما انطلقوا إليها قال هؤلاء المخلفون ذرونا نتبعكم فقال سبحانه «يريدون أن يبدلوا كلام الله» أي مواعيد الله لأهل الحديبية بغنيمة خيبر خاصة أرادوا تغيير ذلك بأن يشاركوهم فيها عن ابن عباس و قيل يريد أمر الله لنبيه أن لا يسير معه منهم أحد عن مقاتل

«قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل» أي قال الله بالحديبية قبل خيبر و قبل مرجعنا إليكم إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية لا يشركهم فيها غيرهم هذا قول ابن عباس و مجاهد و ابن إسحاق و غيرهم من المفسرين و قال الجبائي أراد بقوله «يريدون أن يبدلوا كلام الله» قوله سبحانه قل لن تخرجوا معي أبدا و لن تقاتلوا معي عدوا و هذا غلط فاحش لأن هذه السورة نزلت بعد الانصراف من الحديبية في سنة ست من الهجرة و تلك الآية نزلت في الذين تخلفوا عن تبوك و كانت غزوة تبوك بعد فتح مكة و بعد غزوة حنين و الطائف و رجوع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منها إلى المدينة و مقامه ما بين ذي الحجة إلى رجب ثم تهيأ في رجب للخروج إلى تبوك و كان منصرفه من تبوك في بقية رمضان من سنة تسع من الهجرة و لم يخرج (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك لقتال و لا غزو إلى أن قبضه الله تعالى فكيف تكون هذه الآية مرادة بقوله «كلام الله» و قد نزلت بعده بأربع سنين لو لا أن العصبية ترين على القلوب ثم قال «فسيقولون بل تحسدوننا» أي فسيقول المخلفون عن الحديبية لكم إذا قلتم هذا لم يأمركم الله تعالى به بل أنتم تحسدوننا أن نشارككم في الغنيمة فقال سبحانه ليس الأمر على ما قالوه «بل كانوا لا يفقهون» الحق و ما تدعونهم إليه «إلا قليلا» أي إلا فقها قليلا أو شيئا قليلا و قيل معناه إلا القليل منهم و هم المعاندون.