۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأحقاف، آية ٣٣

التفسير يعرض الآيات ٣١ إلى ٣٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٣١ وَمَن لَّا يُجِبۡ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيۡسَ بِمُعۡجِزٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَيۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءُۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٣٢ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٣٣ وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٤ فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَ مَا يُوعَدُونَ لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَٰغٞۚ فَهَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٣٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

يَقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِىَ اللّهِ وَ ءَامِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِّن ذُنُوبِكمْ وَ يجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَ مَن لا يجِب دَاعِىَ اللّهِ فَلَيْس بِمُعْجِزٍ فى الأَرْضِ وَ لَيْس لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئك فى ضلَلٍ مّبِينٍ (32) أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّ اللّهَ الّذِى خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ لَمْ يَعْىَ بخَلْقِهِنّ بِقَدِرٍ عَلى أَن يُحْيِىَ الْمَوْتى بَلى إِنّهُ عَلى كلِّ شىْءٍ قَدِيرٌ (33) وَ يَوْمَ يُعْرَض الّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أَ لَيْس هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلى وَ رَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (34) فَاصبرْ كَمَا صبرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرّسلِ وَ لا تَستَعْجِل لهُّمْ كَأَنهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا ساعَةً مِّن نهَارِ بَلَغٌ فَهَلْ يُهْلَك إِلا الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ (35)

القراءة

قرأ يعقوب وحده يقدر بالياء و هو قراءة جده عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي و عاصم الجحدري و مالك بن دينار و قرأ جميع القراء «بقادر» و في الشواذ قراءة الحسن و عيسى الثقفي بلاغا بالنصب و قراءة ابن محيصن فهل يهلك بفتح الياء.

الحجة

قال أبو علي قراءة القراء «أ و لم يروا أن الله الذي خلق السماوات و الأرض» إلى قوله «بقادر» من الحمل على المعنى أدخل الباء لما كان في معنى أ و ليس الذي خلق السماوات و الأرض بقادر و مثل ذلك في الحمل على المعنى قول الشاعر:

{بادت و غير آيهن مع البلى --- إلا رواكد جمرهن هباء}

ثم قال:

و مشجج أما سواء قذاله لما كان غير آيهن مع البلى إلا رواكد بمعنى بها رواكد حمل مشجج على ذلك و كذلك قوله يطاف عليهم بكأس من معين ثم قال و حور عين لما كان يطاف عليهم بكذا معناه لهم فيها كذا و قالوا إن أحدا لا يقول ذلك إلا زيد فأدخل أحدا في الموجب لما كان معنى الكلام النفي و من قرأ بلاغا فهو على تقدير فعل مضمر أي بلغوا بلاغا كما أن الرفع على تقدير مضمر أي هو بلاغ أو هذا بلاغ و قرأ أبو مجلز بلغ على الأمر.

المعنى

ثم بين سبحانه تمام خبر الجن فقال حاكيا عنهم «يا قومنا أجيبوا داعي الله» يعنون محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ دعاهم إلى توحيده و خلع الأنداد دونه «و آمنوا به» أي بالله «يغفر لكم من ذنوبكم» أي فإنكم إن آمنتم بالله و رسوله يغفر لكم ذنوبكم «و يجركم» أي و يخلصكم «من عذاب أليم» قال علي بن إبراهيم فجاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فآمنوا به و علمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شرائع الإسلام و أنزل الله سبحانه قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن إلى آخر السورة و كانوا يفرون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في كل وقت و في هذا دلالة على أنه كان مبعوثا إلى الجن كما كان مبعوثا إلى الإنس و لم يبعث الله نبيا إلى الإنس و الجن قبله «و من لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض» أي لا يعجز الله فيسبقه و يفوته «و ليس له من دونه أولياء» أي أنصار يمنعونه من الله و يدفعون عنه العذاب إذا نزل بهم و يجوز أن يكون هذا من كلام الله تعالى ابتداء ثم قال «أولئك» يعني الذين لا يجيبون داعي الله «في ضلال مبين» أي عدول عن الحق ظاهر ثم قال سبحانه منبها على قدرته على البعث و الإعادة فقال «أ و لم يروا» أي أ و لم يعلموا «أن الله الذي خلق السماوات و الأرض» و أنشأهما «و لم يعي بخلقهن» أي لم يصبه في خلق ذلك إعياء و لا تعب و لم يعجز عنه يقال عيي فلان بأمره إذا لم يهتد له و لم يقدر عليه «بقادر» الباء زائدة و موضعه رفع بأنه خبر إن «على أن يحيي الموتى» أي فخلق السماوات و الأرض أعجب من إحياء الموتى ثم قال «بلى» هو قادر عليه «إنه على كل شيء قدير» ثم عقبه بذكر الوعيد فقال «و يوم يعرض الذين كفروا على النار أ ليس هذا بالحق» أي يقال لهم على وجه الاحتجاج عليهم أ ليس هذا الذي جوزيتم به حق لا ظلم فيه

«قالوا» أي فيقولون «بلى و ربنا» اعترفوا بذلك و حلفوا عليه بعد ما كانوا منكرين «قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون» أي بكفركم في الدنيا و إنكاركم ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) «فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل» أي فاصبر يا محمد على أذى هؤلاء الكفار و على ترك إجابتهم لك كما صبر الرسل و من هاهنا لتبيين الجنس كما في قوله «فاجتنبوا الرجس من الأوثان» و على هذا القول فيكون جميع الأنبياء هم أولو العزم لأنهم عزموا على أداء الرسالة و تحمل أعبائها عن ابن زيد و الجبائي و جماعة و قيل أن من هاهنا للتبعيض و هو قول أكثر المفسرين و الظاهر في روايات أصحابنا ثم اختلفوا فقيل أولو العزم من الرسل من أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدمه و هم خمسة أولهم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ابن عباس و قتادة و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) قال و هم سادة النبيين و عليهم دارت رحا المرسلين و قيل هم ستة نوح صبر على أذى قومه و إبراهيم صبر على النار و إسحاق صبر على الذبح و يعقوب صبر على فقد الولد و ذهاب البصر و يوسف صبر في البئر و السجن و أيوب صبر على الضر و البلوى عن مقاتل و قيل هم الذين أمروا بالجهاد و القتال و أظهروا المكاشفة و جاهدوا في الدين عن السدي و الكلبي و قيل هم إبراهيم و هود و نوح و رابعهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أبي العالية و العزم هو الوجوب و الحتم و أولو العزم من الرسل هم الذين شرعوا الشرائع و أوجبوا على الناس الأخذ بها و الانقطاع عن غيرها «و لا تستعجل لهم» أي و لا تستعجل لهم العذاب فإنه كائن واقع بهم عن قريب و ما هو كائن فكان قد كان وقع «كأنهم يوم يرون ما يوعدون» أي من العذاب في الآخرة «لم يلبثوا» في الدنيا «إلا ساعة من نهار» أي إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا و البرزخ كأنه ساعة من نهار لأن ما مضى كأن لم يكن و إن كان طويلا و تم الكلام ثم قال بلاغ أي هذا القرآن و ما فيه من البيان بلاغ من الله إليكم و البلاغ بمعنى التبليغ و قيل معناه ذلك اللبث «بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون» أي لا يقع العذاب إلا بالعاصين الخارجين من أمر الله تعالى و قيل معناه لا يهلك على الله تعالى إلا هالك مشرك ولى ظهره الإسلام أو منافق صدق بلسانه و خالف بعمله عن قتادة و قيل معناه لا يهلك مع رحمة الله و تفضله إلا القوم الفاسقون عن الزجاج قال و ما جاء في الرجاء لرحمة الله شيء أقوى من هذه الآية.