۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأحقاف، آية ٣٠

التفسير يعرض الآيات ٢٦ إلى ٣٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰهُمۡ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمۡ فِيهِ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ سَمۡعٗا وَأَبۡصَٰرٗا وَأَفۡـِٔدَةٗ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُمۡ سَمۡعُهُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُهُمۡ وَلَآ أَفۡـِٔدَتُهُم مِّن شَيۡءٍ إِذۡ كَانُواْ يَجۡحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٢٦ وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا مَا حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡقُرَىٰ وَصَرَّفۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢٧ فَلَوۡلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرۡبَانًا ءَالِهَةَۢۖ بَلۡ ضَلُّواْ عَنۡهُمۡۚ وَذَٰلِكَ إِفۡكُهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٨ وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ ٢٩ قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لَقَدْ مَكّنّهُمْ فِيمَا إِن مّكّنّكُمْ فِيهِ وَ جَعَلْنَا لَهُمْ سمْعاً وَ أَبْصراً وَ أَفْئِدَةً فَمَا أَغْنى عَنهُمْ سمْعُهُمْ وَ لا أَبْصرُهُمْ وَ لا أَفْئِدَتهُم مِّن شىْءٍ إِذْ كانُوا يجْحَدُونَ بِئَايَتِ اللّهِ وَ حَاقَ بهِم مّا كانُوا بِهِ يَستهْزِءُونَ (26) وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكم مِّنَ الْقُرَى وَ صرّفْنَا الاَيَتِ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْ لا نَصرَهُمُ الّذِينَ اتخَذُوا مِن دُونِ اللّهِ قُرْبَاناً ءَالهَِةَ بَلْ ضلّوا عَنْهُمْ وَ ذَلِك إِفْكُهُمْ وَ مَا كانُوا يَفْترُونَ (28) وَ إِذْ صرَفْنَا إِلَيْك نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَستَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمّا حَضرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمّا قُضىَ وَلّوْا إِلى قَوْمِهِم مّنذِرِينَ (29) قَالُوا يَقَوْمَنَا إِنّا سمِعْنَا كتَباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصدِّقاً لِّمَا بَينَ يَدَيْهِ يهْدِى إِلى الْحَقِّ وَ إِلى طرِيقٍ مّستَقِيمٍ (30)

القراءة

في الشواذ قراءة ابن عباس و عكرمة و أبي عامر أفكهم بفتح الألف و الفاء و الكاف و قراءة عبد الله بن الزبير آفكهم و قراءة ابن عياض أفكهم بالتشديد.

الحجة

قوله إفكهم معناه صرفهم و ثناهم قال:

{إن يك عن أحسن المروءة مأفوكا --- ففي آخرين قد أفكوا}

وآفكهم أفعلهم منه أي أصارهم إلى الإفك و يجوز أن يكون فاعلهم من ذلك مثل خادعهم و أما إفكهم ففعلهم و ذلك لتكثيره ذلك الفعل بهم و روي عن قطرب أن ابن عباس قرأ آفكهم أي صارفهم.

اللغة

التمكين إعطاء ما يتمكن به من الفعل و تدخل فيه القدرة و الآلة و سائر ما يحتاج إليه الفاعل و قيل التمكين إزالة الموانع و ذلك داخل في الأول لأنه كما يحتاج الفاعل في الفعل إلى الآلات يحتاج إلى زوال الموانع فإذا أزيحت عنه العلل كلها فقد مكن و القربان كل ما يتقرب به إلى الله تعالى من طاعة أو نسك و الجمع قرابين.

الإعراب

«فيما إن مكناكم فيه» إن هنا بمعنى ما و إن في النفي مع ما الموصولة بمعنى الذي أحسن في اللفظ من ما أ لا ترى أنك لو قلت رغبت فيما ما رغبت فيه لكان أحسن منه أن تقول رغبت فيما أن رغبت فيه لاختلاف اللفظين.

المعنى

ثم خوف سبحانه كفار مكة و ذكر فضل عاد بالأجسام و القوة عليهم فقال «و لقد مكناهم فيما إن مكناكم» أي في الذي ما مكناكم «فيه» و المعنى في الشيء الذي لم نمكنكم فيه من قوة الأبدان و بسطة الأجسام و طول العمر و كثرة الأموال عن ابن عباس و قتادة و قيل معناه فيما مكناكم فيه و إن مزيدة و المعنى مكناهم من الطاعات و جعلناهم قادرين متمكنين بنصب الأدلة على التوحيد و التمكين من النظر فيها و الترغيب و الترهيب و إزاحة العلل في جميع ذلك «و جعلنا لهم سمعا و أبصارا و أفئدة» ثم أخبر سبحانه عن أولئك أنهم أعرضوا عن قبول الحجج و التفكر فيما يدلهم على التوحيد مع ما أعطاهم الله من الحواس الصحيحة التي بها تدرك الأدلة «فما أغنى عنهم سمعهم و لا أبصارهم و لا أفئدتهم من شيء» أي لم ينفعهم جميع ذلك لأنهم لم يعتبروا ذلك و لا استعملوا أبصارهم و أفئدتهم في النظر و التدبر «إذ كانوا يجحدون بآيات الله» و أدلته «و حاق بهم» أي حل بهم جزاء «ما كانوا به يستهزءؤن و لقد أهلكنا ما حولكم من القرى» معناه و لقد أهلكنا يا أهل مكة ما حولكم و هم قوم هود و كانوا باليمن و قوم صالح بالحجر و قوم لوط على طريقهم إلى الشام «و صرفنا الآيات» تصريف الآيات تصييرها تارة في الإعجاز و تارة في الإهلاك و تارة في التذكير بالنعم و تارة في التذكير بالنقم و تارة في وصف الأبرار ليقتدى بهم و تارة في وصف الفجار ليجتنب مثل فعلهم

«لعلهم يرجعون» أي لكي يرجعوا عن الكفر «فلو لا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة» أي فهلا نصر هؤلاء المهلكين الذين اتخذوهم آلهة و زعموا أنهم يعبدونهم تقربا إلى الله تعالى ثم لم ينصروهم لأن هذا استفهام إنكار «بل ضلوا عنهم» أي ضلت الآلهة وقت الحاجة إليها فلم تنفعهم عند نزول العذاب بهم «و ذلك إفكهم» أي اتخاذهم الآلهة دون الله كذبهم و افتراؤهم و هو قوله «و ما كانوا يفترون» أي يكذبون من أنها آلهة ثم بين سبحانه أن في الجن مؤمنين و كافرين كما في الإنس فقال «و إذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن» معناه و اذكر يا محمد إذ وجهنا إليك جماعة من الجن تستمع القرآن و قيل معناه صرفناهم إليك عن بلادهم بالتوفيق و الألطاف حتى أتوك و قيل صرفناهم إليك عن استراق السمع من السماء برجوم الشهب و لم يكونوا بعد عيسى قد صرفوا عنه فقالوا ما هذا الذي حدث في السماء إلا من أجل شيء قد حدث في الأرض فضربوا في الأرض حتى وقفوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببطن نخلة عامدا إلى عكاظ و هو يصلي الفجر فاستمعوا القرآن و نظروا كيف يصلي عن ابن عباس و سعيد بن جبير و على هذا فيكون الرمي بالشهب لطفا للجن «فلما حضروه» أي حضروا القرآن أو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «قالوا أنصتوا» أي قال بعضهم لبعض اسكتوا لنستمع إلى قراءته فلا يحول بيننا و بين القرآن شيء «فلما قضى» أي فرغ من تلاوته «ولوا إلى قومهم» أي انصرفوا إلى قومهم «منذرين» أي محذرين إياهم عذاب الله إن لم يؤمنوا «قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى» يعنون القرآن «مصدقا لما بين يديه» أي لما تقدمه من الكتب «يهدي إلى الحق» أي يرشد إلى دين الحق و يدل عليه و يدعو إليه «و إلى طريق مستقيم» يؤدي بسالكه إلى الجنة.

القصة

عن الزهري قال لما توفي أبو طالب (عليه السلام) اشتد البلاء على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فعمد ليقف بالطائف رجاء أن يأووه فوجد ثلاثة نفر منهم هم سادة و هم إخوة عبد ياليل و مسعود و حبيب بنو عمرو فعرض عليهم نفسه فقال أحدهم أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط و قال الآخر أعجز على الله أن يرسل غيرك و قال الآخر و الله لا أكلمك بعد مجلسك هذا أبدا فلئن كنت رسولا كما تقول فأنت أعظم خطرا من أن يرد عليك الكلام و إن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك بعد و تهزئوا به و أفشوا في قومه ما راجعوه به فقعدوا له صفين على طريقه فلما مر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين صفيهم جعلوا لا يرفع رجليه و لا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدموا رجليه فخلص منهم و هما يسيلان دما إلى حائط من حوائطهم و استظل في ظل نخلة منه و هو مكروب موجع تسيل رجلاه دما فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله و رسوله فلما رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداس معه عنب و هو نصراني من أهل نينوى فلما جاءه قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أي أرض أنت قال من أهل نينوى قال من مدينة العبد الصالح يونس بن متى فقال له عداس و ما يدريك من يونس بن متى قال أنا رسول الله و الله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى فلما أخبره بما أوحى الله إليه من شأن يونس خر عداس ساجدا لله و لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و جعل يقبل قدميه و هما يسيلان الدماء فلما بصر عتبة و شيبة ما يصنع غلامهما سكتا فلما أتاهما قالا ما شأنك سجدت لمحمد و قبلت قدميه و لم نرك فعلت ذلك بأحد منا قال هذا رجل صالح أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متى فضحكا و قالا لا يفتننك عن نصرانيتك فإنه رجل خداع فرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مكة حتى إذا كان بنخلة قام في جوف الليل يصلي فمر به نفر من جن أهل نصيبين و قيل من اليمن فوجدوه يصلي صلاة الغداة و يتلو القرآن فاستمعوا له و هذا معنى قول سعيد بن جبير و جماعة و قال آخرون أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينذر الجن و يدعوهم إلى الله و يقرأ عليهم القرآن فصرف الله إليه نفرا من الجن من نينوى فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فأيكم يتبعني فاتبعه عبد الله بن مسعود قال عبد الله و لم يحضر معه أحد غيري فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة و دخل نبي الله شعبا يقال له شعب الحجون و خط لي خطا ثم أمرني أن أجلس فيه و قال لا تخرج منه حتى أعود إليك ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حتى حالت بيني و بينه حتى لم أسمع صوته ثم انطلقوا و طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط و فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الفجر فانطلق فرز ثم قال هل رأيت شيئا فقلت نعم رأيت رجالا سودا مستثفري ثياب بيض قال أولئك جن نصيبين و روى علقمة عن عبد الله قال لم أكن مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة الجن و وددت أني كنت معه و روي عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة نفر من جن نصيبين فجعلهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رسلا إلى قومهم قال زر بن حبيش كانوا تسعة نفر منهم زوبعة و روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال لما قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الرحمن على الناس سكتوا فلم يقولوا شيئا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الجن كانوا أحسن جوابا منكم لما قرأت عليهم فبأي آلاء ربكم تكذبان قالوا لا و لا بشيء من آلائك ربنا نكذب.