۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الزخرف، آية ٤٦

التفسير يعرض الآيات ٤٦ إلى ٥٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٦ فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَضۡحَكُونَ ٤٧ وَمَا نُرِيهِم مِّنۡ ءَايَةٍ إِلَّا هِيَ أَكۡبَرُ مِنۡ أُخۡتِهَاۖ وَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤٨ وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهۡتَدُونَ ٤٩ فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ٥٠ وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٥١ أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢ فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ ٥٣ فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لَقَدْ أَرْسلْنَا مُوسى بِئَايَتِنَا إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلايهِ فَقَالَ إِنى رَسولُ رَب الْعَلَمِينَ (46) فَلَمّا جَاءَهُم بِئَايَتِنَا إِذَا هُم مِّنهَا يَضحَكُونَ (47) وَ مَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلا هِىَ أَكبرُ مِنْ أُخْتِهَا وَ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَ قَالُوا يَأَيّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنَا رَبّك بِمَا عَهِدَ عِندَك إِنّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمّا كَشفْنَا عَنهُمُ الْعَذَاب إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (50) وَ نَادَى فِرْعَوْنُ فى قَوْمِهِ قَالَ يَقَوْمِ أَ لَيْس لى مُلْك مِصرَ وَ هَذِهِ الأَنْهَرُ تجْرِى مِن تحْتى أَ فَلا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيرٌ مِّنْ هَذَا الّذِى هُوَ مَهِينٌ وَ لا يَكادُ يُبِينُ (52) فَلَوْ لا أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَئكةُ مُقْترِنِينَ (53) فَاستَخَف قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنّهُمْ كانُوا قَوْماً فَسِقِينَ (54)

القراءة

قرأ حفص و يعقوب و سهل «أسورة» و الباقون أساورة.

الحجة

الأسورة جمع سوار مثل سقاء و أسقية و خوان و أخونة و من قرأ أساورة جعله جمع أسوار فتكون الهاء عوضا عن الياء التي كانت ينبغي أن تلحق في جمع أسوار على حد أعصار و أعاصير و يجوز في أساورة أن يكون جمع أسورة فيكون مثل أسقية و أساق و لحق الهاء كما لحق في قشعم و قشاعمة.

المعنى

ثم ذكر سبحانه حديث موسى (عليه السلام) فقال «و لقد أرسلنا موسى بآياتنا» أي بالحجج الباهرة و المعجزات القاهرة «إلى فرعون و ملإيه» أي أشراف قومه و خص الملأ بالذكر و إن كان أيضا مرسلا إلى غيرهم لأن من عداهم تبع لهم «فقال» موسى «إني رسول رب العالمين» أرسلني إليكم «فلما جاءهم بآياتنا» أي فلما أظهر المعجزات التي هي اليد البيضاء و العصا «إذا هم منها يضحكون» استهزاء و استخفافا و جهلا منهم بما عليهم من ترك النظر فيها و بما لهم من النفع بحصول العلم بها «و ما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها» المراد بذلك ما ترادف عليهم من الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم و الطمس و كانت كل آية من هذه الآيات أكبر من التي قبلها و هي العذاب المذكور في قوله «و أخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون» لأنهم عذبوا بهذه الآيات و كانت عذابا لهم و معجزات لموسى (عليه السلام) فغلب عليهم الشقاء و لم يؤمنوا «و قالوا يا أيه الساحر» يعنون بذلك يا أيها العالم و كان الساحر عندهم عظيما يعظمونه و لم يكن صفة ذم عن الكلبي و الجبائي و قيل إنما قالوا استهزاء بموسى (عليه السلام) عن الحسن و قيل معناه يا أيها الذي سلبنا بسحره تقول العرب خاصمته فخصمته و حاججته فحججته فكذلك ساحرته و أرادوا أنه غالب السحرة فغلبهم بسحره «ادع لنا ربك بما عهد عندك» أي بما زعمت أنه عهد عندك و هو أنه ضمن لنا أنا إذا آمنا بك أن يكشف العذاب عنا «إننا لمهتدون» أي راجعون إلى الحق الذي تدعونا إليه متى كشف عنا العذاب و في الكلام حذف لأن التقدير فدعا موسى و سأل ربه أن يكشف عنهم ذلك العذاب فكشف الله عنهم ذلك «فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون» أي يغدرون و ينقضون العهد و في هذا تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المعنى فاصبر يا محمد على أذى قومك فإن حالك معهم كحال موسى مع قومه فيؤول أمرك إلى الاستعلاء على قومك كما آل أمره إلى ذلك

«و نادى فرعون في قومه» معناه أنه لما رأى أمر موسى يزيد على الأيام ظهورا و اعتلاء خاف على مملكته فأظهر الخداع فخطب الناس بعد ما اجتمعوا و «قال يا قوم أ ليس لي ملك مصر» أتصرف فيها كما أشاء أراد بذلك إظهار بسطته في الملك و المال «و هذه الأنهار» مثل النيل و غيرها «تجري من تحتي» أي من تحت أمري و قيل إنها كانت تجري تحت قصره و هو مشرف عليها «أ فلا تبصرون» هذا الملك العظيم و قوتي و ضعف موسى «أم أنا خير من هذا الذي هو مهين» أي ضعيف حقير يعني به موسى قال سيبويه و الخليل عطف أنا بأم على قوله «أ فلا تبصرون» لأن معنى أم أنا خير معنى أم تبصرون فكأنه قال أ فلا تبصرون أم تبصرون لأنهم إذا قالوا له أنت خير منه فقد صاروا بصراء عنده و قيل المهين الفقير الذي يمتهن نفسه في جميع ما يحتاج إليه ليس له من يكفيه أمره «و لا يكاد يبين» أي و لا يكاد يفصح بكلامه و حججه للعقدة التي في لسانه و قال الحسن كانت العقدة زالت عن لسانه حين أرسله الله كما قال مخبرا عن نفسه و أحلل عقدة من لساني ثم قال قد أوتيت سؤلك يا موسى و إنما عيره بما كان في لسانه قبل و قيل كان في لسانه لثغة فرفعه الله تعالى و بقي فيه ثقل عن الجبائي «فلو لا ألقي عليه أسورة من ذهب» أي هلا طرح عليه أسورة من ذهب إن كان صادقا في نبوته و كان إذا سودوا رجلا سوروه بسوار من ذهب و طوقوه بطوق من ذهب «أو جاء معه الملائكة مقترنين» متتابعين يعينونه على أمره الذي بعث له و يشهدون له بصدقة و قيل متعاضدين متناصرين كل واحد منهم يمالىء صاحبه «فاستخف قومه» و معناه إن فرعون استخف عقول قومه «فأطاعوه» فيما دعاهم إليه لأنه احتج عليهم بما ليس بدليل و هو قوله «أ ليس لي ملك مصر» إلى آخره و لو عقلوا لقالوا ليس في ملك الإنسان دلالة على أنه محق و ليس يجب أن يأتي مع الرسل ملائكة لأن الذي يدل على صدق الرسل هو المعجز دون غيره «إنهم كانوا قوما فاسقين» أي خارجين عن طاعة الله تعالى.

النظم

وجه اتصال قصة موسى (عليه السلام) بما قبلها أنه لما تقدم السؤال عن أحوال الرسل و ما جاءوا به اتصل به حديث موسى و عيسى (عليهما السلام) لأن أهل الكتابين إليهما ينتسبون و قيل أنه لما تقدم ذكر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و تكذيب قومه إياه ذكر حديث موسى تسلية له و تطيبا لقلبه (صلى الله عليه وآله وسلم).