۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الشورى، آية ٣٤

التفسير يعرض الآيات ٣١ إلى ٣٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٣١ وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلۡجَوَارِ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٣٢ إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ ٣٣ أَوۡ يُوبِقۡهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعۡفُ عَن كَثِيرٖ ٣٤ وَيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ ٣٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ مَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فى الأَرْضِ وَ مَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلىٍّ وَ لا نَصِيرٍ (31) وَ مِنْ ءَايَتِهِ الجَْوَارِ فى الْبَحْرِ كالأَعْلَمِ (32) إِن يَشأْ يُسكِنِ الرِّيحَ فَيَظلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلى ظهْرِهِ إِنّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّكلِّ صبّارٍ شكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنّ بِمَا كَسبُوا وَ يَعْف عَن كَثِيرٍ (34) وَ يَعْلَمَ الّذِينَ يجَدِلُونَ فى ءَايَتِنَا مَا لهَُم مِّن محِيصٍ (35)

القراءة

قرأ أهل الكوفة و ابن عامر «الجوار» بحذف الياء في الوصل و الوقف و قرأ الباقون الجواري بإثبات الياء في الوصل و ابن كثير و يعقوب في الوقف أيضا و قرأ أهل المدينة و ابن عامر يعلم الذين يجادلون بالرفع و الباقون و «يعلم» بالنصب.

الحجة

قال أبو علي القياس الجواري و من حذف فلان حذف هذه الياءات و إن كانت لاما قد كثر في كلامهم فصار كالقياس المستمر و من قرأ يعلم بالرفع استأنف لأنه موضع استئناف من حيث جاء من بعد الجماعة إن شئت جعلته خبر مبتدإ محذوف و من نصب فلان قبله شرط و جزاء و كل واحد منهما غير واجب تقول في الشرط إن تأتني و تعطيني أكرمك فتنصب تعطيني و تقديره إن يكن إتيان منك و إعطاء أكرمك فالنصب بعد الشرط إذا عطفت عليه بالفاء أمثل من النصب بالفاء بعد جزاء الشرط فأما قوله:

{ومن لا يقدم رجله مطمئنة --- فيثبتها في مستوى الأرض يزلق}

فالنصب فيه حسن لمكان النفي فأما العطف على الشرط نحو إن تأتني و تكرمني فأكرمك فالذي يختار سيبويه النصب في العطف على جزاء الشرط فيختار «و يعلم الذين يجادلون» إذا لم يقطعه من الأول فيرفعه و يزعم أن المعطوف على جزاء الشرط شبيه بقوله:

و الحق بالحجاز فاستريحا قال إلا أن من ينصب في العطف على جزاء الشرط أمثل من ذلك لأنه ليس يوقع فعلا إلا بأن يكون من غيره فعل فصار بمنزلة غير الواجب و زعم سيبويه أن بعضهم قرأ يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء بالنصب و أنشد للأعشى في نصب ما عطف بالفاء على الجزاء:

{ومن يغترب عن أهله لم يزل يرى --- مصارع مظلوم مجرا و مسحبا} {وتدفن منه الصالحات و إن يسيء --- يكن ما أساء النار في رأس كبكبا}

فهذا حجة لمن قرأ «و يعلم».

اللغة

الأعلام الجبال واحدها علم قالت الخنساء:

{وإن صخرا لتأتم الهداة به --- كأنه علم في رأسه نار}

فيظللن أي يدمن و يقمن يقال ظل يفعل كذا إذا فعله نهارا و الرواكد الثوابت و الإيباق الإهلاك و الإتلاف و وبق الرجل يبق و وبق يوبق إذا هلك و المحيص المعدل و الملجأ.

المعنى

ثم قال سبحانه «و ما أنتم» يا معشر المشركين «بمعجزين في الأرض» أي لا تعجزونني حيث ما كنتم فلا تسبقونني هربا في الأرض و في هذا استدعاء إلى العبادة و ترغيب فيما أمر به و ترهيب عما نهى عنه «و ما لكم من دون الله من ولي» يدفع عنكم عقابه «و لا نصير» ينصركم عليه «و من آياته» أي و من حججه الدالة على اختصاصه بصفات لا يشركه فيها غيره «الجوار» أي السفن الجارية «في البحر كالأعلام» أي كالجبال الطوال «إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره» أي إن يشأ الله يسكن الريح فتبقى السفن راكدة واقفة على ظهر الماء لا يبرحن من المكان لأن ماء البحر يكون راكدا فلو لم تجيء الريح لوقفت السفينة في البحر و لم تجر فالله سبحانه جعل الريح سببا لجريها فيه و جعل هبوبها في الجهة التي تسير إليها السفينة «إن في ذلك» الذي ذكر «لآيات» أي حججا واضحات «لكل صبار» على أمر الله «شكور» على نعمته و قيل صبار على ركوبها شكور على جزيها و النجاة من البحر «أو يوبقهن بما كسبوا» معناه إن يشاء إسكان الريح يسكن الريح أو أن يشأ يجعل الريح عاصفة فيهلك السفن أي أهلها بالغرق في الماء عقوبة لهم بما كسبوا من المعاصي «و يعف عن كثير» من أهلها فلا يغرقهم و لا يعاجلهم بعقوبة معاصيهم «و يعلم الذين يجادلون في آياتنا» أي في إبطال آياتنا و دفعها «ما لهم من محيص» أي ملجأ يلجئون إليه عن السدي.