۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة غافر، آية ٥

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

حمٓ ١ تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٢ غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣ مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٤ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذّنبِ وَ قَابِلِ التّوْبِ شدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) مَا يجَدِلُ فى ءَايَتِ اللّهِ إِلا الّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْك تَقَلّبهُمْ فى الْبِلَدِ (4) كذّبَت قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ الأَحْزَاب مِن بَعْدِهِمْ وَ هَمّت كلّ أُمّةِ بِرَسولهِِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَ جَدَلُوا بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضوا بِهِ الحَْقّ فَأَخَذْتهُمْ فَكَيْف كانَ عِقَابِ (5)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم إلا حمادا و يحيى عن أبي بكر حم بإمالة الألف و الباقون بالفتح بغير إمالة و هما لغتان فصيحتان.

اللغة

من جعل حم اسما للسورة يؤيده قول شريح بن أوفى العجلي:

{يذكرني حاميم و الرمح شاجر --- فهلا تلا حم قبل التقدم}

فجعله اسما معربا و قول الكميت:

{وجدنا لكم في آل حم آية --- تأولها منا تقي و معرب}

و العزيز القادر الغالب الذي لا يغالب المنيع بقدرته على غيره و لا يقدر عليه غيره و التوب يجوز أن يكون جمع توبة كدوم و دومة و يجوز أن يكون مصدر تاب يتوب توبا.

و الطول الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه كما أن التفضل النفع الذي فيه إفضال على صاحبه و لو وقع النفع على خلاف هذا الوجه لم يكن تفضلا.

الإعراب

إذا قدرت اتل «حم» فموضعه نصب و قيل موضعه جر بالقسم و قد يجوز أن يكون مرفوع الموضع على تقدير هذا «حم» و قد فتح الميم علي بن عيسى بن عمر جعله اسما للسورة فنصبه و لم ينون لأنه على وزن هابيل و يجوز أن يكون فتحه لالتقاء الساكنين و القراء على تسكين الميم و إذا كان من حروف التهجي فلا يدخلها الإعراب و تنزيل خبر مبتدإ محذوف.

«غافر الذنب» جر بأنه صفة بعد صفة و معناه أن من شأنه غفران الذنب فيما مضى و فيما يستقبل فلذلك كان صفة المعرفة و كذلك قابل التوب و لو جعلته بدلا كانت لمعرفة و النكرة سواء.

المعنى

«حم» قد مضى ذكر الأقوال فيه و قيل أقسم الله بحلمه و ملكه لا يعذب من عاذ به و قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه عن القرظي و قيل هو افتتاح أسمائه حليم حميد حكيم حي حنان ملك مجيد مبدىء معيد عن عطاء الخراساني و قيل معناه حم أي قضي ما هو كائن عن الكلبي «تنزيل الكتاب» أي هذا تنزيل الكتاب «من الله» الذي يحق له العبادة «العزيز» في ملكه «العليم» الكثير العلوم «غافر الذنب» لمن يقول لا إله إلا الله و هم أولياؤه و أهل طاعته و الذنب اسم جنس فالمعنى غافر الذنوب فيما مضى و فيما يستقبل «و قابل التوب» يقبل توبة من تاب إليه من المعاصي بأن يثيب عليها و يسقط عقاب معاص تقدمها على وجه التفضل منه لذلك كان صفة مدح و لو كان سقوط العقاب عندها واجبا لما كان فيه مدح قال الفراء معناهما ذي الغفران و ذي قبول التوبة و لذلك صار نعتا

للمعرفة «شديد العقاب» أي شديد عقابه و ذكر ذلك عقيب قوله «غافر الذنب» لئلا يعول المكلف على الغفران بل يكون بين الرجاء و الخوف «ذي الطول» أي ذي النعم على عباده عن ابن عباس و قيل ذي الغنى و السعة عن مجاهد و قيل ذي التفضل على المؤمنين عن الحسن و قتادة و قيل ذي القدرة و السعة عن ابن زيد و السدي و روي عن ابن عباس أنه قال غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله قابل التوب عمن قال لا إله إلا الله شديد العقاب لمن لم يقل لا إله إلا الله ذي الطول ذي الغنى عمن لم يقل لا إله إلا الله و قيل أنه إنما ذكر ذي الطول عقيب قوله «شديد العقاب» ليعلم أن العاصي أتي في هلاكه من قبل نفسه لا من قبل ربه و إلا فنعمة سابغة عليه دنيا و دينا «لا إله إلا هو» أي هو الموصوف بهذه الصفات دون غيره و لا يستحق العبادة سواه «إليه المصير» أي المرجع للجزاء و المعنى أن الأمور تؤول إلى حيث لا يملك أحد النفع و الضر و الأمر و النهي غيره تعالى و هو يوم القيامة «ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا» أي لا يخاصم في دفع حجج الله و إنكارها و جحدها إلا الذين كفروا بالله و آياته و جحدوا نعمه و دلالاته «فلا يغررك» يا محمد «تقلبهم في البلاد» أي تصرفهم في البلاد للتجارات سالمين أصحاء بعد كفرهم فإن الله تعالى لا يخفى عليه حالهم و إنما يمهلهم لأنهم في سلطانه و لا يفوتونه و لا يهملهم و في هذا غاية التهديد ثم بين أن عاقبتهم الهلاك كعاقبة من قبلهم من الكفار فقال «كذبت قبلهم قوم نوح» يعني رسولهم نوحا «و الأحزاب من بعدهم» و هم الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب نحو عاد و ثمود و من بعدهم «و همت كل أمة» منهم «برسولهم» أي قصدوه «ليأخذوه» أي ليقتلوه و يهلكوه عن ابن عباس و إنما قال برسولهم و لم يقل برسولها لأن المراد الرجال «و جادلوا بالباطل» أي خاصموا رسلهم بأن قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا و هلا أرسل الله إلينا ملائكة و بأمثال هذا من القول «ليدحضوا به الحق» الذي بينه الله تعالى و جاءت به رسله أي ليبطلوه و يزيلوه يقال أدحض الله حجته أي أزالها «فأخذتهم» بالعقاب أي أهلكتهم و دمرت عليهم و عاقبتهم «فكيف كان عقاب» أي فانظر كيف كان عقابي لهم و هذا استفهام تقرير لعقوبتهم الواقعة بهم.