۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة غافر، آية ٣٠

التفسير يعرض الآيات ٢٦ إلى ٣٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ ٢٦ وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٢٧ وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن يَكُ كَٰذِبٗا فَعَلَيۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن يَكُ صَادِقٗا يُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ ٢٨ يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٢٩ وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ ٣٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ قَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونى أَقْتُلْ مُوسى وَ لْيَدْعُ رَبّهُ إِنى أَخَاف أَن يُبَدِّلَ دِينَكمْ أَوْ أَن يُظهِرَ فى الأَرْضِ الْفَسادَ (26) وَ قَالَ مُوسى إِنى عُذْت بِرَبى وَ رَبِّكم مِّن كلِّ مُتَكَبرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِْسابِ (27) وَ قَالَ رَجُلٌ مّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَنَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبىَ اللّهُ وَ قَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَتِ مِن رّبِّكُمْ وَ إِن يَك كذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِن يَك صادِقاً يُصِبْكُم بَعْض الّذِى يَعِدُكُمْ إِنّ اللّهَ لا يهْدِى مَنْ هُوَ مُسرِفٌ كَذّابٌ (28) يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْك الْيَوْمَ ظهِرِينَ فى الأَرْضِ فَمَن يَنصرُنَا مِن بَأْسِ اللّهِ إِن جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَ مَا أَهْدِيكمْ إِلا سبِيلَ الرّشادِ (29) وَ قَالَ الّذِى ءَامَنَ يَقَوْمِ إِنى أَخَاف عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ (30)

القراءة

قرأ أهل المدينة و أبو عمرو و أن يظهر بغير ألف قبل الواو و «يظهر» بضم الياء و كسر الهاء «الفساد» بالنصب و قرأ ابن كثير و ابن عامر و أن يظهر بفتح الياء الفساد بالرفع و قرأ حفص و يعقوب «أو أن يظهر» بضم الياء «الفساد» بالنصب و الباقون أو أن يظهر بفتح الياء الفساد بالرفع و قرأ أهل الكوفة غير عاصم و أبو عمرو و إسماعيل عن نافع و أبو جعفر «عذت» هنا و في الدخان بإدغام الذال في التاء و كذلك قوله فنبذتها حيث كان و الباقون بالإظهار حيث كان.

الحجة

قال أبو علي من قرأ أو أن يظهر فالمعنى إني أخاف هذا الضرب منه كما تقول كل خبزا أو تمرا أي هذا الضرب و من قرأ و أن يظهر فالمعنى إني أخاف هذين الأمرين منه و من قرأ «يظهر في الأرض الفساد» فأسند الفعل إلى موسى فلأنه أشبه بما تقدم من قوله «يبدل دينكم» و من قرأ و أن يظهر فالمعنى و أن يظهر الفساد في الأرض بمكانه أو أراد أنه إذا بدل الدين ظهر الفساد بالتبديل فأما الإدغام في «عذت» فحسن لتقارب الحرفين و الإظهار حسن لأن الذال ليست من حيز التاء و إنما الذال و الظاء و الثاء من حيز و الدال و التاء و الطاء من حيز إلا أنها كلها من طرف اللسان و أصول الثنايا فلذلك صارت متقاربة.

المعنى

«و قال فرعون ذروني أقتل موسى» أي قال لقومه اتركوني أقتله و في هذا دلالة على أنه كان في خاصة فرعون قوم يشيرون عليه بأن لا يقتل موسى و يخوفونه بأن يدعو ربه فيهلك فلذلك قال «و ليدع ربه» أي كما يقولون و قيل إنهم قالوا له هو ساحر فإن قتلته قبل ظهور الحجة قويت الشبهة بمكانه بل أرجه و أخاه و ابعث في المدائن حاشرين و قوله «و ليدع ربه» معناه و قولوا له ليدع ربه و ليستعن به في دفع القتل عنه فإنه لا يجيء من دعائه شيء قاله تجبرا و عتوا و جرأة على الله «إني أخاف أن يبدل دينكم» إن لم أقتله و هو ما تعتقدونه من إلهيتي «أو أن يظهر في الأرض الفساد» بأن يتبعه قوم و يحتاج إلى أن نقاتله فيخرب فيما بين ذلك البلاد و يظهر الفساد و قيل إن الفساد عند فرعون أن يعمل بطاعة الله عن قتادة فلما قال فرعون هذا استعاذ موسى بربه و ذلك قوله «و قال موسى إني عذت بربي و ربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب» أي إني اعتصمت بربي الذي خلقني و ربكم الذي خلقكم من شر كل متكبر على الله متجبر عن الانقياد له لا يصدق بيوم المجازاة ليدفع شره عني و لما قصد فرعون قتل موسى وعظهم المؤمن من آله و هو قوله «و قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه» في صدره على وجه التقية قال أبو عبد الله (عليه السلام) التقية من ديني و دين آبائي و لا دين لمن لا تقية له و التقية ترس الله في الأرض لأن مؤمن آل فرعون لو أظهر الإسلام لقتل قال ابن عباس لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره و غير امرأة فرعون و غير المؤمن الذي أنذر موسى فقال إن الملأ

يأتمرون بك ليقتلوك قال السدي و مقاتل كان ابن عم فرعون و كان آمن بموسى و هو الذي جاء من أقصى المدينة يسعى و قيل إنه كان ولي عهده من بعده و كان اسمه حبيب و قيل اسمه حزبيل «أ تقتلون رجلا أن يقول ربي الله» و هو استفهام إنكار و لو قال أ تقتلون رجلا قائلا ربي الله لم يدل على أن القتل من أجل الإيمان لأن يقول يكون صفة لرجل نحو يقتلون رجلا قائلا ربي الله فموضع أن يقول نصب على أنه مفعول له «و قد جائكم بالبينات من ربكم» أي بما يدل على صدقه من المعجزات مثل العصا و اليد و غيرهما «و إن يك كاذبا فعليه كذبه» إنما قال هذا وجه التلطف كقوله و إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين و معناه إن يك كاذبا فعلى نفسه وبال كذبه «و إن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم» قيل إن موسى كان يعدهم بالنجاة إن آمنوا و بالهلاك إن كفروا و قال يصبكم بعض الذي يعدكم لأنهم إذا كانوا على إحدى الحالين نالهم أحد الأمرين فذلك بعض الأمر لا كله و قيل إنما قال بعض الذي يعدكم لأنه توعدهم أمرا مختلفة منها الهلاك في الدنيا و العذاب في الآخرة فيكون هلاكهم في الدنيا بعض ما توعدهم به و قيل استعمل البعض في موضع الكل تلطفا في الخطاب و توسعا في الكلام كما قال الشاعر:

{قد يدرك المتأني بعض حاجته --- و قد يكون من المستعجل الزلل}

و كأنه قال أقل ما فيه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم و في ذلك البعض هلاككم و قال علي بن عيسى إنما قال «بعض الذي يعدكم» على المظاهرة بالحجاج أي أنه يكفي بعضه فكيف جميعه «إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب» أي لا يهدي إلى جنته و ثوابه من هو مسرف على نفسه متجاوز عن الحد في المعصية كذاب على ربه و يجوز أن يكون هذا حكاية عن قول المؤمن و يجوز أن يكون ابتداء الكلام من الله تعالى ثم ذكرهم هذا المؤمن ما هم فيه من الملك ليشكروا الله على ذلك بالإيمان به فقال «يا قوم لكم الملك اليوم» أي لكم السلطان على أهل الأرض يعني أرض مصر اليوم «ظاهرين في الأرض» أي عالين فيها غالبين عليها قاهرين لأهلها «فمن ينصرنا من بأس الله» أي من يمنعنا من عذاب الله «إن جائنا» و معناه لا تتعرضوا لعذاب الله بقتل النبي و تكذيبه فلا مانع لعذاب من عذاب الله إن حل بكم ف «قال فرعون» عند ذلك «ما أريكم إلا ما أرى» أي ما أشير عليكم إلا بما أراه صوابا و أرضاه لنفسي و قيل معناه ما أعلمكم إلا ما أعلم «و ما أهديكم إلا سبيل الرشاد» و ما أرشدكم إلا إلى ما هو طريق الرشاد و الصواب عندي و هو قتل موسى و التكذيب به و اتخاذي إلها و ربا ثم ذكرهم ما نزل بمن قبلهم و ذلك قوله «و قال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم

الأحزاب» أي عذابا مثل يوم الأحزاب قال الجبائي القائل لذلك موسى لأن المؤمن من آل فرعون كان يكتم إيمانه و هذا لا يصح لأنه قريب من قوله «أ تقتلون رجلا أن يقول ربي الله» و أراد بالأحزاب الجماعات التي تحزبت على أنبيائها بالتكذيب و قد يطلق اليوم على النعمة و المحنة فكأنه قال يوم هلاكهم.