۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الزمر، آية ٦٨

التفسير يعرض الآيات ٦٧ إلى ٧٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٧ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ ٦٨ وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٩ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٧٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ مَا قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ وَ الأَرْض جَمِيعاً قَبْضتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَ السمَوَت مَطوِيّت بِيَمِينِهِ سبْحَنَهُ وَ تَعَلى عَمّا يُشرِكُونَ (67) وَ نُفِخَ فى الصورِ فَصعِقَ مَن فى السمَوَتِ وَ مَن فى الأَرْضِ إِلا مَن شاءَ اللّهُ ثمّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظرُونَ (68) وَ أَشرَقَتِ الأَرْض بِنُورِ رَبهَا وَ وُضِعَ الْكِتَب وَ جِاىءَ بِالنّبِيِّينَ وَ الشهَدَاءِ وَ قُضىَ بَيْنهُم بِالْحَقِّ وَ هُمْ لا يُظلَمُونَ (69) وَ وُفِّيَت كلّ نَفْسٍ مّا عَمِلَت وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70)

الإعراب

جميعا نصب على الحال و العامل فيه محذوف و تقديره و الأرض إذا كانت مجتمعة قبضته فإذا ظرف زمان و العامل فيه قبضته و كان هاهنا تامة إذ لو كانت ناقصة لكان جميعا خبرها و لم يجز أن يكون حالا و هذا كما قالوا في أخطب ما يكون الأمير قائما أن التقدير إذا كان قائما أو إذ كان قائما و هذا بسرا أطيب منه تمرا أن التقدير هذا إذا كان بسرا أطيب منه إذا كان تمرا و مثله قول الشاعر:

{إذا المرء أعيته المرؤة ناشئا --- فمطلبها كهلا عليه شديد}

أي إذا كان كهلا و المعنى و الأرض في حال اجتماعها قبضته قال الإمام النحوي البصير قال أبو علي في الحجة إن التقدير و الأرض ذات قبضته إذا كانت مجتمعة و قال في الحلبيات التقدير و الأرض مقبوضة إذا كانت مجتمعة و قال فعلى التقدير الذي في الحجة لا يتأتى إعمال قبضته في إذا لأنه قدره ذات قبضته و المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف و على التقدير في الحلبيات يتأتى إعمال قبضته في إذا لأنه بمعنى مفعول و أقول أن المضاف إليه إذا أقيم مقام المضاف بعد أن حذف المضاف جاز أن يعمل عمل المضاف كما أعرب بإعرابه فارتفع بعد أن كان مجرورا في الأصل فلما جاز أن يعمل المضاف فيما قبله جاز لما قام مقامه أن يعمل فيما قبله كما اكتسى إعرابه و كيف يجوز أن يستتم ما ذكره هذا الجامع للعلوم على مثل أبي علي مع أنه يشق الشعر في هذا الفن.

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن أحوالهم فقال «و ما قدروا الله حق قدره» أي ما عظموا الله حق عظمته إذ عبدوا غيره و أمروا نبيه بعبادة غيره عن الحسن و السدي قال المبرد و أصله من قولك فلان عظيم القدر يريد بذلك جلالته و القدر اختصاص الشيء بعظم أو صغر أو مساواة و قيل معناه و ما وصفوا الله حق وصفه إذ جحدوا البعث فوصفوه بأنه خلق الخلق عبثا و أنه عاجز عن الإعادة و البعث «و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة» و القبضة في اللغة ما قبضت عليه بجميع كفك أخبر سبحانه عن كمال قدرته فذكر أن الأرض كلها مع عظمها في مقدوره كالشيء الذي يقبض عليه القابض بكفه فيكون في قبضته و هذا تفهيم لنا على عادة

التخاطب فيما بيننا لأنا نقول هذا في قبضة فلان و في يد فلان إذا هان عليه التصرف فيه و إن لم يقبض عليه و كذا قوله «و السماوات مطويات بيمينه» أي يطويها بقدرته كما يطوي الواحد منا الشيء المقدور له طيه بيمينه و ذكر اليمين للمبالغة في الاقتدار و التحقيق للملك كما قال أو ما ملكت أيمانكم أي ما كانت تحت قدرتكم إذ ليس الملك يختص باليمين دون الشمال و سائر الجسد و قيل معناه أنه محفوظات مصونات بقوته و اليمين القوة كما في قول الشاعر:

{إذا ما راية رفعت لمجد --- تلقاها عرابة باليمين}

ثم نزه سبحانه نفسه عن شركهم فقال «سبحانه و تعالى عما يشركون» أي عما يضيفونه إليه من الشبيه و المثل «و نفخ في الصور» و هو قرن ينفخ فيه إسرافيل و وجه الحكمة في ذلك أنها علامة جعلها الله ليعلم بها العقلاء آخر أمرهم في دار التكليف ثم تجديد الخلق فشبه ذلك بما يتعارفونه من بوق الرحيل و النزول و لا تتصوره النفوس بأحسن من هذه الطريقة و قيل أن الصور جمع صورة فكأنه نفخ في صورة الخلق عن قتادة و روي عنه أنه قرأ في الصور بفتح الواو «فصعق من في السماوات و من في الأرض» أي يموت من شدة تلك الصيحة التي تخرج من الصور جميع من في السماوات و الأرض يقال صعق فلان إذا مات بحال هائلة شبيهة بالصيحة العظيمة «إلا من شاء الله» اختلف في المستثنى فقيل هم جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل و ملك الموت عن السدي و هو المروي عن حديث مرفوع و قيل هم الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله عن سعيد بن جبير و عطا عن ابن عباس و أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه سأل جبرائيل عن هذه الآية من الذي لم يشأ الله أن يصعقهم قال هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش «ثم نفخ فيه أخرى» يعني نفخة البعث و هي النفخة الثانية و قال قتادة في حديث رفعه أن ما بين النفختين أربعين سنة و قيل إن الله تعالى يفني الأجسام كلها بعد الصعق و موت الخلق ثم يعيدها و قوله «فإذا هم قيام» إخبار عن سرعة إيجادهم لأنه سبحانه إذا نفخ النفخة الثانية أعادهم عقيب ذلك فيقومون من قبورهم أحياء «ينظرون» أي ينتظرون ما يفعل بهم و ما يؤمرون به «و أشرقت الأرض بنور ربها» أي أضاءت الأرض بعدل ربها يوم القيامة لأن نور الأرض بالعدل كما أن نور العلم بالعمل عن الحسن و السدي و قيل بنور يخلقه الله عز و جل يضيء به أرض القيامة من غير شمس و لا قمر «و وضع الكتاب» أي كتب الأعمال التي كتبتها الملائكة على بني آدم توضع في

أيديهم ليقرءوا منها أعمالهم و الكتاب اسم جنس فيؤدي معنى الجمع أي يوضع كتاب كل إنسان في يمينه أو شماله «و جيء بالنبيين و الشهداء» أي يعطى بهم و الشهداء هم الذين يشهدون للأنبياء على الأمم بأنهم قد بلغوا و إن الأمم قد كذبوا عن ابن عباس و سعيد بن جبير و قيل هم الذين استشهدوا في سبيل الله عن السدي و قيل هم عدول الآخرة يشهدون على الأمم بما شاهدوا عن الجبائي و أبي مسلم و هذا كما جرت العادة بأن القضاء يكون بمشهد الشهداء و العدول و قيل هم الحفظة من الملائكة و يدل عليه قوله و جاءت كل نفس معها سائق و شهيد و قيل هم جميع الشهداء من الجوارح و المكان و الزمان «و قضي بينهم بالحق و هم لا يظلمون» أي يفصل بينهم بمر الحق لا ينقص أحد منهم شيئا مما يستحقه من الثواب و لا يفعل به ما لا يستحقه من العقاب «و وفيت كل نفس ما عملت» أي يعطي كل نفس عاملة بالطاعات جزاء ما عملته على الوفاء و الكمال دون النقصان «و هو أعلم بما يفعلون» أي و الله سبحانه أعلم من كل أحد بما يفعلونه من طاعة أو معصية و لم يأمر الملائكة بكتبة الأعمال لحاجة إلى ذلك بل لزيادة تأكيد و ليعلموا أنه يجازيهم بحسب ما عملوا.

النظم

اتصل قوله «و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة» بقوله «و ما قدروا الله حق قدره» أي ما عظموه حق عظمته إذ عبدوا معه غيره مع اقتداره على السماوات و الأرض.