۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة العنكبوت، آية ٢١

التفسير يعرض الآيات ٢١ إلى ٢٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ ٢١ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٢٢ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٣ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٤ وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

يُعَذِّب مَن يَشاءُ وَ يَرْحَمُ مَن يَشاءُ وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَ مَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فى الأَرْضِ وَ لا فى السمَاءِ وَ مَا لَكم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلىٍّ وَ لا نَصِيرٍ (22) وَ الّذِينَ كَفَرُوا بِئَايَتِ اللّهِ وَ لِقَائهِ أُولَئك يَئسوا مِن رّحْمَتى وَ أُولَئك لهَُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23) فَمَا كانَ جَوَاب قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللّهُ مِنَ النّارِ إِنّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَ قَالَ إِنّمَا اتخَذْتُم مِّن دُونِ اللّهِ أَوْثَناً مّوَدّةَ بَيْنِكُمْ فى الْحَيَوةِ الدّنْيَا ثُمّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُ بَعْضكم بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضكم بَعْضاً وَ مَأْوَاكُمُ النّارُ وَ مَا لَكم مِّن نّصِرِينَ (25)

القراءة

قرأ ابن كثير و أهل البصرة و الكسائي مودة بينكم بالرفع و الإضافة و قرأ حمزة و حفص بنصب مودة و إضافتها إلى «بينكم» و قرأ الباقون مودة منصوبة منونة بينكم بالنصب إلا الشموني و البرجمي فإنهما قرءا مودة مرفوعة منونة بينكم بالنصب.

الحجة

قال أبو علي يجوز في قول من قال مودة بينكم أن يجعل ما اسم إن و يضمر ذكرا يعود إلى ما كما جاء في قوله «و اتخذتموه وراءكم ظهريا» فيكون التقدير إن الذين اتخذتموهم أوثانا ذوو مودة بينكم و يكون دخول إن على ما لأنه بمنزلة الذي كقوله «أ يحسبون إنما نمدهم به من مال و بنين» لعود الذكر إليه و يجوز أن يضمر هو و يجعل «مودة بينكم» خبرا عنه و الجملة في موضع خبر أن و من قرأ مودة بينكم بالنصب جعل ما مع إن كلمة و لم يعد إليها ذكرا كما أعاد في الوجه الأول و جعل الأوثان منتصبا باتخذتم و عداه أبو عمرو إلى مفعول واحد كقوله «قل اتخذتم عند الله عهدا» و المعنى إنما اتخذتم من دون الله أوثانا آلهة فحذف كما أن قوله «إن الذين اتخذوا العجل» معناه اتخذوا العجل إلها فحذف و انتصب مودة على أنه مفعول له و بينكم نصب على الظرف و العامل فيه المودة و من قال «مودة بينكم» أضاف المودة إلى البين و اتسع بأن جعل الظرف اسما لما أضاف إليه و مثل ذلك قراءة من قرأ لقد تقطع بينكم و من قرأ مودة بينكم في الحياة الدنيا جاز في قوله بينكم إذا نون مودة ضربان ( أحدهما ) أن يجعله ظرفا متعلقا بالمصدر لأن الظرفين أحدهما من المكان و الآخر من الزمان و إنما الذي يمتنع أن يعلق به إذا كانا ظرفين من الزمان أو ظرفين من المكان فأما إن اختلفا فسائغ

فقوله «في الحياة الدنيا» ظرف زمان لأن المعنى في وقت الحياة الدنيا و لا ذكر في واحد من الظرفين كما إنك إذا قلت لقيت زيدا اليوم في السوق كان كذلك فإن جعلت الظرف الأول صفة للنكرة كان متعلقا بمحذوف و صار فيه ذكر يعود إلى الموصوف فإذا جعلته صفة للمصدر جاز أن يكون قوله «في الحياة الدنيا» في موضع حال و العامل فيه الظرف الذي هو صفة للنكرة و فيه ذكر يعود إلى ذي الحال و ذو الحال الضمير الذي في الظرف العائد إلى الموصوف الذي هو مودة و هو هي في المعنى فإن قلت هل يجوز أن يتعلق الظرف الذي قد جاز أن يكون حالا بالمودة مع أنه قد وصف بقوله بينكم قيل لا يمتنع ذلك لأنك إذا وصفته فمعنى الفعل قائم فيه و الظرف يتعلق بمعنى الفعل و إنما الذي يمتنع أن يعمل فيه إذا وصف المفعول به فأما الحال و الظرف فلا يمتنع أن يتعلق كل واحد منهما به و إن كان قد وصف به و قد جاء في الشعر ما يعمل عمل الفعل إذا وصف عاملا في المفعول به و إذا جاز أن يعمل في المفعول به فلا نظر في جواز علمه فيما ذكرناه من الظرف و الحال فمن ذلك قوله:

{إذا فاقد خطباء فرخين رجعت --- ذكرت سليمى في الخليط المباين}

و التحقير في ذلك بمنزلة الوصف لو قال هذا ضويرب زيدا لقبح كما يقبح ذلك في الصفة و لم يجز ذلك في حال السعة و الاختيار.

المعنى

ثم ذكر سبحانه الوعد و الوعيد فقال «يعذب من يشاء» معناه أنه المالك للثواب و العقاب و إن كان لا يشاء إلا الحكمة و العدل و ما هو الأحسن من الأفعال فيعذب من يشاء ممن يستحق العقاب «و يرحم من يشاء» ممن هو مستحق للرحمة بأن يغفر له بالتوبة و غير التوبة «و إليه تقلبون» معاشر الخلق أي إليه ترجعون يوم القيامة و القلب هو الرجوع و الرد فمعناه أنكم تردون إلى حال الحياة في الآخرة حيث لا يملك فيه النفع و الضر إلا الله و هذا يتعلق بما قبله كان المنكرين للبعث قالوا إذا كان العذاب غير كائن في الدنيا فلا نبالي به

فقال «و إليه تقلبون» و كأنهم قالوا إذا صرفنا إلى حكم الله فررنا فقال «و ما أنتم بمعجزين في الأرض و لا في السماء» أي و لستم بفائتين عن الله في الدنيا و لا في الآخرة فاحذروا مخالفته و متى قيل كيف وصفهم بذلك و ليسوا من أهل السماء فالجواب عنه من وجهين ( أحدهما ) إن المعنى لستم بمعجزين فرارا في الأرض و لا في السماء لو كنتم في السماء كقولك ما يفوتني فلان هاهنا و لا بالبصرة يعني و لا بالبصرة لو صار إليها عن قطرب و هو معنى قول مقاتل ( و الآخر ) أن المعنى و لا من في السماء بمعجزين فحذف من لدلالة الكلام عليه كما قال حسان:

{أمن يهجو رسول الله منكم --- و يمدحه و ينصره سواء}

فكأنه قال و من يمدحه و ينصره سواء أم لا يتساوون عن الفراء و هذا ضعيف عند البصريين «و ما لكم من دون الله من ولي و لا نصير» ينصركم و يدفع عذاب الله عنكم فلا تغتروا بأن الأصنام تشفع لكم و قيل إن الولي الذي يتولى المعونة بنفسه و النصير يتولى النصرة تارة بنفسه و تارة بأن يأمر غيره به «و الذين كفروا بآيات الله» أي جحدوا بالقرآن و بأدلة الله «و لقائه» أي و جحدوا بالبعث بعد الموت «أولئك يئسوا من رحمتي» أخبر أنه سبحانه آيسهم من رحمته و جنته أو يكون معناه يجب أن ييأسوا من رحمتي «و أولئك لهم عذاب أليم» أي مؤلم و في هذا دلالة على أن المؤمن بالله و اليوم الآخر لا ييأس من رحمة الله ثم عاد سبحانه إلى قصة إبراهيم فقال «فما كان جواب قومه» يعني حين دعاهم إلى الله تعالى و نهاهم عن عبادة الأصنام «إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه» و في هذا تسفيه لهم إذ قالوا حين انقطعت حجتهم لا تحاجوه و لكن اقتلوه أو حرقوه ليتخلصوا منه «فأنجاه الله من النار» و هاهنا حذف تقديره ثم اتفقوا على إحراقه فأججوا نارا فألقوه فيها فأنجاه الله منها «إن في ذلك لآيات» أي علامات واضحات و حجج بينات «لقوم يؤمنون» بصحة ما أخبرناه به و بتوحيد الله و كمال قدرته «و قال» إبراهيم لقومه «إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم» أي لتتوادوا بها «في الحيوة الدنيا» و قد تقدم بيانه في الحجة «ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض» أي يتبرأ القادة من الأتباع «و يلعن بعضكم بعضا» أي و يلعن الأتباع القادة لأنهم زينوا لهم الكفر و قال قتادة كل خلة تنقلب يوم القيامة عداوة إلا خلة المتقين قال سبحانه الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين «و مأواكم النار» أي و مستقركم النار «و ما لكم من ناصرين» يدفعون عنكم عذاب الله.