۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة العنكبوت، آية ١٣

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ ١١ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٢ وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣ وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٤ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لَيَعْلَمَنّ اللّهُ الّذِينَ ءَامَنُوا وَ لَيَعْلَمَنّ الْمُنَفِقِينَ (11) وَ قَالَ الّذِينَ كفَرُوا لِلّذِينَ ءَامَنُوا اتّبِعُوا سبِيلَنَا وَ لْنَحْمِلْ خَطيَكُمْ وَ مَا هُم بحَمِلِينَ مِنْ خَطيَهُم مِّن شىْءٍ إِنّهُمْ لَكَذِبُونَ (12) وَ لَيَحْمِلُنّ أَثْقَالهَُمْ وَ أَثْقَالاً مّعَ أَثْقَالهِِمْ وَ لَيُسئَلُنّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَمّا كانُوا يَفْترُونَ (13) وَ لَقَدْ أَرْسلْنَا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِث فِيهِمْ أَلْف سنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطوفَانُ وَ هُمْ ظلِمُونَ (14) فَأَنجَيْنَهُ وَ أَصحَب السفِينَةِ وَ جَعَلْنَهَا ءَايَةً لِّلْعَلَمِينَ (15)

اللغة

الثقل متاع البيت و جمعه أثقال و هو من الثقل يقال ارتحل القوم بثقلهم و ثقلتهم أي بأمتعتهم و منه الحديث إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض قال ثعلب سميا به لأن الأخذ بموجبهما ثقيل و قال غيره إن العرب تقول لكل شيء خطير نفيس ثقل فسماهما ثقلين تفخيما لشأنهما و كل شيء يتنافس فيه فهو ثقل و منه سمي الجن و الإنس ثقلين لأنهما فضلا على غيرهما من الخلق و الطوفان الماء الكثير الغامر لأنه يطوف بكثرته في نواحي الأرض قال الراجز:

{أفناهم الطوفان موت جارف}

الجرف الأخذ الكثير و قد جرفت الشيء أجرفه بالضم جرفا أي ذهبت كله شبه الموت في كثرته بالطوفان.

الإعراب

قوله «بحاملين من خطاياهم من شيء» تقديره و ما هم بحاملين من شيء من خطاياهم فقوله «من خطاياهم» في الأصل صفة لشيء فقدم عليه فصار في موضع نصب على الحال.

«ألف سنة» نصب على الظرف خمسين نصب على الاستثناء و عاما تمييزه.

المعنى

ثم أقسم سبحانه فقال «و ليعلمن الله الذين آمنوا» بالله على الحقيقة ظاهرا و باطنا «و ليعلمن المنافقين» فيجازيهم بحسب أعمالهم قال الجبائي معناه و ليميزن الله المؤمن من المنافق فوضع العلم موضع التمييز توسعا و قد مر بيانه و في هذه الآية تهديد للمنافقين بما هو معلوم من حالهم التي استهزءوا بها و توهموا أنهم قد نجوا من ضررها بإخفائها فبين أنها ظاهرة عند من يملك الجزاء عليها و أنه يحل الفضيحة العظمى بها «و قال الذين كفروا» نعم الله و جحدوها «للذين آمنوا» أي صدقوا بتوحيده و صدق رسله «اتبعوا سبيلنا و لنحمل خطاياكم» أي و نحن نحمل آثامكم عنكم إن قلتم إن لكم في اتباع ديننا إثما و يعنون بذلك أنه لا إثم عليكم باتباع ديننا و لا يكون بعث و لا نشور فلا يلزمنا شيء مما ضمنا و المأمور في قوله «و لنحمل» هو المتكلم به نفسه في مخرج اللفظ و المراد به إلزام النفس هذا المعنى كما يلزم الشيء بالأمر و فيه معنى الجزاء و تقديره إن تتبعوا ديننا حملنا خطاياكم عنكم ثم قال سبحانه «و ما هم بحاملين من خطاياهم من شيء» أي لا يمكنهم حمل ذنوبهم عنهم يوم القيامة فإن الله سبحانه عدل لا يعذب أحدا بذنب غيره فلا يصح إذا أن يتحمل أحد ذنب غيره و هذا مثل قوله و لا تزر وازرة وزر أخرى و أن ليس للإنسان إلا ما سعى و لا يجري هذا مجرى تحمل الدية عن الغير لأن الغرض في الدية أداء المال عن نفس المقتول فلا فرق بين أن يوديه زيد عنه و بين أن يؤديه عمرو فإنه بمنزلة قضاء الدين.

«إنهم لكاذبون» فيما ضمنوا من حمل خطاياهم «و ليحملن أثقالهم و أثقالا مع أثقالهم» يعني أنهم يحملون خطاياهم و أوزارهم في أنفسهم التي لم يعملوها بغيرهم و يحملون الخطايا التي ظلموا بها غيرهم و قيل معناه يحملون عذاب ضلالهم و عذاب إضلالهم غيرهم و دعائهم لهم إلى الكفر و هذا كقوله من سن سنة سيئة الخبر و هذا كقوله ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة و من أوزار الذين يضلونهم بغير علم «و ليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون» و معناه أنهم يسئلون سؤال تعنيف و توبيخ و تبكيت و تقريع لا سؤال استعلام و استخبار «و لقد أرسلنا نوحا إلى قومه» يدعوهم إلى توحيد الله عز و جل «فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما» فلم يجيبوه و كفروا به «فأخذهم الطوفان» جزاء على كفرهم فهلكوا «و هم ظالمون» لأنفسهم بما فعلوه من الشرك و العصيان «فأنجيناه و أصحاب السفينة» أي فأنجينا نوحا من ذلك الطوفان و الذين ركبوا معه في السفينة من المؤمنين به «و جعلناها» أي و جعلنا السفينة «آية للعالمين» أي علامة للخلائق أجمعين يعتبرون بها إلى يوم القيامة لأنها فرقت بين المؤمنين و الكافرين و الأبرار و الفجار و هي دلالة للخلق على صدق نوح و كفر قومه.

النظم

إنما اتصل قوله «و قال الذين كفروا» بما تقدمه من ذكر المنافقين فإنه سبحانه لما بين حالهم عند إيراد الشبهة عليهم بين في هذه الآية أن من الواجب أن لا يغتر المؤمنون بما يورده أهل الكفر عليهم من الشبه الفاسدة و قد ذكر في اتصال قصة نوح بما قبلها وجوه ( أحدها ) أنه لما قال فتنا الذين من قبلهم فصل ذلك فبدأ بقصة نوح ثم بما يليها ( و ثانيها ) أنه لما ذكر حال المجاهد الصابر و حال من كان بخلافه ذكر قصة نوح و صبره على أذى قومه و تكذيبهم تلك المدة الطويلة ثم عقب ذلك بذكر غيره من الأنبياء ( و ثالثها ) أنه لما أمر و نهى و وعد و أوعد على امتثال أوامره و ارتكاب نواهيه أكد ذلك بقصص الأنبياء.