۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القصص، آية ٥٩

التفسير يعرض الآيات ٥٦ إلى ٦٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦ وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧ وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥٨ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ ٥٩ وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتُهَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنّك لا تهْدِى مَنْ أَحْبَبْت وَ لَكِنّ اللّهَ يهْدِى مَن يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَ قَالُوا إِن نّتّبِع الهُْدَى مَعَك نُتَخَطف مِنْ أَرْضِنَا أَ وَ لَمْ نُمَكِّن لّهُمْ حَرَماً ءَامِناً يجْبى إِلَيْهِ ثَمَرَت كلِّ شىْءٍ رِّزْقاً مِّن لّدُنّا وَ لَكِنّ أَكثرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57) وَ كَمْ أَهْلَكنَا مِن قَرْيَةِ بَطِرَت مَعِيشتَهَا فَتِلْك مَسكِنُهُمْ لَمْ تُسكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلاً وَ كنّا نحْنُ الْوَرِثِينَ (58) وَ مَا كانَ رَبّك مُهْلِك الْقُرَى حَتى يَبْعَث فى أُمِّهَا رَسولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا وَ مَا كنّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلا وَ أَهْلُهَا ظلِمُونَ (59) وَ مَا أُوتِيتُم مِّن شىْءٍ فَمَتَعُ الْحَيَوةِ الدّنْيَا وَ زِينَتُهَا وَ مَا عِندَ اللّهِ خَيرٌ وَ أَبْقَى أَ فَلا تَعْقِلُونَ (60)

القراءة

قرأ أهل المدينة و يعقوب و سهل تجبي بالتاء و الباقون بالياء و قرأ أبو عمرو «أ فلا تعقلون» بالياء و التاء كيف شئت و الباقون بالتاء.

الحجة

قال أبو علي تأنيث ثمرات جمع و ليس بتأنيث حقيقي فيكون بمنزلة الوعظ و الموعظة و الصوت و الصيحة إذا ذكرت جاز و إذا أنثت جاز و حجة من قرأ «أ فلا تعقلون» بالتاء قوله «و ما أوتيتم» و الياء على أ فلا يعقلون يا محمد.

اللغة

التخطف أخذ الشيء على وجه الاستلاب من كل وجه يقال تخطفه تخطفا و اختطفه اختطافا و خطفه يخطفه خطفا قال امرؤ القيس:

{تخطف خزان الأنيعم بالضحى --- و قد حجرت منها ثعالب أورال}

يجبى من جبيت الماء في الحوض أي جمعته و الجابية الحوض و البطر الطغيان عند النعمة قال ابن الأعرابي البطر سوء احتمال الغنى و قيل إن أصله من قولهم ذهب دمه بطرا أي باطلا عن الكسائي و قيل هو أن يتكبر عند الحق فلا يقبله.

الإعراب

«رزقا» مصدر وضع موضع الحال تقديره يجبى إليه ثمرات كل شيء من رزقه و يجوز أن يكون مصدر فعل محذوف تقديره نرزق و يجوز أن يكون مصدرا من معنى قوله «يجبى إليه ثمرات» لأنه في معنى رزق فيكون مثل قولهم حمدته شكرا و يجوز أن يكون مفعولا له و قوله «من لدنا» في موضع نصب على الصفة لقوله «رزقا» «و كم أهلكنا» أي كثيرا من القرى أهلكنا فكم في موضع نصب بأهلكنا و «من قرية» في موضع نصب على التمييز لأن كم الخبرية إذا فصل بينها و بين مميزها بكلام نصب كما ينصب كم الاستفهامية معيشتها انتصب بقوله «بطرت» و تقديره في معيشتها فحذف الجار فأفضى الفعل.

«فتلك مساكنهم» مبتدأ و خبر.

لم تسكن في موضع نصب على الحال و العامل فيه معنى الإشارة في تلك قليلا صفة مصدر محذوف تقديره إلا سكونا قليلا أو صفة ظرف تقديره وقتا أو زمانا قليلا.

النزول

قيل نزل قوله «إنك لا تهدي من أحببت» في أبي طالب فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحب إسلامه فنزلت هذه الآية و كان يكره إسلام وحشي قاتل حمزة فنزل فيه يا عبادي الذين

أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله الآية فلم يسلم أبو طالب و أسلم وحشي و رووا ذلك عن ابن عباس و غيره و في هذا نظر كما ترى فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يجوز أن يخالف الله سبحانه في إرادته كما لا يجوز أن يخالفه في أوامره و نواهيه و إذا كان الله تعالى على ما زعم القوم لم يرد إيمان أبي طالب و أراد كفره و أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إيمانه فقد حصل غاية الخلاف بين إرادتي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) و المرسل فكأنه سبحانه يقول على مقتضى اعتقادهم إنك يا محمد تريد إيمانه و لا أريد إيمانه و لا أخلق فيه الإيمان مع تكفله بنصرتك و بذل مجهوده في إعانتك و الذب عنك و محبته لك و نعمته عليك و تكره أنت إيمان وحشي لقتله عمك حمزة و أنا أريد إيمانه و أخلق في قلبه الإيمان و في هذا ما فيه و قد ذكرنا في سورة الأنعام أن أهل البيت (عليهم السلام) قد أجمعوا على أن أبا طالب مات مسلما و تظاهرت الروايات بذلك عنهم و أوردنا هناك طرفا من أشعاره الدالة على تصديقه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و توحيده فإن استيفاء ذلك جميعه لا تتسع له الطوامير و ما روي من ذلك في كتب المغازي و غيرها أكثر من أن يحصى يكاشف فيها من كاشف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و يناضل عنه و يصحح نبوته و قال بعض الثقات إن قصائده في هذا المعنى التي تنفث في عقد السحر و تغبر في وجه شعراء الدهر يبلغ قدر مجلد و أكثر من هذا و لا شك في أنه لم يختر تمام مجاهرة الأعداء استصلاحا لهم و حسن تدبيره في دفع كيادهم لئلا يلجئوا الرسول إلى ما ألجئوه إليه بعد موته.

المعنى

لما تقدم ذكر الرسول و القرآن و أنه أنزل هدى للخلق بين سبحانه أنه ليس عليه الاهتداء و إنما عليه البلاغ و الأداء فقال «إنك» يا محمد «لا تهدي من أحببت» هدايته و قيل من أحببته لقرابته و المراد بالهداية هنا اللطف الذي يختار عنده الإيمان فإنه لا يقدر عليه إلا الله تعالى لأنه إما أن يكون من فعله خاصة أو بإعلامه و لا يعلم ما يصلح المرء في دينه إلا الله تعالى فإن الهداية التي هي الدعوة و البيان قد أضافها سبحانه إليه في قوله و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم و قيل إن المراد بالهداية في الآية الإجبار على الاهتداء أي أنت لا تقدر على ذلك و قيل معناه ليس عليك اهتداؤهم و قبولهم الحق «و لكن الله يهدي من يشاء» بلطفه و قيل على وجه الإجبار «و هو أعلم بالمهتدين» أي القابلين للهدى فيدبر الأمور على ما يعلمه من صلاح العباد ثم قال سبحانه حاكيا عن الكفار «و قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا» أي نستلب من أرضنا يعني أرض مكة و الحرم و قيل إنما قاله الحرث بن نوفل بن عبد مناف فإنه قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنا لنعلم أن قولك حق و لكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك و نؤمن بك مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا و لا طاقة لنا بالعرب فقال سبحانه رادا

عليه هذا القول «أ و لم نمكن لهم حرما آمنا» أي أ و لم نجعل لهم مكة في أمن و أمان قبل هذا و دفعنا ضرر الناس عنهم حتى كانوا يأمنون فيه فكيف يخافون زواله الآن أ فلا نقدر على دفع ضرر الناس عنهم لو آمنوا بل حالة الإيمان و الطاعة أولى بالأمن و السلامة من حالة الكفر «يجبى إليه ثمرات كل شيء» أي تجمع إليه ثمرات كل أرض و بلد «رزقا من لدنا» أي إعطاء من عندنا جاريا عليهم «و لكن أكثرهم لا يعلمون» ما أنعمنا به عليهم و قيل لا يعلمون الله و لا يعبدونه فيعلموا ما يفوتهم من الثواب «و كم أهلكنا من قرية» أي من أهل قرية «بطرت معيشتها» أي في معيشتها بأن أعرضت عن الشكر و تكبرت و المعنى أعطيناهم المعيشة الواسعة فلم يعرفوا حق النعمة و كفروا فأهلكناهم «فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا» تلك إشارة إلى ما يعرفونه هم من ديار عاد و ثمود و قوم لوط أي صارت مساكنهم خاوية خالية عن أهلها و هي قريبة منكم فإن ديار عاد إنما كانت بالأحقاف و هو موضع بين اليمن و الشام و ديار ثمود بوادي القرى و ديار قوم لوط بسدوم و كانوا هم يمرون بهذه المواضع في تجاراتهم «و كنا نحن الوارثين» أي المالكين لديارهم لم يخلفهم أحد فيها ثم خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «و ما كان ربك» يا محمد «مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا» قيل إن معنى أمها أم القرى و هي مكة و قيل يريد معظم القرى من سائر الدنيا «يتلو عليهم آياتنا» أي يقرأ عليهم حججنا و بيناتنا «و ما كنا مهلكي القرى إلا و أهلها ظالمون» لنفوسهم بالكفر و الطغيان و العتو و العصيان ثم خاطب سبحانه خلقه فقال «و ما أوتيتم من شيء» أي و ما أعطيتموه من شيء «فمتاع الحياة الدنيا و زينتها» أي هو شيء تتمتعون به في الحياة و تتزينون به «و ما عند الله» من الثواب و نعيم الآخرة «خير» من هذه النعم «و أبقى» لأنها فانية و نعم الآخرة باقية «أ فلا تعقلون» ذلك و تتفكرون فيه حتى تميزوا بين الباقي و الفاني.