۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النمل، آية ٢

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

طسٓۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡقُرۡءَانِ وَكِتَابٖ مُّبِينٍ ١ هُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٢ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٣ إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُمۡ يَعۡمَهُونَ ٤ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ وَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٥ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلۡقُرۡءَانَ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ٦ إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهۡلِهِۦٓ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ ءَاتِيكُم بِشِهَابٖ قَبَسٖ لَّعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ٧ فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٩ وَأَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰ لَا تَخَفۡ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ طس تِلْك ءَايَت الْقُرْءَانِ وَ كتَابٍ مّبِينٍ (1) هُدًى وَ بُشرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الّذِينَ يُقِيمُونَ الصلَوةَ وَ يُؤْتُونَ الزّكوةَ وَ هُم بِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنّ الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ زَيّنّا لهَُمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئك الّذِينَ لهَُمْ سوءُ الْعَذَابِ وَ هُمْ فى الاَخِرَةِ هُمُ الأَخْسرُونَ (5) وَ إِنّك لَتُلَقّى الْقُرْءَانَ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قَالَ مُوسى لأَهْلِهِ إِنى ءَانَست نَاراً سئَاتِيكم مِّنهَا بخَبرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشهَابٍ قَبَسٍ لّعَلّكمْ تَصطلُونَ (7) فَلَمّا جَاءَهَا نُودِى أَن بُورِك مَن فى النّارِ وَ مَنْ حَوْلَهَا وَ سبْحَنَ اللّهِ رَب الْعَلَمِينَ (8) يَمُوسى إِنّهُ أَنَا اللّهُ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ (9) وَ أَلْقِ عَصاك فَلَمّا رَءَاهَا تهْتزّ كَأَنهَا جَانّ وَلى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّب يَمُوسى لا تخَف إِنى لا يخَاف لَدَى الْمُرْسلُونَ (10)

القراءة

قرأ أهل الكوفة و رويس عن يعقوب بشهاب قبس منونا غير مضاف و قرأ الباقون «بشهاب قبس» مضافا.

الحجة و اللغة

قال أبو عبيدة الشهاب النار و القبس ما اقتبست و أنشد:

{في كفه صعدة مثقفة --- فيها سنان كشعلة القبس}

و قال غيره كل ذي نور فهو شهاب قال أبو علي يجوز أن يكون قبس صفة و يجوز أن يكون اسما غير صفة فأما الصفة فإنهم يقولون قبسته أقبسه قبسا و القبس الشيء المقبوس فإذا كان القبس صفة فالأحسن أن يجري على شهاب كما جرى على الموصوف في قوله

كأنه ضرم بالكف مقبوس و إن كان مصدرا غير صفة حسنت فيه الإضافة و لا يحسن ذلك في الصفة لأن الموصوف لا يضاف إلى صفته و قال أبو الحسن الإضافة أجود و أكثر في القراءة كما تقول دار آجر و سوار ذهب و لو قلت سوار ذهب و دار آجر كان عربيا قال أبو علي جعل أبو الحسن القبس فيه غير وصف أ لا ترى أنه جعله بمنزلة الآجر و الذهب و ليس واحد منهما صفة.

الإعراب

«هدى و بشرى» في محل النصب أو الرفع فالنصب على الحال أي هادية

و مبشرة و العامل فيهما معنى الإشارة و الرفع على ثلاثة أوجه على هي هدى و بشرى و على البدل من آيات و على أن يكون خبرا بعد خبر «أن بورك» أن هي المفسرة لأن النداء فيه معنى القول يعني قيل له بورك و لا يجوز أن يكون مخففة من الثقيلة على تقدير أنه بورك لأنه كان يكون لا بد من قد و الهاء في أنه ضمير الشأن و «أنا الله» مبتدأ و خبر «و ألق عصاك» عطف على بورك أي نودي أن بورك و إن ألق عصاك.

المعنى

«طس» سبق تفسيره «تلك» إشارة إلى ما وعدوا بمجيئه من القرآن «آيات القرآن و كتاب مبين» أضاف الآيات إلى القرآن و آيات القرآن هي القرآن فهو كقوله إنه لحق اليقين و القرآن و الكتاب معناهما واحد وصفه بالصفتين ليفيد أنه مما يظهر بالقراءة و يظهر بالكتابة و هو بمنزلة الناطق بما فيه من الأمرين جميعا و وصفه بأنه مبين تشبيه له بالناطق بكذا و معناه أن الله بين فيه أمره و نهيه و حلاله و حرامه و وعده و وعيده و إذا وصفه بأنه بيان فإنه يجري مجرى وصفه له بالنطق بهذه الأشياء في ظهور المعنى به للنفس و البيان هو الدلالة التي تبين بها الأشياء و المبين المظهر «هدى و بشرى للمؤمنين» أي هدى من الضلالة إلى الحق بالبيان الذي فيه و البرهان و باللطف فيه من جهة الإعجاز الدال على صحة أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و بشرى للمؤمنين بالجنة و الثواب و يجوز أن يكون في موضع نصب على أن يكون تقديره هاديا و مبشرا و يجوز أن يكون في موضع رفع و التقدير هو هدى و بشرى ثم وصف المؤمنين فقال «الذين يقيمون الصلاة» بحدودها و واجباتها و يداومون على أوقاتها «و يؤتون الزكاة» أي و يخرجون ما يجب عليهم من الزكاة في أموالهم إلى من يستحقها «و هم بالآخرة» أي بالنشأة الآخرة و البعث و الجزاء «هم يوقنون» لا يشكون فيه ثم وصف من خالفهم فقال «إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون» اختلف في معناه فقيل إن المعنى زينا لهم أعمالهم التي أمرناهم بها بأحسن وجوه التزيين و الترغيب فهم يتحيرون بالذهاب عنها عن الحسن و الجبائي و أبي مسلم و قيل زينا لهم أعمالهم بأن خلقنا فيهم شهوة القبيح الداعية لهم إلى فعل المعاصي ليجتنبوا المشتهى فهم يعمهون عن هذا المعنى و يترددون في الحيرة و قيل معناه حرمناهم التوفيق عقوبة لهم على كفرهم فتزينت أعمالهم في أعينهم و حليت في صدورهم «أولئك الذين لهم سوء العذاب» أي شدة العذاب و صعوبته «و هم في الآخرة هم الأخسرون» أي لا أحد أخسر صفقة منهم لأنهم يخسرون الثواب و يحصل لهم بدلا منه العقاب «و إنك» يا محمد «لتلقي القرآن» أي لتعطى «من لدن حكيم» في أمره «عليم» بخلقه أي من عند الله لأن الملك يلقيه من قبل الله سبحانه و قيل معناه لتلقن قال علي بن عيسى عليم

بمعنى عالم إلا أن في عليم مبالغة فهو مثل سامع و سميع لأن في قولنا عالم يفيد أن له معلوما كما أن قولنا سامع يفيد أن له مسموعا و إذا وصفناه بأنه عليم أفاد أنه متى يصح معلوم فهو عالم به كما أن سميعا يفيد أنه متى وجد مسموع فلا بد أن يكون سامعا له «إذ قال موسى لأهله» قال الزجاج العامل في إذ اذكر أي اذكر في قصة موسى إذ قال لأهله أي امرأته و هي بنت شعيب «إني آنست» أي أبصرت و رأيت «نارا» و منه اشتقاق الإنس لأنهم مرئيون و قيل آنست أي أحسست بالشيء من جهة يؤنس بها و ما آنست به فقد أحسست به مع سكون نفسك إليه «سآتيكم منها بخبر» معناه فالزموا مكانكم لعلي آتيكم من هذه النار بخبر الطريق و أهتدي بها إلى الطريق لأنه كان أضل الطريق «أو آتيكم بشهاب قبس» أي بشعلة نار و الشهاب نور كالعمود من النار و كل نور يمتد مثل العمود يسمى شهابا و إنما قال لامرأته «آتيكم» على لفظ خطاب الجمع لأنه أقامه مقام الجماعة في الأنس بها و السكون إليها في الأمكنة الموحشة «لعلكم تصطلون» أي لكي تستدفئوا بها و ذلك لأنهم كانوا قد أصابهم البرد و كانوا شاتين عن الحسن و قتادة «فلما جاءها» أي جاء موسى إلى النار يعني التي ظن أنها نار و هي نور «نودي أن بورك من في النار و من حولها» قال وهب لما رأى موسى النار وقف قريبا منها فرآها تخرج من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة لا تزداد النار إلا اشتعالا و لا تزداد الشجرة إلا خضرة و حسنا فلم تكن النار بحرارتها تحرق الشجرة و لا الشجرة برطوبتها تطفىء النار فعجب منها و أهوى إليها بصغث في يده ليقتبس منها فمالت إليها فخافها فتأخر عنها ثم لم تزل تطمعه و يطمع فيها إلى أن نودي و المراد به نداء الوحي «أن بورك من في النار و من حولها» أي بورك فيمن في النار و هم الملائكة و فيمن حولها يعني موسى و ذلك أن النور الذي رأى موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتقديس و التسبيح و من حولها هو موسى لأنه كان بالقرب منها و لم يكن فيها فكأنه قال بارك الله على من في النار و عليك يا موسى و مخرجه الدعاء و المراد الخبر قال الكسائي تقول العرب باركه الله و بارك عليه و بارك فيه و قيل بورك من في النار معناه من في النار سلطانه و قدرته و برهانه فالبركة ترجع إلى اسم الله و تأويله تبارك من نور هذا النور و من حولها يعني موسى و الملائكة و هذا معنى قول ابن عباس و الحسن و سعيد بن جبير و قيل معناه بورك من في طلب النار و هو موسى (عليه السلام) فحذف المضاف و من حولها الملائكة أي دامت البركة لموسى و الملائكة و هذا تحية من الله سبحانه لموسى (عليه السلام) بالبركة كما حيا إبراهيم (عليه السلام) بالبركة على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا رحمة الله و بركاته عليكم أهل البيت ثم نزه سبحانه نفسه فقال «سبحان الله رب العالمين» أي تنزيها له عما لا يليق بصفاته تعالى عن أن يكون جسما يحتاج إلى جهة أو

عرضا يحتاج إلى محل أو يكون ممن يتكلم بآلة ثم أخبر سبحانه موسى عن نفسه و تعرف إليه بصفاته فقال «يا موسى أنه أنا الله العزيز الحكيم» أي إن الذي يكلمك هو الله العزيز أي القادر الذي لا يغالب و لا يمتنع عليه شيء الحكيم في أفعاله المحكم لتدابيره ثم أراه سبحانه آية يعلم بها صحة النداء فقال «و ألق عصاك» و في الكلام حذف تقديره فألقاها فصارت حية «فلما رآها تهتز كأنها جان» أي تتحرك كما يتحرك الجان و هو الحية التي ليست بعظيمة و إنما شبهها بالجان في خفة حركتها و اهتزازها مع أنها ثعبان في عظمها و لذلك هاله ذلك حتى ولى مدبرا و قيل إن الحالتين مختلفتان لأن الحال التي صارت ثعبانا هي الحال التي لقي فيها فرعون و الحال التي صارت جانا هي الحال التي خاطبه الله في أول ما بعثه نبيا «ولى مدبرا» أي رجع إلى ورائه «و لم يعقب» أي لم يرجع و كل راجع معقب و المفسرون يقولون لم يلتفت و لم يقف فقال الله سبحانه «يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون» و هذا تسكين من الله سبحانه لموسى و نهي له عن الخوف يقول له إنك مرسل و المرسل لا يخاف لأنه لا يفعل قبيحا و لا يخل بواجب فيخاف عقابي على ذلك.