۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الفرقان، آية ٣

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا ٢ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا ٣ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا ٤ وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٥ قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦ وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧ أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٨ ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٩ تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ تَبَارَك الّذِى نَزّلَ الْفُرْقَانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيراً (1) الّذِى لَهُ مُلْك السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ لَمْ يَتّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَكُن لّهُ شرِيكٌ فى الْمُلْكِ وَ خَلَقَ كلّ شىْءٍ فَقَدّرَهُ تَقْدِيراً (2) وَ اتخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً لا يخْلُقُونَ شيْئاً وَ هُمْ يخْلَقُونَ وَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضرّا وَ لا نَفْعاً وَ لا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لا حَيَوةً وَ لا نُشوراً (3) وَ قَالَ الّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْترَاهُ وَ أَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ فَقَدْ جَاءُو ظلْماً وَ زُوراً (4) وَ قَالُوا أَسطِيرُ الأَوّلِينَ اكتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكرَةً وَ أَصِيلاً (5) قُلْ أَنزَلَهُ الّذِى يَعْلَمُ السرّ فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ إِنّهُ كانَ غَفُوراً رّحِيماً (6) وَ قَالُوا مَا لِ هَذَا الرّسولِ يَأْكلُ الطعَامَ وَ يَمْشى فى الأَسوَاقِ لَوْ لا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنّةٌ يَأْكلُ مِنْهَا وَ قَالَ الظلِمُونَ إِن تَتّبِعُونَ إِلا رَجُلاً مّسحُوراً (8) انظرْ كيْف ضرَبُوا لَك الأَمْثَلَ فَضلّوا فَلا يَستَطِيعُونَ سبِيلاً (9) تَبَارَك الّذِى إِن شاءَ جَعَلَ لَك خَيراً مِّن ذَلِك جَنّتٍ تجْرِى مِن تحْتِهَا الأَنْهَرُ وَ يجْعَل لّك قُصورَا (10)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم نأكل منها بالنون و الباقون بالياء و قرأ ابن كثير و ابن عامر و أبو بكر و يجعل لك بالرفع و الباقون بالجزم.

الحجة

من قرأ «يأكل منها» بالياء فإنه يعني به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و من قرأ نأكل منها فكأنه أراد أنه تكون له المزية علينا في الفضل بأكلنا من جنته و من قرأ «و يجعل لك» بالجزم عطف على موضع جعل لأنه جزاء الشرط قال الشاعر:

{إني سلكت فإنني لك كاشح --- و على انتقاصك في الحياة و أزدد}

و من رفع قطعه مما قبله و استأنف.

الإعراب

قال الزجاج التقدير جاءوا بظلم و زور فلما سقطت الباء أفضى الفعل فنصب الفعل و أقول إنه يجوز جاءوا ظلما بمعنى أتوا ظلما قال طرفة:

{على غير ذنب جئته غير أنني --- نشدت فلم أغفل حمولة معبد}

فمعنى جئته فعلته.

«اكتتبها» جملة في موضع نصب على الحال من «أساطير الأولين» و قد مضمرة و «أساطير» خبر مبتدإ محذوف و «يأكل الطعام» حال و العامل فيه ما تعلق به اللام في قوله «ما لهذا الرسول» فيكون منصوبا بإضمار أن.

«كيف ضربوا» كيف في محل النصب على المصدر و التقدير ضرب أي ضربوا لك الأمثال و يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من الواو في ضربوا التقدير أنظر أ منكرين ضربوا لك الأمثال أم لا.

«أن شاء جعل لك خيرا من ذلك» الشرط و الجزاء صلة الذي و «جنات» بدل من قوله «خيرا».

المعنى

«تبارك» تفاعل من البركة معناه عظمت بركاته و كثرت عن ابن عباس و البركة و الكثرة من الخير و قيل معناه تقدس و جل بما لم يزل عليه من الصفات و لا يزال كذلك فلا يشاركه فيها غيره و أصله من بروك الطير فكأنه قال ثبت و دام فيما لم يزل و لا يزال عن جماعة من المفسرين و قيل معناه قام بكل بركة و جاء بكل بركة «الذي نزل الفرقان» أي القرآن الذي يفرق بين الحق و الباطل و الثواب و الخطإ في أمور الدين بما فيه من الحث على أفعال الخير و الزجر عن القبائح و الشر «على عبده» محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) «ليكون» محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرآن «للعالمين» أي لجميع المكلفين من الإنس و الجن «نذيرا» أي مخوفا بالعقاب و داعيا لهم إلى الرشاد ثم وصف سبحانه نفسه فقال «الذي له ملك السماوات و الأرض و لم يتخذ ولدا» كما زعمت اليهود و النصارى و المشركون «و لم يكن له شريك في الملك» يشاركه فيما خلق و يمنعه عن مراده «و خلق كل شيء» مما يطلق عليه اسم المخلوق «فقدره تقديرا» على ما اقتضته الحكمة و التقدير تبيين مقادير الأشياء للعباد فيكون معناه قدر الأشياء بأن كتبها في الكتاب الذي كتبه الملائكة لطفا لهم و قيل خلق كل شيء فقدر طوله و عرضه و لونه و سائر صفاته و مدة بقائه عن الحسن ثم أخبر سبحانه عن الكفار فقال «و اتخذوا من دونه» أي من دون الله «آلهة» من الأصنام و الأوثان وجهوا عبادتهم إليها ثم وصف آلهتهم بما ينبىء أنها لا تستحق العبادة فقال «لا يخلقون شيئا و هم يخلقون» أي و هي مخلوقة

###

مصنوعة «و لا يملكون لأنفسهم ضرا» فيدفعونه عن أنفسهم «و لا نفعا» فيجرونه إلى أنفسهم أي لا يقدرون على دفع ضر و لا على جر نفع «و لا يملكون موتا و لا حياة» أي لا يستطيعون إماتة و لا إحياء «و لا نشورا» و لا إعادة بعد الموت يقال أنشره الله فنشر فإن جميع ذلك يختص الله تعالى بالقدرة عليه و المعنى فكيف يعبدون من لا يقدر على شيء من ذلك و يتركون عبادة ربهم الذي يملك ذلك كله ثم أخبر سبحانه عن تكذيبهم بالقرآن فقال «و قال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه» أي ما هذا القرآن إلا كذب افتراه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و اختلقه من تلقاء نفسه «و أعانه عليه قوم آخرون» قالوا أعان محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) على هذا القرآن عداس مولى حويطب بن عبد العزى و يسار غلام العلاء بن الحضرمي و حبر مولى عامر و كانوا من أهل الكتاب و قيل إنهم قالوا أعانه قوم اليهود عن مجاهد «فقد جاءوا ظلما و زورا» أي فقد قالوا شركا و كذبا حين زعموا أن القرآن ليس من الله و متى قيل كيف اكتفي بهذا القدر في جوابهم قلنا إنه لما تقدم التحدي و عجزهم عن الإتيان بمثله اكتفي هاهنا بالتنبيه على ذلك «و قالوا أساطير الأولين اكتتبها» معناه و قالوا أيضا هذه أحاديث المتقدمين و ما سطروه في كتبهم انتسخها و قيل استكتبها «فهي تملى عليه بكرة و أصيلا» أي تملى عليه طرفي نهاره حتى يحفظها و ينسخها و الأصيل العشي لأنه أصل الليل و أوله و في هذا بيان مناقضتهم و كذبهم لأنهم قالوا افتراه ثم قالوا تملى عليه فقد افتراه غيره و قالوا أنه كتب و قد علموا أنه كان لا يحسن الكتابة فكيف كتب و لم يستكتب ثم قال سبحانه «قل» يا محمد لهم تكذيبا لقولهم «أنزله» أي أنزل القرآن «الذي يعلم السر» أي الخفيات «في السماوات و الأرض» على ما اقتضاه علمه ببواطن الأمور لا على ما تقتضيه أهواء النفوس و الصدور «إنه كان غفورا رحيما» حيث لم يعاجلهم بالعذاب بل أنعم عليهم بإرسال الرسول إليهم لتأكيد الحجة و قطع المعذرة «و قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام» كما نأكل «و يمشي في الأسواق» في طلب المعاش كما نمشي «لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا» أي هلا أنزل إليه ملك فيكون معينا له على الإنذار و التخويف و هذا أيضا من مقالاتهم الفاسدة لأن الملك لو كان معينا له على الرسالة و مخوفا من ترك قبولها و لو فعل تعالى ذلك لأدى ذلك إلى استصغار كل واحد منهما من حيث إنه لم يقم بنفسه في أداء الرسالة و لأن الجنس إلى الجنس أميل و به آنس «أو يلقى إليه كنز» يستغني به عن طلب المعاش قال ابن عباس أو ينزل إليه مال من السماء «أو تكون له جنة يأكل منها» أي بستان يأكل من ثمارها و من قرأ بالنون فالمعنى نأكل نحن معه و نتبعه «و قال الظالمون» أي المشركون للمؤمنين «إن تتبعون إلا رجلا مسحورا» أي ما تتبعون إلا رجلا مخدوعا مغلوبا على عقله و قد سبق تفسير

المسحور في بني إسرائيل «أنظر» يا محمد «كيف ضربوا لك الأمثال» أي الأشباه لأنهم قالوا تارة هو مسحور و تارة هو محتاج متروك حتى تمنوا له الكنز و تارة أنه ناقص عن القيام بالأمور «فضلوا» بهذا عن الهدى و عن وجه الصواب و طريق الحق «فلا يستطيعون سبيلا» لإلزامك الحجة من الوجوه المذكورة و قيل معناه لا يستطيعون سبيلا إلى إبطال أمرك و قيل معناه لا يستطيعون سبيلا إلى الحق مع ردهم الدلائل و الحجج و اتباعهم التقليد و الألف و العادة «تبارك» أي تقدس «الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك» الذي اقترحوه من الكنز و البستان ثم فسر الذي هو خير مما اقترحوه فقال «جنات تجري من تحتها الأنهار» ليكون أبلغ في الزهو و أسرع في نضج الثمار «و يجعل لك قصورا» أي و سيجعل لك قصورا في كل بستان قصرا و القصور البيوت المبنية المشيدة المطولة عن مجاهد و أراد في الآخرة أي سيعطيك الله في الآخرة أكثر مما قالوا و قيل أراد به في الدنيا لأن جبرائيل (عليه السلام) عرض عليه ذلك كله فاختار الزهد في الدنيا.