۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النور، آية ٤

التفسير يعرض الآيات ٤ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ الّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصنَتِ ثمّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لهَُمْ شهَدَةً أَبَداً وَ أُولَئك هُمُ الْفَسِقُونَ (4) إِلا الّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِك وَ أَصلَحُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ (5)

القراءة

في الشواذ قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار و أبي زرعة بأربعة بالتنوين.

الحجة

من قرأ «بأربعة شهداء» بغير تنوين أضاف العدد إلى «شهداء» و إن كان الشهداء من الصفات و ساغ ذلك لأنهم استعملوها استعمال الأسماء كقولهم إذا دفن الشهيد صلت عليه الملائكة و نحو ذلك فحسن إضافة اسم العدد إليها كما يضاف إلى الاسم الصريح و من قرأ بالتنوين جعل شهداء صفة لأربعة في موضع جر و يجوز أن يكون في موضع نصب من جهتين ( أحدهما ) أن يكون على معنى ثم لم يحضروا أربعة شهداء و على الحال من النكرة أي لم يأتوا بأربعة في حال الشهادة قاله الزجاج.

الإعراب

موضع «الذين يرمون» رفع بالابتداء و من قرأ الزانية و الزاني بالنصب فيكون على ذلك موضع «و الذين يرمون» نصبا على معنى اجلدوا الذين يرمون المحصنات و المحصنات هنا اللاتي أحصن فروجهن بالعفة و «الذين تابوا» في محل النصب على الاستثناء

من قوله «و لا تقبلوا لهم شهادة أبدا» عند من قال إن شهادتهم مقبولة و يكون قوله «و أولئك هم الفاسقون» صفة لهم و يجوز أن يكون في موضع جر على البدل من هم في لهم و من قال إن شهادة القاذف غير مقبولة فعنده يكون في موضع النصب على الاستثناء من قوله «و أولئك هم الفاسقون».

المعنى

لما تقدم ذكر حد الزنا عقبه سبحانه بذكر حد القاذف بالزنا فقال سبحانه «و الذين يرمون المحصنات» أي يقذفون العفائف من النساء بالفجور و الزنا و حذف لدلالة الكلام عليه «ثم لم يأتوا بأربعة شهداء» أي ثم لم يأتوا على صحة ما رموهن به من الزنا بأربعة شهداء عدول يشهدون أنهم رأوهن يفعلن ذلك «فاجلدوهم» أي فاجلدوا الذين يرمونهن بالزنا «ثمانين جلدة و لا تقبلوا لهم شهادة أبدا» نهى سبحانه عن قبول شهادة القاذف على التأبيد و حكم عليهم بالفسق ثم استثنى من ذلك فقال «إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا» أعمالهم «فإن الله غفور رحيم» و اختلف في هذا الاستثناء إلى ما ذا يرجع على قولين ( أحدهما ) أنه يرجع إلى الفسق خاصة دون قوله «و لا تقبلوا لهم شهادة أبدا» فيزول عنه اسم الفسق بالتوبة و لا تقبل شهادته إذا تاب بعد إقامة الحد عليه عن الحسن و قتادة و شريح و إبراهيم و هو قول أبي حنيفة و أصحابه ( و الآخر ) أن الاستثناء يرجع إلى الأمرين فإذا تاب قبلت شهادته حد أو لم يحد عن ابن عباس في رواية الوالبي و مجاهد و الزهري و مسروق و عطا و طاووس و سعيد بن جبير و الشعبي و هو اختيار الشافعي و أصحابه و قول أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد الله (عليه السلام) قال الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري قال زعم أهل العراق أن شهادة القاذف لا تجوز فأشهد لأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكرة لما شهد على المغيرة بن شعبة تب تقبل شهادتك أو إن تبت تقبل شهادتك فأبى أبو بكرة أن يكذب نفسه و قال الزجاج ليس القاذف بأشد جرما من الكافر و الكافر إذا أسلم قبلت شهادته فالقاذف أيضا حقه إذا تاب أن تقبل شهادته يعضد هذا القول أن المتكلم بالفاحشة لا ينبغي أن يكون أعظم جرما من مرتكبها و لا خلاف في العاهر أنه إذا تاب قبلت شهادته فالقاذف إذا تاب و نزع مع أنه أيسر جرما يجب أن تقبل شهادته و قال الحسن يجلد القاذف و عليه ثيابه و يجلد الرجل قائما و المرأة قاعدة و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و من شرط توبة القاذف أن يكذب نفسه فيما قاله فإن لم يفعل ذلك لم يجز قبول شهادته و به قال الشافعي و قيل أنه لا يحتاج إلى ذلك و هو قول مالك و الآية وردت في النساء و حكم الرجال حكمهن ذلك في الإجماع و إذا كان القاذف عبدا أو أمة فالحد أربعون جلدة عند أكثر الفقهاء و روى أصحابنا أن الحد ثمانون في الحر و العبد سواء و ظاهر الآية يقتضي ذلك و به قال عمر بن عبد العزيز

و القاسم بن عبد الرحمن.