۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المؤمنون، آية ٦٣

التفسير يعرض الآيات ٦٢ إلى ٧١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٢ بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلٞ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ ٦٣ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِيهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ يَجۡـَٔرُونَ ٦٤ لَا تَجۡـَٔرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥ قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ ٦٦ مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ ٦٧ أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَآءَهُم مَّا لَمۡ يَأۡتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨ أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٦٩ أَمۡ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٠ وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ ٧١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لا نُكلِّف نَفْساً إِلا وُسعَهَا وَ لَدَيْنَا كِتَبٌ يَنطِقُ بِالحَْقِّ وَ هُمْ لا يُظلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبهُمْ فى غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَ لهَُمْ أَعْمَلٌ مِّن دُونِ ذَلِك هُمْ لَهَا عَمِلُونَ (63) حَتى إِذَا أَخَذْنَا مُترَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يجْئَرُونَ (64) لا تجْئَرُوا الْيَوْمَ إِنّكم مِّنّا لا تُنصرُونَ (65) قَدْ كانَت ءَايَتى تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلى أَعْقَبِكمْ تَنكِصونَ (66) مُستَكْبرِينَ بِهِ سمِراً تَهْجُرُونَ (67) أَ فَلَمْ يَدّبّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مّا لَمْ يَأْتِ ءَابَاءَهُمُ الأَوّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسولهَُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنّةُ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَ أَكثرُهُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ (70) وَ لَوِ اتّبَعَ الْحَقّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسدَتِ السمَوَت وَ الأَرْض وَ مَن فِيهِنّ بَلْ أَتَيْنَهُم بِذِكرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مّعْرِضونَ (71)

القراءة

قرأ نافع تهجرون بضم التاء و كسر الجيم و الباقون «تهجرون» بفتح التاء و ضم الجيم و في الشواذ قراءة ابن مسعود و ابن عباس و عكرمة سمرا تهجرون و قراءة ابن محيصن سمرا و قراءة يحيى و لو اتبع بضم الواو.

الحجة

قال أبو علي من قال «تهجرون» فالمعنى أنكم كنتم تهجرون آياتي و ما يتلى عليكم من كتابي فلا تنقادون له و تكذبون به و تهجرون تأتون بالهجر و الهذيان و ما لا خير فيه من الكلام و قال ابن جني قوله «تهجرون» معناه تكثرون من الهجر أو هجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو كتابه أو تكثرون من الإهجار و هو الإفحاش في القول لأن فعل للتكثير و السمر جمع سامر و السامر القوم يسمرون أي يتحدثون ليلا قال ذو الرمة:

{و كم عرست بعد السري من معرس --- به من عزيف الجن أصوات}

سامر قال قطرب السامر قد يكون واحدا أو جماعة و قيل أنه أخذ من السمرة و هي اللون الذي بين السواد و البياض فقيل لحديث الليل السمر لأنهم كانوا يقعدون في ظل القمر يتحدثون و قيل إن السمر ظل القمر.

اللغة

الوسع الحال التي يتسع بها السبيل إلى الفعل و الوسع دون الطاقة و التكليف تحميل ما فيه المشقة بالأمر و النهي و الإعلام مأخوذ من الكلفة في الفعل و الله سبحانه يكلف عباده تعريضا إياهم للنفع الذي لا يحسن الابتداء بمثله و هو الثواب و أصل الغمرة الستر و التغطية يقال غمرت الشيء إذا سترته و غمرات الموت شدائده و كل شدة غمرة قال الغمرات ثم ينجلينا ثم يذهبن فلا يجينا و الجؤار الاستغاثة و رفع الصوت بها و النكوص رجوع القهقرى و هو المشي على الأعقاب إلى خلف و هو أقبح مشية مثل بها أقبح حال و هي الإعراض عن الداعي إلى الحق.

الإعراب

«وسعها» مفعول ثان لنكلف «بالحق» إن جعلت الحق مصدرا فالباء مزيدة و التقدير ينطق الحق و إن جعلته صفة محذوفا فالتقدير ينطق بالحكم الحق و مفعول «ينطق» محذوف، «هم لها عاملون» جملة في موضع رفع لأنها صفة لأعمال «مستكبرين» منصوب على الحال من قوله «تنكصون» و ذو الحال و «تنكصون» خبر كان و «سامرا» اسم للجمع منصوب لأنه حال.

المعنى

ثم بين سبحانه أنه لا يكلف أحدا إلا دون الطاقة بعد أن أخبر عن حال الكافرين و المؤمنين فقال «و لا نكلف نفسا» أي لا نكلفها أمرا و لا نأمرها «إلا وسعها» أي دون طاقتها «و لدينا كتاب ينطق بالحق» معناه و عند ملائكتنا المقربين كتاب ينطق بالحق أي يشهد لكم و عليكم بالحق كتبته الملائكة بأمرنا يريد صحائف الأعمال «و هم لا يظلمون» أي يوفون جزاء أعمالهم فلا ينقص من ثوابهم و لا يزاد في عقابهم و لا يؤاخذون بذنب غيرهم «بل قلوبهم في غمرة من هذا» بل رد لما سبق و ابتداء الكلام و المعنى أن قلوب الكفار في غفلة شديدة من هذا الكتاب المشتمل على الوعد و الوعيد و هو القرآن و قيل في جهل و حيرة عن الحسن و الجبائي «و لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون» أي و لهم أعمال ردية سوى هذا الجهل يعملون تلك الأعمال فيستحقون بها و بالكفر العقوبة من الله تعالى و قيل و لهم أعمال أي خطايا من دون الحق عن قتادة و أبي العالية و مجاهد و قيل و لهم أعمال من دون الأجل الذي أجلت لهم في موتهم لا بد أن يعملوها عن الحسن و مجاهد في رواية أخرى و ابن زيد و قيل أعمال أصغر من ذلك أي دون الكفر كما يقال هذا دون هذا في القدر هم عاملون إلى أن يفنى آجالهم فهم مشتغلون بها «حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب» أي يكون هذا دأبهم حتى إذا أخذنا متنعميهم و رؤساءهم بعذاب الآخرة و يقال عذاب الدنيا و هو عذاب السيف في يوم بدر عن ابن عباس و قيل هو الجوع حين دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال اللهم اشدد وطأتك على مضر و اجعلها سنين كسني يوسف فابتلاهم الله سبحانه بالقحط حتى أكلوا الجيف و الكلاب عن الضحاك «إذا هم يجأرون» أي يضجون لشدة العذاب و يجزعون و قيل يستغيثون عن ابن عباس و قيل يصرخون إلى الله بالتوبة فلا يقبل منهم «لا تجأروا اليوم» أي يقال لهم لا تتضرعوا اليوم «إنكم منا لا تنصرون» هذا إيناس لهم من دفع العذاب عنهم «قد كانت آياتي تتلى عليكم» أي تقرأ «فكنتم» أيها الكافرون المعذبون «على أعقابكم تنكصون» أي تدبرون و تستأخرون و ترجعون القهقرى مكذبين «مستكبرين به» أي متكبرين على سائر الناس بالحرم أو بالبلد يعني مكة أن لا يظهر عليكم فيه أحد عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و قيل مستكبرين بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تطيعوه و بالقرآن أن تقبلوه فإنها

كناية عن غير مذكور في الجميع «سامرا» أي تسمرون بالليل أي تتحدثون في معائب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «تهجرون» الحق بالإعراض عنه و تهجرون أي تفحشون في المنطق ثم قال سبحانه «أ فلم يدبروا القول» أي أ لم يتدبروا القرآن فيعرفوا ما فيه من العبر و الدلالات على صدق نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) «أم جاءهم ما لم يأت آبائهم الأولين» قال ابن عباس يريد أ ليس قد أرسلنا نوحا و إبراهيم و النبيين إلى قومهم و كذلك أرسلنا محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) «أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون» قال ابن عباس أ ليس هو محمدا الذي قد عرفوه صغيرا و كبيرا صادق اللسان أمينا وافيا بالعهد و في هذا توبيخ لهم بالإعراض عنه بعد ما عرفوا صدقه و أمانته مع شرف نسبه قبل الدعوة «أم يقولون به جنة» قال ابن عباس يريد و أي جنون ترون به و في هذا دلالة على جهلهم حيث أقروا له بالعقل و الصدق أولا ثم نسبوه إلى الجنون و إنما نسبوه إلى الجنون لينفروا الناس عنه أو لأنه يطمع في إيمانهم فهو يطمع في غير مطمع «بل جاءهم بالحق» المعنى بل جاءهم بالقرآن و الدين الحق و ليس به جنة «و أكثرهم للحق كارهون» لأنه لم يوافق مرادهم «و لو اتبع الحق أهواءهم» الحق هو الله تعالى عن أبي صالح و ابن جريج و السدي و المعنى و لو جعل الله لنفسه شريكا كما يهوون «لفسدت السماوات و الأرض و من فيهن» و وجه الفساد ما تقدم ذكره عند قوله لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا و قيل الحق ما يدعو إلى المصالح و المحاسن و الأهواء ما تدعو إلى المفاسد و المقابح و لو اتبع الحق داعي الهوى لدعا إلى المقابح و لفسد التدبير في السماوات و الأرض لأنها مدبرة بالحق لا بالهوى و قيل معناه لفسدت أحوال السماوات و الأرض لأنها جارية على الحكمة لا على الهوى و من فيهن أي و لفسد من فيهن و هو إشارة إلى العقلاء من الملائكة و الإنس و الجن و قال الكلبي و ما بينهما من خلق فيكون عاما و وجه فساد العالم بذلك أنه يوجب بطلان الأدلة و امتناع الثقة بالمدلول عليه و أن لا يوثق بوعد و لا وعيد و لا يؤمن انقلاب عدل الحكيم «بل آتيناهم بذكرهم» أي بما فيه شرفهم و فخرهم لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم و القرآن نزل بلسانهم «فهم عن ذكرهم» أي شرفهم «معرضون» و بالذل راضون و قيل الذكر البيان للحق عن ابن عباس.