۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المؤمنون، آية ١١٧

التفسير يعرض الآيات ١١١ إلى ١١٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ١١١ قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖ فَسۡـَٔلِ ٱلۡعَآدِّينَ ١١٣ قَٰلَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ لَّوۡ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١٤ أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ ١١٥ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ ١١٦ وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١١٧ وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١١٨

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صبرُوا أَنّهُمْ هُمُ الْفَائزُونَ (111) قَلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فى الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْض يَوْمٍ فَسئَلِ الْعَادِّينَ (113) قَلَ إِن لّبِثْتُمْ إِلا قَلِيلاً لّوْ أَنّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَ فَحَسِبْتُمْ أَنّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثاً وَ أَنّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَلى اللّهُ الْمَلِك الْحَقّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَب الْعَرْشِ الْكرِيمِ (116) وَ مَن يَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَهاً ءَاخَرَ لا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ فَإِنّمَا حِسابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنّهُ لا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ (117) وَ قُل رّب اغْفِرْ وَ ارْحَمْ وَ أَنت خَيرُ الرّحِمِينَ (118)

القراءة

قرأ حمزة و الكسائي إنهم بكسر الألف و قل كم لبثتم و قل إن لبثتم على الأمر و قرأ ابن كثير «قال كم لبثتم» فقط و قرأ الباقون «أنهم» بفتح الألف و «قال» في الموضعين و قرأ أهل الكوفة غير عاصم و يعقوب لا ترجعون بفتح التاء و الباقون بضم التاء و فتح الجيم.

الحجة

قال أبو علي من فتح أن فالمعنى لأنهم هم الفائزون و يجوز أن يكون إنهم في موضع المفعول الثاني لأن جزيت يتعدى إلى مفعولين قال سبحانه و جزاهم بما صبروا جنة و حريرا و تقديره جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز و فاز الرجل إذا نال ما أراد و قالوا فوز الرجل إذا مات و يشبه أن يكون ذلك على التفاؤل له أي صار إلى ما أحب و المفازة المهلكة على وجه التفاؤل أيضا و من كسر إن استأنف فقطعه عما قبله و مثله لبيك إن الحمد و النعمة لك و إن

الحمد بالكسر و الفتح و من قرأ قل كم لبثتم كان على قل أيها السائل عن لبثهم و قال على الإخبار عنه و زعموا أن في مصاحف أهل الكوفة قل في الموضعين و حجة من قال ترجعون إنا إليه راجعون و قد تقدم ذكر هذا النحو.

الإعراب

«كم لبثتم» كم في محل النصب لأنه ظرف زمان و العامل فيه لبث و «عدد» منصوب على التمييز و العامل فيه كم و لا يمنع كم من العمل الفصل الكثير لأن كم الخبرية تجر المميز فإذا فصل بينها و بين معمولها نصبت كالاستفهامية فلأن تنصب الاستفهامية مع الفصل أولى و قليلا صفة مصدر محذوف تقديره إن لبثتم إلا قليلا عبثا و يجوز أن يكون مصدرا وضع موضع الحال و تقديره أ فحسبتم إنما خلقناكم عابثين و يجوز أن يكون مفعولا له أي للعبث «لا إله إلا هو» في موضع النصب على الحال على تقدير فتعالى الله عديم المثل و الأولى أن يكون جملة مستأنفة.

و «رب العرش» خبر مبتدإ محذوف فهي جملة أخرى مستأنفة بدلالة حسن الوقف على المواضع الثلاثة على «الحق» و على «هو» و على «الكريم» «لا برهان له» به جملة منصوبة الموضع بأنه صفة لقوله «إلها» فهي صفة بعد صفة.

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن المؤمنين الذين سخر الكافرون منهم في دار الدنيا فقال «إني جزيتهم اليوم بما صبروا» أي بصبرهم على أذاكم و سخريتكم و استهزائكم بهم «إنهم هم الفائزون» أي الظافرون بما أرادوا الناجون في الآخرة و المراد بقوله «اليوم» أيام الجزاء لا يوم بعينه «قال» أي قال الله تعالى للكفار يوم البعث و هو سؤال توبيخ و تبكيت لمنكري البعث «كم لبثتم في الأرض» أي القبور «عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم» لأنهم لم يشعروا بطول لبثهم و مكثهم لكونهم أمواتا و قيل إنه سؤال لهم عن مدة حياتهم في الدنيا قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم استقلوا حياتهم في الدنيا لطول لبثهم و مكثهم في النار عن الحسن قال و لم يكن ذلك كذبا منهم لأنهم أخبروا بما عندهم و قيل إن المراد به يوما أو بعض يوم من أيام الآخرة قال ابن عباس أنساهم الله قدر لبثهم فيرون أنهم لم يلبثوا إلا يوما أو بعض يوم لعظم ما هم بصدده من العذاب «فسئل العادين» يعني الملائكة لأنهم يحصون أعمال العباد عن مجاهد و قيل يعني الحساب لأنهم يعدون الشهور و السنين عن قتادة «قال» الله تعالى «إن لبثتم» أي ما مكثتم «إلا قليلا» لأن مكثهم في الدنيا أو في القبور و إن طال فإنه متناه قليل بالإضافة إلى طول مكثهم في عذاب جهنم «لو أنكم كنتم تعلمون» صحة ما أخبرناكم به و قيل معناه لو كنتم تعلمون قصر أعماركم في الدنيا و طول مكثكم في الآخرة في العذاب لما اشتغلتم بالكفر و المعاصي و آثرتم الفاني على الباقي ثم قال سبحانه لهم

«أ فحسبتم» معاشر الجاحدين للبعث و النشور الظانين دوام الدنيا «أنما خلقناكم عبثا» أي لعبا و باطلا لا لغرض و حكمة و مثله أ يحسب الإنسان أن يترك سدى و المعنى أ فظننتم أنا خلقناكم لتفعلوا ما تريدون ثم إنكم لا تحشرون و لا تسألون عما كنتم تعملون هذا عبث فإن من خلق الأشياء لا لينتفع به نفسه أو غيره كان عابثا و الله سبحانه غني لا يلحقه منفعة فلا بد من أن يكون خلق الخلق لينفعهم و يعرضهم للثواب بأن يتعبدهم و إذا تعبدهم فلا بد من الفرق بين المطيع و العاصي و ذلك إنما يكون بعد البعث «و أنكم إلينا لا ترجعون» أي و حسبتم أنكم لا ترجعون إلى حكمنا و الموضع الذي لا يملك الحكم فيه غيرنا «فتعالى الله الملك الحق» أي تعالى عما يصفه به الجهال من الشريك و الولد و قيل معناه تعالى الله من أن يفعل شيئا عبثا و الملك الحق الذي يحق له الملك بأنه ملك غير مملوك و كل ملك غيره فملكه مستعار و لأنه يملك جميع الأشياء من جميع الوجوه و كل ملك سواه يملك بعض الأشياء من بعض الوجوه و الحق هو الشيء الذي من اعتقد كان على ما اعتقده فالله هو الحق لأن من اعتقد أنه «لا إله إلا هو» فقد اعتقد الشيء على ما هو به «رب العرش الكريم» أي خالق السرير الحسن و الكريم في صفة الجماد بمعنى الحسن و قيل الكريم الكثير الخير وصف العرش به لكثرة ما فيه من الخير لمن حوله و لإتيان الخير من جهته و خص العرش بالذكر مع كونه سبحانه رب كل شيء تشريفا و تعظيما كقوله رب هذا البيت «و من يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به» أي لا حجة له فيما يدعيه يعني أن من صفته أنه لا حجة له به «فإنما حسابه عند ربه» معناه فإنما معرفة مقدار ما يستحقه من الجزاء عند ربه فيجازيه على قدر ما يستحقه و قيل معناه فإنما مكافاته عند الله تعالى و المكافاة و المحاسبة بمعنى «أنه لا يفلح الكافرون» أي لا يظفر و لا يسعد الجاحدون لنعم الله و المنكرون لتوحيده و الدافعون للبعث و النشور و لما حكى سبحانه أقوال الكفار أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتبري منهم و الانقطاع إليه سبحانه فقال «و قل» يا محمد «رب اغفر» الذنوب «و ارحم» و أنعم على خلقك «و أنت خير الراحمين» أي أفضل المنعمين و أكثرهم نعمة و أوسعهم فضلا.