وقد كان كفّ الله أيديكم عنهم وحتى لا تقع حرب إِذْ في زمان جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ، أي الكِبَر والأَنَفة حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فإن (الحميّة) مشتقة الحمى، وقد تُستعمل لحمية الشر، ولذا بيّنه سبحانهبأنها كانت حميّة الجاهلية، إذ الجاهل يحمي عن الباطل، وذلك لأنه بعد أن تقرر الصلح بين الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبين رسول المشركين (في الحديبية) قال الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعلي (عليه السلام) : "أكتُب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة ..." فقال سهل بن عمير رسول المشركين : "بل أكتب باسمك اللهم [وذلك لأنهم كانوا يكرهون إسم الرحمان لجهلهم] ولا تكتب رسول الله، لأنّا لو عرفناه رسولاً ما حاربناه ..." فأمر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يكتب كما قاله سهل، ولولا مسامحة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لاشتعلت نار الحرب، فَـ قد جعل رسول المشركين في قلبه حميّة الجاهلية لكن أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ سكونه عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فلم يصرّوا على كيفية كتابة الصلح وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى فجنحوا الى الخوف من الله في أن لا ينساقوا وراء الكِبر فتقع الحرب، ويُسحق المؤمنون المجهولون الذين كانوا بمكة، و"السكينة" هي (حلم الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلّم - والمؤمنون، في حال قدرتهم على الحرب) والمراد بالكلمة (الشعار) فإن المؤمنين جعلوا شعارهم التقوى، فكلما وقعت مشكلة، إلتفّوا حول هذا الشعار وَكَانُوا الرسول والمؤمنون أَحَقَّ بِهَا من المشركين، لأن المؤمن أحق بتجنيب المزالق من غير المؤمن وَ كانوا أَهْلَهَا أهل التقوى، من قبيل قولنا: أهل الرجل أحق باتباع الرجل وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا يعلم ما يفعله المؤمنون من جهة تقواهم، فيثيبهم عليه، كما يعلم ما يفعله الكفار من جهة حميّتهم فيعاقبهم عليه.