إن الكفار لا يؤمنون خوفا من ذهاب عزتهم الدنيوية ، حيث يطردهم المجتمع الكافر ، لكن اللازم أن لا يمنع الإنسان هذا عن الإيمان ، فإن العزة لله سبحانه ، وإذا أراد الإنسان ببقائه على الكفر ، أن تسمع له مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ ____________________________________ الكلمة ، ويقبل له العمل عند أصدقائه الكفار ، فإن الكلام الإسلامي ، والعمل الصالح ، يقبلان عند الله سبحانه ، الذي هو أعظم من مجتمع هؤلاء الكفار (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) الدنيوية ، بأن يكون عزيزا عند الناس ، نافذا الكلمة لديهم (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) أي فليطلبها من عند الله تعالى ، إذ جميع أنواع العزة له ، حتى أن العزة الموجودة لدى الكفار ، هي منحة الله لهم ، كما منحهم الرزق والحياة ، وسائر الخيرات للامتحان والاختبار (إِلَيْهِ) تعالى (يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) الكلم جمع كلمة ، والطيب صفة مشبهة ، أي أن الكلمات الطيبة ، من كلمة الإيمان والإرشاد والنصيحة وغيرها ، كلها تصعد إليه سبحانه ، نافذة لديه ، فإذا آمن الإنسان ، كان مسموع الكلمة لديه تعالى ، وهو خير من كونه مسموع الكلمة عند الكفار (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ) الذي هو الخير المأمور به في الشريعة كالصلاة والزكاة ، وصلة الرحم ، وبر الوالدين ، وغيرها (يَرْفَعُهُ) سبحانه إلى نفسه ، فمن يريد الكفر ، ليكون عمله مقبولا عند الكفار ، فإن من آمن ، رفع عمله إلى الله سبحانه خالق الكون ، وهل تقاس المقبولية ، عند الله بالمقبولية عند الناس؟ والمراد بالصعود والرفع الرتبي ، باعتبار رفعة الله سبحانه ، وسموه المعنوي ، أو المراد الخارجي ، فإن الأقوال والأعمال ترفع إلى السماء ، حيث محل الملائكة ، ومأوى أرواح الصالحين (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ) أي يدبرون دفّة الأعمال السيئة في خفية ، فإن المجرمين دائما يدبرون الاجرام والمعاصي في الليالي ، وفي بعد عن لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ ____________________________________ عيون الناس (لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ) في الآخرة (وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ) من «بار» إذا فسد ، أي أن مكرهم يفسد ، ولا ينفّذ ، فنهاية العمل والقول الصالحين ، الرفعة والعزة ، ونهاية عمل السيئات ومكرها لتحقيق العزة هي البوار والهلاك.