۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الأحزاب، آية ٥٤

التفسير يعرض الآية ٥٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٥٤

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

وبمناسبة ذكر الرسول ، وبعض أحكامه العائلية ، يأتي السياق ليبين بعض الأحكام الخاصة به ، وإن كان ذلك أدبا عاما بالنسبة إلى سائر __________________ (1) بحار الأنوار : ج 22 ص 238. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ ____________________________________ الناس (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) ولعل هذا كان بمناسبة دخول عيينة دار الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدون الاستئذان ، وعلى أي ، فدخول دار الرسول بحاجة إلى أن يأذن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكم (إِلى طَعامٍ) أي دخولا لطعام أضافكم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له (غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) يقال أنى الطعام يأني إذا بلغ النضج في الطبخ ، أي غير منتظرين نضجه وطبخه ، والمعنى لا تدخلوا بيت الرسول بغير إذن وقبل نضج الطعام انتظارا لنضجه ، فيطول لبثكم ومقامكم عنده (وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا) في وقت الدعوة ، لا قبل الوقت ، كأن يذهبوا من الصباح انتظارا لطعام الظهر (فَإِذا طَعِمْتُمْ) أي أكلتم الطعام (فَانْتَشِرُوا) أي اخرجوا وتفرقوا ، فلا تبقوا بعد الطعام في البيت اعتباطا (وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) عطف على (غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) أي في حال كونكم لا تبقون بعد الطعام تحدثون ليؤنس بعضكم بعضا بحديثه (إِنَّ ذلِكُمْ) إشارة إلى ما نهى عنه في هذه الآية ، من الدخول بغير استئذان ، أو الإسراع في الذهاب قبل نضج الطعام ، والجلوس بعد ذلك متحدثين ، و «كم» للخطاب (كانَ يُؤْذِي النَّبِيَ) لأن له أعمالا تنافي جلوسكم فيتأذى بجلوسكم ، كما يتأذى بدخولكم داره بدون الإذن (فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ) في أن يجابهكم بالإخراج ، أو الزجر والنهي (وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ____________________________________ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ) أي أنه سبحانه لا يترك إظهار الحق حياء ، نقل في المجمع في سبب نزول الآية : «أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنى بزينب بنت جحش وأولم عليها ، قال أنس : أو لم عليها بتمر وسويق ، وذبح شاتا ، وبعث إلى أمي أم سليم بحيس في تور من حجارة ، فأمرني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أن أدعوا أصحابه إلى الطعام ، فدعوتهم فجعل القوم يجيئون ويأكلون ويخرجون ، ثم يأتي القوم ، فيأكلون ويخرجون ، قلت : يا نبي الله قد دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه ، فقال ارفعوا طعامكم ، فرفعوا طعامهم ، وخرج القوم وبقي ثلاث نفر يتحدثون في البيت ، فأطالوا المكث ، فقام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقمت معه لكي يخرجوا ، فمشى حتى بلغ حجرة عائشة ، ثم ظن أنهم قد خرجوا ، فرجع ورجعت معه ، فإذا هم جلوس مكانهم ، فنزلت الآية» (1). أقول : وإن كانت الآية خاصة ، إلا أنها عامة المفاد ، إذ ما اشتملت عليه أدب رفيع ، بالنسبة إلى عدم الدخول بلا استئذان ، وعدم الدخول قبل الوقت ، وعدم المكث بعد الطعام ، ولذا قال بعض العلماء : هذا أدب أدّب الله به الثقلاء (وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَ) أي سألتم نساء النبي (مَتاعاً) أي شيئا تحتاجون إليه (فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) بأن يكون فاصلا بين الرجل ، وبين المرأة المسؤولة ، وهذه الآية تفيد وجوب الحجاب ، لعدم الخصوصية لنساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعدم الخصوصية في سؤال المتاع (ذلِكُمْ) أي السؤال من وراء الحجاب (أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَ) إذ الرؤية مثار الخواطر الشيطانية __________________ (1) مجمع البيان : ج 8 ص 173. وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً (53) إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (54) ____________________________________ والوساوس النفسية ، والمراد الطهارة من الريبة والشك والوسوسة (وَما كانَ لَكُمْ) ايها المسلمون (أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ) أي لا يحق لكم أذاه بمخالفته أوامره ، أو قصد سوء بالنسبة إلى نسائه بعد وفاته ، وهذا توطئة وتمهيد لقوله تعالى (وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ) أي زوجات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (مِنْ بَعْدِهِ) أي بعد وفاته (أَبَداً) إلى آخر العمر ، فلسن كسائر النساء ، إذا انقضت العدة جاز نكاحهن (إِنَّ ذلِكُمْ) أي الإيذاء ونكاح الأزواج بعد وفاته (كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً) في الإثم والعصيان ، فقد ورد أنه لما نزل قوله تعالى (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) (1) غضب طلحة ، فقال يحرم محمد علينا نساءه ، ويتزوج هو بنسائنا ، لئن أمات الله محمدا لنركضن ـ أي نتحركن ـ بين خلاخيل نسائه ، كما ركض بين خلاخيل نسائنا ، فأنزل الله عزوجل (وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ).