(وَإِذا) ركب الناس السفينة و (غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ) فإن الموج أحيانا يركب على السفينة ، كالظلة التي تلقى عليها ، فيدخل فيها قسم من ماء الموج ، وإنما جاء بالجمع في قوله «كالظلل» وهو جمع ظلة ، لأن للموج طبقات ، تعلو طبقة على طبقة (دَعَوُا اللهَ) أي الركاب ، في حال خوفهم من الموج أن يغرق السفينة بمن فيها ، في حال كونهم (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي قد أخلصوا له الطريقة ، بأن صار توجههم إليه وحده ، وانصرف المشركون من الراكبين عن آلهتهم (فَلَمَّا) ذهب الموج ، وأمنوا الخطر ، و (نَجَّاهُمْ) الله (إِلَى الْبَرِّ) بأن خرجوا من السفينة بسلام (فَمِنْهُمْ) أي بعض أولئك الراكبين (مُقْتَصِدٌ) ، أخذ طريق القصد والعدل ، فيبقى على إيمانه بالله (وَ) منهم راجع إلى كفره وشركه ، و (ما يَجْحَدُ بِآياتِنا) الدالة على وجودنا ، وسائر صفاتنا ، ومن تلك الآيات الإنجاء ، من أهوال البحر (إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ) كَفُورٍ (32) يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ ____________________________________ من ختر ، بمعنى غدر بالعهد (كَفُورٍ) لله سبحانه ، في المجمع : قيل إن هذا كان سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل ، وهو إخلاصهم الدعاء في البحر ، فقد روي السدّي عن مصعب بن سعد عن أبيه ، قال لما كان يوم فتح مكة أمّن رسول الله ، الناس ، إلا أربعة نفر ، قال : اقتلوهم ، وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة ، عكرمة بن أبي جهل ، وعبد الله بن أخطل ، وقيس بن صبابة ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ، فأما عكرمة ، فركب البحر ، فأصابته ريح عاصفة ، فقال أهل السفينة أخلصوا ، فإن آلهتكم ، لا تغني عنكم شيئا هاهنا ، فقال عكرمة : لئن لم ينجني في البحر ، إلا الإخلاص ، ما ينجيني في البر غيره؟ اللهم إن لك علي عهدا ، إن أنت عافيتني مما أنا فيه ، أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده ، فلأجدنه عفوا كريما ، فجاء فأسلم (1) ... وقد قبل النبي إسلامه ، ومن طريف الأمر إن الإنسان كلما وقع في مشكلة ، لا بد وأن يعرف ما ينجيه ، وما لا ينجيه ، ثم إذا ارتفعت المشكلة ، رجع إلى تقاليده البالية ، وما يفرضه العرف والاجتماع عليه.