۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النور، آية ٥٦

التفسير يعرض الآية ٥٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٥٦

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) أيها المسلمون (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) بأن صحّت عقيدتهم وعملهم ولعل الإتيان بلفظ «منكم» للتشريف بأن الوعد لهم ، وإلا فالوعد عام يشمل كل مؤمن عامل بالصالحات (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) أي يجعلهم خلفاء لمن سبقهم ، فيكونون سادة وملوكا عقب الكفار الذين ملكوا الأرض وسادوا البلاد (كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) كما جعل الله المؤمنين من الأمم السابقة خلفاء الكفار في سيادة البلاد ، كما استخلف بني إسرائيل مكان الملوك الكافرة ، وكما استخلف النصارى مكان اليهود ، فصاروا سادة ، وكذلك المسلمون إذا آمنوا إيمانا صحيحا وعملوا الصالحات يستخلفهم الله سبحانه في مكان الكفار ليكونوا هم ملوك الأرض وسادتها عوض الكفار ، وقد أنجز الله هذا الوعد ـ كما يدل على ذلك التاريخ الإسلامي ـ بل لقد رأينا أن من بركة أولئك المؤمنين العاملين للصالحات ، وصل ملك الأرض إلى من كان في زي الإسلام ، وإن كان الإسلام منه بمعزل. (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ) أي يمكنهم من إقامة دينهم الذي هو الإسلام ، أو المراد يمكن دينهم بأن يجعل له مكنة وقوة ليظهر على جميع الأديان ، ويغلب عليها ، فتذهب الأديان وتضمحل ويأخذ هذا الدين مكانها ، وارتضى لهم أي اختاره وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا ____________________________________ لهم دينا (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) فقد كانوا يخافون الكفار من إظهار دينهم وإعلام شعائره ، لكن الله سبحانه ـ إذا آمنوا صدقا ، وعملوا الصالحات ـ يجعلهم سادة حتى لا يخافون أحدا ، فيتبدل خوفهم بالأمن ، وهؤلاء (يَعْبُدُونَنِي) عبادة صادقة (لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) فالخضوع له سبحانه ، لا للمال والمنصب والشهوات وما أشبهها ، إن من يمكنه الله في الأرض هو المتصف بهذا الوصف (وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ) الذي مكنه الله سبحانه في الأرض ، بل خرج عن طاعة الله سبحانه بعد أن هيأ له الجو ومهد له البلاد (فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) أي الخارجون عن الحدود ، فإن الفسق بمعنى الخروج ، لأنهم خرجوا عن الشرط ، وكأنه تهديد بالزوال ، إذ من خرج عن الشرط هدد ملكه بالزوال ، وقد رأينا ذلك في تاريخ الإسلام حين كفر الملوك بنعمة الله ، وخرجوا عن أمره وشرطه ، حيث انساقوا وراء الشهوات ، وإذا بهم يخرجون عن الأرض ، وتطوى سيادتهم وملكهم ، وقد وردت أحاديث كثيرة في أن الآية إنما هي في شأن الإمام المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه ، وفي شأن شيعة أهل البيت ، ومن المعلوم أن ذلك من أظهر مصاديق هذه الكلية المذكورة في الآية.