۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النور، آية ٣٢

التفسير يعرض الآية ٣٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٣٢

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

(وَقُلْ) يا رسول الله (لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ) بأن لا يمدنها إلى ما لا يحل النظر (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ) بأن لا يتعاطين الزنا ، وما أشبه ، كالسحق وغيره (وَلا يُبْدِينَ) أي لا يظهرن عن عمد (زِينَتَهُنَ) المراد ، إما مواضع الزينة كالمعصم ، والأذن ، والرقبة ، والرجل ، أو الزينة نفسها ، وإذا صار اللفظ محتملا وجب الاجتناب عن الأمرين تحصيلا للبراءة عما علم إجمالا تحريمه (إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها) أي من الزينة ، والذي أراه ظاهرا من الآية ، أنه استثناء عن الإبداء ، يعني ، أن ما ظهر بغير اختيارهن ، ليس عليه بأس ، كما إذا هبت الريح فرفعت العباءة وأبدت الزينة (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَ) جمع خمار وهو ما تلف المرأة على رأسها خمارا ، لأنه يستر الرأس وما حولها ، فإن مادة «خمر» بمعنى الستر ، ومنه سمي «الخمر» خمرا ، لسترها العقل ، (عَلى جُيُوبِهِنَ) الجيب ، هو شق الثوب طرف الصدر ، وذلك لئلا يبدو الصدر من الشق ، أو المراد به ستر الوجه والصدر ، فإن سدل طرف الخمار إلى الصدر ، مستلزم لستر الوجه ، ويؤيد ذلك ما روي عن الإمام الباقر عليه‌السلام : أنه استقبل شاب وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ____________________________________ من الأنصار امرأة بالمدينة ، وكانت النساء يتقنعن خلف آذانهن ، فنظر إليها وهي مقبلة ، فلما جازت نظر إليها ، ودخل في زقاق قد سماه لبني فلان ، فجعل ينظر خلفها واعترض عظم في الحائط أو زجاجة فشق وجهه ، فلما مضت المرأة ، نظر ، فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره فقال : والله لآتين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولأخبرنه ، قال فأتاه ، فلما رآه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال له ما هذا؟ فأخبره ، فهبط جبرائيل بهذه الآية (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ) أي لا يظهرن الزينة (1) ، وقد كرر ذلك تأكيدا ، وفي الاستثناء دلالة على ما ذكرناه سابقا ، في معنى «إلا ما ظهر منها» إذ السياق الواحد (إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ) أي أزواجهن (أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَ) أي أب الزوج (أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَ) ويدخل في الآباء الأجداد ، وفي الأبناء الأحفاد (أَوْ إِخْوانِهِنَ) سواء كان أخا للأب أو للأم ، أو للأبوين (أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَ) فهن عمات لهم (أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَ) فهن خالات لهم (أَوْ نِسائِهِنَ) أي النساء المؤمنات ، أما أن يظهرن زينتهن لنساء اليهود والمجوس والنصارى وسائر الكفار ، فقد أفتى جماعة بعدم حله ، قال الصادق عليه‌السلام : لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين اليهودية والنصرانية ، فإنهن يصفن لأزواجهن (2) (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ) من النساء الكافرات ، فليس __________________ (1) الكافي : ج 5 ص 521. (2) الكافي : ج 5 ص 519. أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ____________________________________ بأس عليهن أن يظهرن زينتهن إلى تلك الإماء ، وإطلاق الآية بالنسبة إلى عبيد النساء مقيد بما ورد عن الصادق عليه‌السلام قال : لا يحل للمرأة أن ينظر عبدها إلى شيء من جسدها ، إلا إلى شعرها ، غير متعمد ذلك (1) ، أقول : يعني إذا وقعت عينه عليه ، والتخصيص بالشعر لأنه الذي يمكن أن يراه العبد غير متعمد ، أما سائر الجسد ففي الغالب كونه مستورا (أَوِ التَّابِعِينَ) أي المولّى عليهم من الحمقى والبله ومن أشبههما وقيل لهم تابعين ، لأنهم يتبعون غيرهم من الأولياء ، ثم بين ذلك بقوله (غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ) أي غير أصحاب الحاجة في النساء ، فإن «الإربة» بمعنى الحاجة (مِنَ الرِّجالِ) قال الباقر عليه‌السلام في تفسير الآية : هو الأحمق الذي لا يأتي النساء وقال الصادق عليه‌السلام : الأحمق المولّى عليه الذي لا يأتي النساء ، وإنما أبيح بالنسبة ، إليه ، لأنه لا يميز بين المرأة وغيرها ، فهو كالحيوان (2) (أَوِ الطِّفْلِ) والمراد به الجنس ، ولذا جاء صفته بصيغة الجمع (الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا) أي لم يطلعوا من الظهور بمعنى الاطلاع (عَلى عَوْراتِ النِّساءِ) لعدم تميزهم بين العورة وغيرها ، أما الطفل الذي قد ظهر فالمفهوم من الآية الحظر منه ، ولم يذكر في الآية الأعمام والأخوال للإنسان ، أو الأب أو الأم ، قيل لدخولهم في «الإخوان» فإنهم إخوان الأب والأم ، وقيل لفهم ذلك ـ عكسيا ـ من بني إخوانهن ، أو بني أخواتهن ، فإذا حل نظر الولد على عمته وخالته ، حل نظر العم __________________ (1) الكافي : ج 5 ص 531. (2) وسائل الشيعة : ج 20 ص 204. وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ____________________________________ والخال إلى بنت الأخت وبنت الأخ (وَلا يَضْرِبْنَ) النساء (بِأَرْجُلِهِنَ) على الأرض ضربا شديدا ليصوت الخلخال فيعلم أي يعلم الرجل الأجنبي (ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَ) فإن ذلك يورث تهيجا في الرجال ، وهل هذا حرام أو مكروه؟ احتمالان (وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ) فيما تفرطون من مخالفة المحرمات ، وبالأخص محرمات النظر ، فإنه كثير الحدوث (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي لكي تفوزوا بسعادة الدارين ..