۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الحج، آية ٦

التفسير يعرض الآية ٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

ثم استدل سبحانه على من ينكر البعث (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ) أي في شك (مِنَ الْبَعْثِ) يوم القيامة ، الذي يبعث ويحيى فيه الأموات ، لاستغرابك أن يعود الإنسان حيا بعد ما مات وفنى؟ فاعتبروا بحالكم عند ابتداء الخلقة ، إذ إنا (خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ) أي خلقنا كل فرد منكم من الأرض ، إذ الإنسان تراب ثم نبات يأكله ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ____________________________________ الإنسان والحيوان ـ الذي يأكله الإنسان ـ فيصير دما ثم منيا ، ثم إنسانا ، أو المراد ب «خلقناكم» خلقنا جدكم «آدم» عليه‌السلام ، ومن قدر على صنع الإنسان من تراب يقدر على إعادته من تراب (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) فإن الإنسان بعد أن يصبح منيا يكون نطفة ، وهي المني المستقر في الرحم (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) وهي القطعة من الدم المتجمد ، فإن النطفة تنقلب علقة بعد مدة من بقائها في الرحم (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ) وهي شبه قطعة ممضوغة من اللحم ، فإن معنى المضغة مقدار ما يمضغ بالأسنان. (مُخَلَّقَةٍ) تلك المضغة (وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) أي تام الخلقة وغير تام ، أو متخذة شكلا بتحولها إلى العظم واللحم والصورة ، أو تلفظها الرحم قبل ذلك فلا تتخذ خلقه الإنسان ، وبناء على هذا المعنى يكون معنى «خلقناكم» إن أصل الإنسان هكذا ، حتى يلائم «غير مخلقة» وإنما طورنا الإنسان في هذه المراحل (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) قدرتنا ، وندلكم على وجودنا وسائر صفاتنا ، فمن يا ترى يقدر على مرحلة واحدة من هذه المراحل؟ (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ) من ولد وبنت ، تام وغير تام ، واحد ومتعدد ، حسن أو قبيح ، وهكذا (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي مدة محدودة قد سميت عندنا ، فمقدار بقاء الجنين في الرحم محدود معين عند الله سبحانه (ثُمَ) بعد تمام الأجل المقدر (نُخْرِجُكُمْ) أيها البشر (طِفْلاً) ، وإنما جاء في اللفظ مفردا ، باعتبار كل واحد واحد (ثُمَ) نسير بكم في مراحل الطفولة (لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) أي وقت اشتداد القوى وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ ____________________________________ العقلية والبدنية والغريزية فيكم ، وهو مرحلة الشباب. (وَمِنْكُمْ) أي بعضكم (مَنْ يُتَوَفَّى) بصيغة المجهول ، والمتوفى ـ باسم الفاعل ـ هو الله سبحانه ، أي يكون موته قبل الكبر (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ) أي يرجع (إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) أي أسوء العمر ، وإنما قال «يرد» لأن حالة الشيخوخة كحالة الطفولة ، فهو رد إلى تلك ، وإنما كان حال الشيخوخة أسوأ العمر مع أنه كحالة الطفولة ، لأن حالة الطفولة أفضل منها حيث أن الطفل في حالة النمو والاكتمال ، بخلاف حالة الشيخوخة ، فإن الإنسان معها في التردي والهبوط ، وإنما يرد الإنسان إلى أرذل العمر (لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً) أي لكي يخرج عن ذلك العلم الذي أتاه ، فإن الإنسان ينسى معلوماته ويرتد جاهلا ـ أو شبه جاهل ـ واللام إما للعاقبة ، نحو (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) (1) وإما فيه تلميح إلى أنه يسلب ما كان يتطاول به ويجادل في الله بسببه ، أو لام الغاية ، أي يرد إلى هذا الحال ، فتضعف روحه كما ضعف جسمه ، أي نرده إلى هذه الحالة ، لكي لا يعلم ، ويصير كيوم طفولته. (وَ) كما جرت القدرة في خلق الإنسان بتلك الكيفية المتدرجة ، كذلك (تَرَى) أيها الرائي (الْأَرْضَ هامِدَةً) أي ساكنة يابسة ، لا حركة فيها ، ولا نبات ، (فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا) أي على الأرض (الْماءَ) من __________________ (1) القصص : 9. اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) ____________________________________ السماء بإنزال المطر ، أو نحوه (اهْتَزَّتْ) الأرض بالنبات ، والاهتزاز شدة الحركة في الجهات (وَرَبَتْ) أي انتفخت ونمت (وَأَنْبَتَتْ) الأرض (مِنْ كُلِّ زَوْجٍ) صنف من أصناف النبات (بَهِيجٍ) مبهج مونق ذو لون جميل ، والمراد بالاهتزاز ، اهتزاز الأرض ، فإن الأرض تتحرك فعلا وانفعالا بالنبات ، ويحتمل أن يكون مجازا يراد به ، اهتزاز النبات بعلاقة الحال والمحل ، وإن كان هذا بعيدا من السياق.