لكن الله سبحانه شاء أن يطلع عليهم الملك وحاشيته فقد جاء أحد ليخبر الملك «دقيانوس» بأنهم هربوا ، فأمر أن يسد عليهم باب الكهف ، ويدعوهم كما هم في الكهف ، ليكون قبرا لهم ، وقد كتب __________________ (1) الكهف : 76. وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ____________________________________ بعض العاملين في بناء الباب لوحا فيه أسماءهم ، وسائر خصوصياتهم ، ومضى زمان حتى أراد الله سبحانه ، إعلام أمرهم ، إذ هدم الحائط ، وتيقضوا ، وجاء أحدهم يشتري الطعام ، وإذا به يرى مدينة جديدة ، ولما أراد الاشتراء ، تخالف هو والبائع ، مما يوجب رفع أمرهما إلى الملك (وَكَذلِكَ) أي كما أنمناهم ، وأيقظناهم من نومهم ـ بتلك الكيفية العجيبة ـ (أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ) يقال : أعثر زيد على عمر الناس ، أي سبب اطلاعهم عليه ، يعني أعلمنا الناس بهم وبمكانهم ـ فقد كان الملك مؤمنا ـ فلما أخبر بالخبر جاء إلى الكهف ليحقق عن القضية (لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ) بالبعث والنشور (حَقٌ) فإنه لو لا بعث الله إياهم ، لم يكن من الطبيعي هذا النوم الطويل يتلوه البعث واليقظة (وَأَنَّ السَّاعَةَ) أي يوم القيامة الذي تبعث فيه الأموات (لا رَيْبَ فِيها) أي ليست مجالا للريب والشك ، لأن حالهم في نومهم وانتباههم كحال من يموت ثم يحيى ، ولما أن جاء الملك المؤمن وحاشيته ، ليعرفوا خبرهم ، تقدم ذلك الذي ذهب لاشتراء الطعام ، وأخبر إخوانه بخبر المدينة ، وأنهم قد ناموا سنين طوالا ، فلم يحب أصدقائه اطلاع الناس عليهم ، وأن يكونوا مشهورين في المدينة ، ولذا ناموا وطلبوا من الله سبحانه أن يميتهم ، وقبض الله أرواحهم في الساعة ـ استجابة لدعائهم ـ وهناك اختلف من في حاشية الملك حول كيفية البنيان (إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) أي كان العثور حال التنازع ، كما هو المعتاد أن يقع التنازع والاختلاف حول القضايا الخارقة ، فقال بعضهم : ابنوا عليهم بنيانا ، كما تبنى المقابر. وقال آخرون : بل ابنوا عليهم مسجدا فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (21) سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ ____________________________________ (فَقالُوا) أي قال جماعة من حضر (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً) أي ابنوا على فم الكهف بنيانا يسترهم عن الأنظار ، كما تبنى القبور (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) ولعل الاشتباه حول دينهم ، وأنهم هل يستحقون بناء المسجد حولهم ، أم لا؟ هو الذي أوجب أن يقول بعضهم ابنوا عليهم بنيانا فإن قوله «ربهم أعلم بهم» كاشف عن ذلك (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ) أي غلبوا على الآخرين ، في أمر البناء عليهم (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) محلا للعبادة والسجود ، وقد بنوا المسجد ، ولا زال المسجد إلى هذا اليوم موجودا في جبل مطل على دمشق ، يزوره القاصدون ، ويصلون فيه ، وهكذا يبقي الله سبحانه كل ما يرتبط به مثالا وعبرة بينما يذهب الطغاة مع الزمن ، فلا ترى لهم من باقية.