وإذ تقدم المثال بالعبيد والسادة في قوله (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا) يأتي السياق ليبين هذا المثل ، بوجه آخر فيقول سبحانه (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً) للمشركين في اتخاذهم الأصنام شركاء لله سبحانه وإنما بيّن هذا المثل ، ليقيسوا عليه أمر الألوهية ، فيدركوا خطأ جعلهم الشركاء ، فإن الإنسان ، ليعرف بالمثل ما لا يعرفه بالبراهين والأدلة (عَبْداً مَمْلُوكاً) عطف بيان على المثل (لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) مما يقدر عليه السادة من الأخذ والعطاء ، وسائر التصرفات ، وهنا تنبيه لا بد من الإشارة إليه ، وهو أنه إذا وقعت حرب بين المسلمين وغيرهم ـ والحرب لا تكون طبعا من جانب المسلمين تعديا ـ كما قرر في محله ، قرر الإسلام أخذ الأسرى ، ثم التفدية والاسترقاق ، فالاسترقاق ، إنما ينشأ من المتعدين في الحروب ، وهذا يبقى رقّا هو وعقبه ما لم يتحرر ـ والتحرر له ____________________________________ أسباب كثيرة ، اضطرارية أو اختيارية ، مما لا يبقى العقب رقا غالبا ـ وقد جعل الإسلام هذا النظام مراعاة لمصالح شتى ، منها أن لا يرهق كاهل الدولة بالمساجين ، ومنها أن يكون الأسراء موزعين حتى يذوب الكفر والباطل شيئا فشيئا ، ويتعلموا معالم الإسلام ، بطبيعة كونهم في بيوت المسلمين وتحت رقابتهم ومعاشرتهم ، ومنها أن لا يتجرأ الكفار على المحاربة والاعتداء لأن الناس مستعدون للسجن ، ولا يستعدون للاسترقاق ، ومنها توسعة البلاد ، واختلاط الأمم في بوتقة واحدة ، وتقدم الحياة ومنها غير ذلك ، .. وهذا النظام أفضل بكثير من نظام الدول في أسرى الحرب إيجابيا وسلبيا ، ثم الرق محترم معال ، من قبل مولاه ، وإذا صار في شدة أعتقه الإسلام من بيت المال ، كما قال سبحانه (وَفِي الرِّقابِ) (1) ومثل هذا النظام من أصح الأنظمة ، إلا أن الرقيق لما كان في الغرب كان بغير هذا الشكل ، بل بشكل مزري فظيع ـ في جميع موارده ومصادره ـ جاء «لنكولن» ليحرر العبيد وأخذ بعض المسلمين المنهزمين ـ امام التيار الغربي ـ هذا التحرر شيئا بديعا ، فجعلوا يرددونه من غير وعي وإدراك ، حتى أن جماعة من المتنورين ، قالوا إن الإسلام أراد تحرير العبيد تدريجيا ولكن الظروف لم تسمح له ، تمشيا مع خطة «إذابة الإسلام في بوتقة الغرب» كما صنعوا بأحكام كثيرة هذا العمل المشين ، ولذا كان من اللازم أن نقول : إن النظام الإسلامي في الرقيق ، وفي غيره ، باق على حاله ، ولم يتبدل من الإسلام شيء أبدا ومن يريد التبدل ، فهو بين جاهل بالأنظمة الإسلامية وفلسفتها وجمال أحكامها أو معاند ، ومن يفعل ذلك ، فقد أخذ معول __________________ (1) البقرة : 178. وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ ____________________________________ الهدم لجميع أحكام الإسلام ، إذ لو فتح هذا الباب في حكمه ، لكان منفتحا في كل حكم ، فما الفارق؟ (وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً) وهم السادة الذين رزقهم الله رزقا حسنا ، بلا وساطة سيد فإن الرزق كلما كان أقل واسطة كان أهنأ (فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً) لأنه مالك لا يخشى أحدا ، وليس عليه رقيب فيما يعطيه (هَلْ يَسْتَوُونَ) أولئك العبيد ، وهؤلاء السادة؟ وإنما أتى بصيغة الجمع لأن المراد ب «عبدا» و «من» الجنس؟ وإذا كان الجواب ، أنهما لا يتساويان قيل لهم : فكيف تساوون بين الله المالك ، وبين الأصنام المملوكة؟ فتعبدون كليهما على حد سواء ، وتجعلون للأصنام ، ما للإله من الألوهية والربوبية؟ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وحده لا شريك له ، وليس حمد لغيره فإنه الإله الواحد المستحق للحمد ، دون سواه ، (بَلْ أَكْثَرُهُمْ) وهم المشركون (لا يَعْلَمُونَ) هذه الحقيقة ، وهي أن الحمد له وحده ولا يستحق ما سواه الحمد.