۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النحل، آية ١١٣

التفسير يعرض الآية ١١٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١١٣

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

إن الكفار في الآخرة ، يجزون جزاء كفرهم ، فهل الدنيا تمر عليهم بسلام؟ كلا! فإن الله سبحانه ، جعل الكون ، وقرر فيه مناهج ، ثم أرشد إلى تلك المناهج على لسان الأنبياء ، فمن أطاع سعد ، إذ هو يمشي على المنهاج الكوني فلا يصطدم ، ومن عصى اصطدم بالمنهاج وصارت عاقبته الدمار ، كمن يخالف أمر الطبيب فإنه يشتد به المرض حتى يهلك ، وقد سبق أن ضرب الله سبحانه مثلين للشركاء ، وهنا مثل ثالث للبلدة التي تطغى وتخالف أمر ربها (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً) لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة ، فكفروا بها ، فأنزل الله بهم نقمته (قَرْيَةً) أي مدينة ، فإن القرية تطلق على المدينة ، كما قال : (وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ) (1) (مِنْ قَرْيَتِكَ) (2) (كانَتْ) تلك القرية (آمِنَةً) يعيش أهلها في أمن (مُطْمَئِنَّةً) من جهة معيشتها ، فهي ساكنة هادئة لا يحتاج أهلها إلى التحول والانتقال (يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً) أي واسعا (مِنْ كُلِّ مَكانٍ) فإن القرية ، إذا سكنت وهدأت حسن زرعها وتجارتها ، فالأرزاق تأتيها من أطرافها القريبة والبعيدة ، (فَكَفَرَتْ) أي تلك __________________ (1) الكهف : 60. (2) محمد : 14. بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ____________________________________ القرية ، والمراد أهلها بعلاقة الحال والمحل (بِأَنْعُمِ اللهِ) فلم يؤدوا شكرها ، فإن شكر النعم الإطاعة والإيمان ، فإذا كفروا وعصوا كان كفرانا للنعمة (فَأَذاقَهَا اللهُ) أي أذاق سبحانه تلك القرية (لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) أي أخذهم بالجوع ، فذهب رزقهم ، وبالخوف فذهب أمنهم (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) أي بسبب صنيعهم الكفر والطغيان ، وقد كان التعبير باللباس بليغا جدا حيث دل على أن الخوف والجوع شمل جميع البدن ، لا البطن والقلب فقط ، للدلالة على كثرة الأمرين ، فإن الإنسان إذا جاع كثيرا ظهر الهزال في جميع جسده ، وإذا خاف كثيرا ظهر أثر الخوف الذي هو الانكماش للجلد ، والاصفرار على جميع البدن ، وقد قال سبحانه «أذاقها» فليس مجرد إمساس ، بل ذوق ، فإنه أعمق تأثيرا عن الإمساس ، ولقد كان هذا المثل منطبقا على مكة تماما ، حيث كفر أهلها بعد ذلك الأمن والرفاه.