۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة إبراهيم، آية ٢

التفسير يعرض الآية ٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ ٢

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

ولما ختم الله سبحانه سورة الرعد بإثبات الرسالة وإنزال الكتاب افتتح هذه السورة ببيان الغرض في الرسالة والكتاب فقال (الر) الف ، ولام ، وراء ، أي من هذا الجنس (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ) وهو القرآن الكريم ، والإنزال إن كان من السماء ـ كما هو الظاهر من الآيات والروايات ـ كان اللفظ حقيقة ، وإن كان بالإلقاء في القلب وما أشبه كان الإنزال مجازا ، تشبيها بالعلو الحقيقي للمنزل ، بالعلو الخارجي ، يقال : تلقيت الأمر من الأعلى ، ويراد أعلى درجة ورتبة لا أعلى مكانا ، (لِتُخْرِجَ) يا رسول الله (النَّاسَ) جميع الخلق ، وعدم خروج بعضهم لعدم بلوغه الدعوة أو عناده لا ينافي كون الغرض من الإنزال ذلك (مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) فإن الإنسان المنحرف العقيدة والمنهج في ظلمة ، فكما أن من في الظلمة الخارجية لا يبصر مكان قدمه ولا يبصر ما حوله من الحقائق الخارجية ، كذلك من في الظلمة العقيدية والمنهجية ، لا يرى الحق بالنسبة إلى العقائد ، فأي فرق بين من لا يبصر بعينه الكتاب الموضوع في الرف ، وبين من لا يرى بقلبه للكون خالقا ، أو لا يرى كيف يعامل بربا أو بدون ربا ، بل الظلمة الظاهرية أهون ، فإن الأعمى أكثر ما يخشى عليه التردي ، والذي في ظلمة الكفر ، في تعاسة الحياة كلها ، وسوء المنقلب ـ قطعا ـ (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) فإن الله سبحانه أذن إخراج الناس من الظلمة إلى النور ، لمّا أوحى إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتبليغ ، والتعبير ب «الإذن» دون «الأمر» لعله للمقابلة مع ما كان ينسبه الكفار إلى الله من الخرافات في العقيدة إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (2) ____________________________________ والعمل ، فتلك لم يأذن بها الله ، كما قال : (آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) (1)؟ وهذا أذن به الله ، ويحتمل أن يكون المراد أن الرسول لا يقدر إلا على البلاغ ، أما إخراج الناس إخراجا خارجيا ، بأن يطاوعه الناس في الخروج من الظلمات ، إلى النور فإن ذلك ليس في مقدور الرسول وإنما هو بإذن الله ، وفق سنته التي سنها في الكون ، التي هي أن من أعطى القلب وهو شهيد مريد للحق ، دخل في قلبه هذا النور ، ومن ألقى السمع ، وليس بشهيد لا يدخل في قلبه هذا النور (إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) هذا بدل من قوله «إلى النور» فالنور هو صراط الله سبحانه «العزيز» مالك العزة والقوة والقدرة والإرادة «الحميدة» الذي يحمل العارفون لما له من الإنعام والإفضال ، فهم إنما يخرجون من صراط الذلة والجدب إلى صراط العزة والحمد ، فمن كفر فليعلم أن الله عزيز قاهر ، ومن شكر فليعلم أن الله متفضل حميد.