بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ لا أُقْسِمُ بهَذَا الْبَلَدِ (1) وَ أَنت حِلّ بهَذَا الْبَلَدِ (2) وَ وَالِدٍ وَ مَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الانسنَ فى كَبَدٍ (4) أَ يحْسب أَن لّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْت مَالاً لّبَداً (6) أَ يحْسب أَن لّمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَ لَمْ نجْعَل لّهُ عَيْنَينِ (8) وَ لِساناً وَ شفَتَينِ (9) وَ هَدَيْنَهُ النّجْدَيْنِ (10) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَ مَا أَدْرَاك مَا الْعَقَبَةُ (12) فَك رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطعَمٌ فى يَوْمٍ ذِى مَسغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسكِيناً ذَا مَترَبَةٍ (16) ثُمّ كانَ مِنَ الّذِينَ ءَامَنُوا وَ تَوَاصوْا بِالصبرِ وَ تَوَاصوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئك أَصحَب المَْيْمَنَةِ (18) وَ الّذِينَ كَفَرُوا بِئَايَتِنَا هُمْ أَصحَب الْمَشئَمَةِ (19) عَلَيهِمْ نَارٌ مّؤْصدَةُ (20)
القراءة
قرأ أبو جعفر لبدا بالتشديد و الباقون بالتخفيف و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و الكسائي فك رقبة أو أطعم و الباقون «فك رقبة» بالرفع و الإضافة «أو إطعام» بالتنوين و قرأ أبو عمرو و أهل الكوفة غير عاصم مؤصدة بالهمزة و الباقون بغير همزة و يعقوب مختلف عنه و في الشواذ قراءة الحسن في يوم ذا مسغبة.
الحجة
لبد يجوز أن يكون واحدا على وزن زمل و جبا و يجوز أن يكون جمعا فيكون جمع لأبد و أما قوله «فك رقبة أو إطعام» فقد قال أبو علي: المعنى فيه و ما أدراك ما اقتحام العقبة فك رقبة أو إطعام أي اقتحامها أحد هذين أو هذا الضرب من فعل القرب فلو لم تقدره و تركت الكلام على ظاهره كان المعنى العقبة فك رقبة و لا تكون العقبة الفك لأنه عين و الفك حدث و الخبر ينبغي أن يكون المبتدأ في المعنى و مثل هذا قوله «و ما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة» أي الحطمة نار الله و مثله «و ما أدراك ما هيه نار حامية» و كذلك قوله «و ما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث» و المعنى القارعة يوم يكون الناس لأن القارعة مصدر فيكون اسم الزمان خبرا عنه فهذه الجمل من الابتداء و الخبر تفسير لهذه الأشياء المتقدم ذكرها من اقتحام العقبة و الحطمة و القارعة كما أن قوله تعالى «لهم مغفرة و أجر عظيم» تفسير للوعد و قوله «فلا اقتحم العقبة» معناه فلم يقتحم و إذا كانت لا بمعنى لم لم يلزم تكريرها كما لا يلزم التكرير مع لم فإن تكررت في موضع نحو فلا صدق و لا صلى فهو كتكرير لم في قوله لم يسرفوا و لم يقتروا و قوله «ثم كان من الذين آمنوا» أي كان مقتحم العقبة و فكاك الرقبة من الذين آمنوا فإنه إذا لم يكن منهم لم ينفعه قربه و جاز وصف
اليوم بقوله «ذي مسغبة» كما جاز أن يقال ليله نائم و نهاره صائم و نحو ذلك و من قرأ فك رقبة أو أطعم فإنه يجوز أن يكون ما ذكر من الفعل تفسيرا لاقتحام العقبة فإن قلت إن هذا الضرب لم يفسر بالفعل و إنما فسر بالابتداء و الخبر كقوله «نار الله الموقدة» و قوله «نار حامية» فهلا رجحت القراءة الأخرى قيل إنه قد يمكن أن يكون كذبت ثمود و عاد بالقارعة تفسيرا لقوله و ما أدراك ما القارعة على المعنى و قد جاء إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم و فسر المثل بقوله خلقه من تراب و زعموا أن أبا عمرو احتج بقوله «ثم كان من الذين آمنوا» لقراءة فك رقبة كأنه لما كان فعلا وجب أن يكون المعطوف عليه مثله و قد يجوز أن يكون ذلك كالقطع من الأول و الاستئناف كأنه أعلم أن فكاك الرقبة من الرق بأن كان من الذين آمنوا لأنه بالإيمان يحرز ثواب ذلك و يحوزه فإذا لم ينضم الإيمان إلى فعل القرب التي تقدم ذكرها لم ينفع ذلك و التقدير ثم كونه من الذين آمنوا فجاء هذا مجيء قوله سبحانه كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم و شهدوا يريد و إن شهدوا.
و أوصدت الباب و أصدته لغتان فمن لم يهمز موصدة احتمل أمرين ( أحدهما ) أن يكون على لغة من قال أوصدت ( و الوجه الآخر ) أن يكون من آصدت ثم خففت الهمزة فقلبت واوا كما جاء في جونة و تووي و من همز مؤصدة فهو من أصدت و أبو عمرو يترك الهمزة الساكنة و يبدلها واوا إذا انضم ما قبلها نحو يؤمنون و مؤمنين و يبدلها ألفا إذا انفتح ما قبلها ياء إذا انكسر ما قبلها و لا يبدلها في نحو قوله «مؤصدة» بل يهمزها لأن مؤصدة بالهمز هي لغة من قال آصدت الباب و الباب مؤصدة و أبو عمرو على هذه اللغة فلا يترك الهمز إذا احتاج أن يترك لغته و ينتقل عنها إلى لغة أخرى و كذلك لا يترك الهمز في قوله تؤوي إليك لأنه لو أبدلها واوا و بعدها واو اجتمع واوان و اجتماعهما أثقل من الهمزة و كذلك إذا كان الفعل مجزوما و لامها همزة بقاها على حالها و لا يبدلها بتة نحو قوله إن تمسسكم حسنة تسؤهم لأنه لو أبدلها واوا وجب حذفها بالجزم كما تقول في يغزو لم يغز كذلك إن يشأ يذهبكم لا يبدلها ألفا لهذا المعنى أيضا و كذلك قوله أثاثا و رئيا لا يقلبها ياء لأنه يشتبه بالري من روي من الماء فهذه أربعة أحوال لا يترك الهمز فيها إذا احتاج إلى ترك لغته و أن ينتقل إلى لغة أخرى و إذا كان الهمز في موضع الجزم و إذا اشتبه المعنى في الكلمة بكلمة أخرى و إذا كان ترك الهمز يؤدي إلى اجتماع الواوين فافهم ذلك و من قرأ ذا مسغبة جعله مفعول إطعام و يتيما بدل منه و يجوز أن يكون يتيما وصفا لذا مسغبة كقولك رأيت كريما عاقلا و جاز وصف الصفة الذي هو كريم لأنه لما لم يجر على الاسم الموصوف أشبه الاسم.
اللغة
الحل الحال و هو الساكن و الحل الحلال و رجل حل و حلال أي محل و الكبد
في اللغة شدة الأمر و منه تكبد اللبن إذا غلظ و اشتد و منه الكبد لأنه دم يغلظ و يشتد و تكبد الدم إذا صار كالكبد قال لبيد:
{عين هلا بكيت أربد إذ --- قمنا و قام الخصوم في كبد}
و اللبد الكثير مأخوذ من تلبد الشيء إذا تراكب بعضه على بعض و منه اللبد يقال ما له سبد و لا لبد و أصل النجد العلو و سمي نجد نجدا لعلوه عن انخفاض تهامة و كل عال من الأرض نجد و الجمع نجود قال امرؤ القيس:
{غداة غدوا فسألك بطن نخلة --- وآخر منهم جازع نجد}
كبكب أراد طريقه في ارتفاع و كبكب جبل و في المثل ( أنجد من رأى حضنا ) و رجل نجد بين النجدة إذا كان جلدا قويا لاستعلائه على قرنه و استنجدت فلانا فأنجدني أي استعنته للاستعلاء على قرني فأعانني و شبه طريق الخير و الشر بالطريقين العاليين لظهور ما فيهما و الاقتحام الدخول على الشدة بالضيق يقال اقتحم و تقحم و أقحمه و قحمه غيره و العقبة الطريقة التي ترتقي على صعوبة و يحتاج فيها إلى معاقبة الشدة بالضيق و المخاطرة و قيل العقبة الثنية الضيقة في رأس الجبل يتعاقبها الناس فشبهت النفقة في وجوه البر بها و عاقب الرجل صاحبه إذا صار في موضعه بدلا منه و الفك فرق يزيد المنع و يمكن معه أمر لم يكن متمكنا كفك القيد و الغل لأنه يزول به المنع و يمكن به تصرف لم يمكن قبل ففك الرقبة فرق بينها و بين حال الرق بإيجاب الحرية و إبطال العبودية و المسغبة المجاعة سغب يسغب سغبا فهو ساغب إذا جاع قال جرير:
{تعلل و هي ساغبة بنيها --- بأنفاس من الشبم القراح}
و المقربة القرابة و لا يقال فلان قرابتي و إنما يقال ذو قرابتي لأنه مصدر كما قال الشاعر:
{يبكي الغريب عليه ليس يعرفه --- وذو قرابته في الحي مسرور}
و المتربة الحاجة الشديدة من قولهم ترب الرجل إذا افتقر.
###
المعنى
«لا أقسم بهذا البلد» أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام و هو مكة و قد تقدم بيان قوله «لا أقسم» في سورة القيامة «و أنت حل بهذا البلد» أي و أنت يا محمد مقيم به و هو محلك و هذا تنبيه على شرف البلد بشرف من حل به من الرسول الداعي إلى توحيده و إخلاص عبادته و بيان أن تعظيمه له و قسمه به لأجله (صلى الله عليه وآله وسلم) و لكونه حالا فيه كما سميت المدينة طيبة لأنها طابت به حيا و ميتا و قيل معناه و أنت محل بهذا البلد و هو ضد المحرم و المراد و أنت حلال لك قتل من رأيت به من الكفار و ذلك حين أمر بالقتال يوم فتح مكة فأحلها الله له (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى قاتل و قتل و قد قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يحل لأحد قبلي و لا يحل لأحد من بعدي و لم يحل لي إلا ساعة من نهار عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و عطاء و هذا وعد من الله لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحل له مكة حتى يقاتل فيها و يفتحها على يده و يكون بها حلا يصنع بها ما يريد القتل و الأسر و قد فعل سبحانه ذلك فدخلها غلبة و كرها و قتل ابن أخطل و هو متعلق بأستار الكعبة و مقيس بن سبابة و غيرهما و قيل معناه لا أقسم بهذا البلد و أنت حل فيه منتهك الحرمة مستباح العرض لا تحترم فلم يبن للبلد حرمة حيث هتكت حرمتك عن أبي مسلم و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كانت قريش تعظم البلد و تستحل محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه فقال «لا أقسم بهذا البلد و أنت حل بهذا البلد» يريد أنهم استحلوك فيه فكذبوك و شتموك و كانوا لا يأخذ الرجل منهم فيه قاتل أبيه و يتقلدون لحاء شجر الحرم فيأمنون بتقليدهم إياه فاستحلوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما لم يستحلوا من غيره فعاب الله ذلك عليهم ثم عطف على القسم فقال «و والد و ما ولد» يعني آدم (عليه السلام) و ذريته عن الحسن و مجاهد و قتادة و ذلك أنهم خليقة أعجب من هذه الخليقة و هم عمار الدنيا و قيل آدم و ما ولد من الأنبياء و الأوصياء و أتباعهم عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل يريد إبراهيم (عليه السلام) و ولده عن ابن أبي عمران الجوني لما أقسم بالبلد أقسم بإبراهيم فإنه بانيه و بأولاده العرب إذ هم المخصصون بالبلد و قيل يعني كل والد و ولده عن ابن عباس و الجبائي و قيل و والد من يولد له و ما ولد يعني العاقر عن ابن جبير فيكون ما نفيا و هو بعيد لأنه يكون تقديره و ما ما ولد فحذف ما الأولى التي تكون موصولة أو موصوفة «لقد خلقنا الإنسان في كبد» أي في نصب و شدة عن ابن عباس و سعيد بن جبير و الحسن قال يكابد مصائب الدنيا و شدائد الآخرة و قال ابن آدم لا يزال يكابد أمرا حتى يفارق الدنيا و قيل في شدة خلق من حمله و ولادته و رضاعه و فطامه و معاشه و حياته و موته ثم أنه سبحانه لم
يخلق خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم و هو أضعف الخلق و قيل في كبد أي قائما على قدميه منتصبا و كل شيء خلق فإنه يمسي مكبا إلا الإنسان فإنه خلق منتصبا فالكبد الاستواء و الاستقامة و هو رواية مقسم عن ابن عباس و هو قول مجاهد و أبي صالح و عكرمة و قيل يريد شدة الأمر و النهي أي خلقناه ليعبدنا بالعبادات الشاقة مثل الاغتسال من الجنابة في البرد و القيام إلى الصلاة من النوم فينبغي له أن يعلم أن الدنيا دار كبد و مشقة و الجنة دار الراحة و النعمة «أ يحسب أن لن يقدر عليه أحد» معناه أ يظن هذا الإنسان أنه لن يقدر على عقابه أحد إذا عصى الله تعالى و ركب القبائح فبئس الظن ذلك و هذا استفهام إنكار أي لا يظنن ذلك و قيل معناه أ يحسب هذا المغتر بماله أن لا يقدر عليه أحد يأخذ ماله عن الحسن و قيل أ يحسب أن لا يسأل عن هذا المال من أين اكتسبه و في ما ذا أنفقه عن قتادة و قيل أنه يعني أبا الأسد بن كلدة و هو رجل من جمح كان قويا شديد الخلق بحيث يجلس على أديم عكاظي فتجره العشرة من تحته فينقطع و لا يبرح من مكانه عن الكلبي ثم أخبر سبحانه عن مقالة هذا الإنسان فقال «يقول أهلكت مالا لبدا» أي أنفقت مالا كثيرا في عداوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يفتخر بذلك و قيل هو الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف و ذلك أنه أذنب ذنبا فاستفتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمره أن يكفر فقال لقد ذهب مالي في الكفارات و النفقات منذ دخلت في دين محمد عن مقاتل «أ يحسب أن لم يره أحد» فيطالبه من أين اكتسبه و في ما ذا أنفقه عن قتادة و سعيد بن جبير و روي عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لا تزول قدما العبد حتى يسأل عن أربعة عن عمره فيما أفناه و عن ماله من أين جمعه و فيما ذا أنفقه و عن عمله ما ذا عمل به و عن حبنا أهل البيت و قيل أنه كان كاذبا لم ينفق ما قاله فقال الله سبحانه أ يظن أن الله تعالى لم ير ذلك فعل أو لم يفعل أنفق أو لم ينفق عن الكلبي ثم ذكر سبحانه النعم التي أنعم بها عليه ليستدل بها على توحيده فقال «أ لم نجعل له عينين» ليبصر بهما آثار حكمته «و لسانا و شفتين» لينطق بهما فيبين باللسان و يستعين بالشفتين على البيان قال قتادة: نعم الله عليك متظاهرة فقررك بها كيما تشكر و روى عبد الحميد المدائني عن أبي حازم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إن الله تعالى يقول يا ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق و إن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق و إن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق «و هديناه النجدين» أي سبيل الخير و سبيل الشر عن علي (عليه السلام) و ابن مسعود و ابن عباس و الحسن و مجاهد و قتادة و قيل معناه أرشدناه للثديين عن سعيد بن المسيب و الضحاك و في رواية أخرى عن ابن عباس روي أنه قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام) أن ناسا يقولون في قوله «و هديناه
النجدين» أنهما الثديان فقال لا هما الخير و الشر و قال الحسن بلغني أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال يا أيها الناس هما نجدان نجد الخير و نجد الشر فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير و لو قيل كيف يكون نجد الشر مرتفعا كنجد الخير و معلوم أنه لا رفعة في الشر و الجواب أن الطريقين جميعا ظاهران باديان للمكلفين فسمى سبحانه كلاهما نجدا لظهوره و بروزه و يجوز أن يكون سمي طريق الشر نجدا من حيث يحصل في اجتناب سلوكه الرفعة و الشرف كما يحصل ذلك في طريق الخير و قيل أيضا أنه على عادة العرب في تثنية الأمرين إذا اتفقا على بعض الوجوه فيجري لفظ أحدهما على الآخر كقولهم القمرين في الشمس و القمر قال الفرزدق:
{أخذنا بآفاق السماء عليكم --- لنا قمراها و النجوم الطوالع}
و نظائره كثيرة «فلا اقتحم العقبة» فيه أقوال ( أحدها ) أن المعنى فلم يقتحم هذا الإنسان العقبة و لا جاوزها و أكثر ما يستعمل هذا الوجه بتكرير لفظة لا كما قال سبحانه فلا صدق و لا صلى أي لم يصدق و لم يصل و كما قال الحطيئة:
{وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها --- وإن أنعموا لا كدروها و لا كدوا}
وقد جاء من غير تكرار في نحو قوله:
{إن تغفر اللهم تغفر جما --- وأي عبد لك لا ألما}
أي لم يلم بذنب ( و الآخر ) أن يكون على وجه الدعاء عليه بأن لا يقتحم العقبة كما يقال لا غفر الله له و لا نجا و لا سلم و المعنى لا نجا من العقبة و لا جاوزها ( و الثالث ) أن المعنى فهلا اقتحم العقبة أو أ فلا اقتحم العقبة عن ابن زيد و الجبائي و أبي مسلم قالوا و يدل على ذلك قوله تعالى «ثم كان من الذين آمنوا و تواصوا بالصبر و تواصوا بالمرحمة» و لو كان أراد النفي لم يتصل الكلام قال المرتضى قدس الله روحه: هذا الوجه ضعيف جدا لأن الكلام خال من لفظ الاستفهام و قبيح حذف حرف الاستفهام في مثل هذا الموضع و قد عيب على عمر بن أبي ربيعة قوله:
{ثم قالوا تحبها قلت بهرا --- عدد الرمل و الحصى و التراب}
و أما قولهم لو أريد النفي لم يتصل الكلام فليس بشيء لأن المعنى فلا اقتحم العقبة ثم كان من الذين آمنوا أي لم يقتحم و لم يؤمن و أما المراد بالعقبة ففيه وجوه ( أحدها ) أنه مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس و الهوى و الشيطان في أعمال الخير و البر فجعل ذلك كتكليف صعود العقبة الشاقة الكؤود فكأنه قال لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة و الإطعام و هو قوله «و ما أدراك ما العقبة» أي ما اقتحام العقبة ثم ذكره فقال «فك رقبة» و هو تخليصها من إسار الرق إلى آخره ( و ثانيها ) أنها عقبة حقيقة قال الحسن و قتادة: هي عقبة شديدة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة الله عز و جل و روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال إن أمامكم عقبة كؤودا لا يجوزها المثقلون و أنا أريد أن أخفف عنكم لتلك العقبة و عن ابن عباس أنه قال: هي النار نفسها و روي عنه أيضا أنها عقبة في النار ( و ثالثها ) ما روي عن مجاهد و الضحاك و الكلبي أنها الصراط يضرب على جهنم كحد السيف مسيرة ثلاثة آلاف سهلا و صعودا و هبوطا و إن في جنبيه كلاليب و خطاطيف كأنها شوك السعدان فمن بين مسلم و ناج و مخدوش في النار منكوس فمن الناس من يمر عليه كالبرق الخاطف و منهم من يمر عليه كالريح العاصف و منهم من يمر عليه كالفارس و منهم من يمر عليه كالرجل يعدو و منهم من يمر عليه كالرجل يسير و منهم من يزحف زحفا و منهم الزالون و الزالات و منهم من يكردس في النار و اقتحامه على المؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء و قال سفيان بن عيينة: كل شيء قاله سبحانه «و ما أدراك» فإنه أخبره به و كل شيء قال فيه «و ما يدريك» فإنه لم يخبره به و روي مرفوعا عن البراء بن عازب قال جاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة قال إن كنت أقصرت الخطبة لقد عرضت المسألة أعتق النسمة و فك الرقبة فقال أ و ليسا واحدا قال لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها و فك الرقبة أن تعين في ثمنها و الفيء على ذي الرحم الظالم فإن لم يكن ذلك فأطعم الجائع و اسق الظمآن و ائمر بالمعروف و أنه عن المنكر فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير و قيل أن معنى فك رقبة أن يفك رقبة من الذنوب بالتوبة عن عكرمة و قيل أراد فك نفسه من العقاب بتحمل الطاعات عن الجبائي «أو إطعام في يوم ذي مسغبة» أي ذي مجاعة قال ابن عباس: يريد بالمسغبة الجوع و في الحديث عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أشبع جائعا في يوم سغب أدخله الله يوم القيامة من باب من أبواب الجنة لا يدخلها إلا من فعل مثل ما فعل و عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من موجبات المغفرة إطعام المسلم
###
السغبان و روي عن محمد بن عمر بن يزيد قال قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) أن لي ابنا شديد العلة قال مرة يتصدق بالقبضة من الطعام بعد القبضة فإن الله تعالى يقول فلا اقتحم العقبة و قرأ الآيات «يتيما ذا مقربة» أي ذا قربى من قرابة النسب و الرحم و هذا حث على تقديم ذوي القرابة المحتاجين على الأجانب في الإطعام و الإنعام «أو مسكينا» أي فقيرا «ذا متربة» قد لصق بالتراب من شدة فقره و ضره و روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: هو المطروح في التراب لا يقيه شيء و هذا مثل قولهم فقير مدقع مأخوذ من الدقعاء و هو التراب ثم بين سبحانه أن هذه القربة إنما تنفع مع الإيمان فقال «ثم كان من الذين آمنوا» أي ثم كان مع هذا من جملة المؤمنين الذين استقاموا على إيمانهم «و تواصوا بالصبر» على فرائض الله و الصبر عن معصية الله أي وصى بعضهم بعضا بذلك «و تواصوا بالمرحمة» أي و أوصى بعضهم بعضا بالمرحمة على أهل الفقر و ذوي المسكنة و الفاقة و قيل تواصوا بالمرحمة فيما بينهم فرحموا الناس كلهم «أولئك أصحاب الميمنة» يؤخذ بهم ناحية اليمين و يأخذون كتبهم بأيمانهم عن الجبائي و قيل هم أصحاب اليمن و البركة على أنفسهم عن الحسن و أبي مسلم «و الذين كفروا بآياتنا» أي بحججنا و دلالاتنا و كذبوا أنبياءنا «هم أصحاب المشأمة» أي يأخذون كتبهم بشمالهم و يؤخذ بهم ذات الشمال و قيل أنهم أصحاب الشؤم على أنفسهم «عليهم نار مؤصدة» أي مطبقة عن ابن عباس و مجاهد و قيل يعني أن أبوابها عليهم مطبقة فلا يفتح لهم باب و لا يخرج عنها غم و لا يدخل فيها روح آخر الأبد عن مقاتل.
النظم
وجه اتصال قوله سبحانه «أ لم نجعل له عينين» بما قبله أن المعنى كيف يحسب هذا الإنسان أن الله سبحانه لا يراه و هو الذي خلقه و جعل له عينين و كذا و كذا و قيل أنه اتصل بقوله «لقد خلقنا الإنسان في كبد» أي اختبرناه حيث كلفناه ثم أزحنا علته بأن جعلنا له عينين و قيل أنه يتصل بقوله «أ يحسب أن لن يقدر عليه أحد» و المعنى كيف يظن ذلك و قد خلقناه و خلقنا أعضاءه التي يبصر الدلائل بها و يتكلم بها.