۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الفجر، آية ١٠

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٣٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلۡفَجۡرِ ١ وَلَيَالٍ عَشۡرٖ ٢ وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ ٣ وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ ٤ هَلۡ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِي حِجۡرٍ ٥ أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ٧ ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ٩ وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ١٠ ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١١ فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ ١٤ فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ ١٥ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ ١٦ كـَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ ١٧ وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ١٨ وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا ١٩ وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا ٢٠ كـَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا ٢١ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا ٢٢ وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ ٢٣ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي ٢٤ فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٥ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٦ يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ ٢٧ ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ ٢٨ فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي ٢٩ وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي ٣٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَ الْفَجْرِ (1) وَ لَيَالٍ عَشرٍ (2) وَ الشفْع وَ الْوَتْرِ (3) وَ الّيْلِ إِذَا يَسرِ (4) هَلْ فى ذَلِك قَسمٌ لِّذِى حِجْرٍ (5) أَ لَمْ تَرَ كَيْف فَعَلَ رَبّك بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الّتى لَمْ يخْلَقْ مِثْلُهَا فى الْبِلَدِ (8) وَ ثَمُودَ الّذِينَ جَابُوا الصخْرَ بِالْوَادِ (9) وَ فِرْعَوْنَ ذِى الأَوْتَادِ (10) الّذِينَ طغَوْا فى الْبِلَدِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (12) فَصب عَلَيْهِمْ رَبّك سوْط عَذَابٍ (13) إِنّ رَبّك لَبِالْمِرْصادِ (14) فَأَمّا الانسنُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعّمَهُ فَيَقُولُ رَبى أَكْرَمَنِ (15) وَ أَمّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبى أَهَنَنِ (16) َكلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَ لا تحَضونَ عَلى طعَامِ الْمِسكِينِ (18) وَ تَأْكلُونَ الترَاث أَكلاً لّمّا (19) وَ تحِبّونَ الْمَالَ حُبّا جَمّا (20) َكلا إِذَا دُكّتِ الأَرْض دَكّا دَكّا (21) وَ جَاءَ رَبّك وَ الْمَلَك صفّا صفّا (22) وَ جِاىءَ يَوْمَئذِ بجَهَنّمَ يَوْمَئذٍ يَتَذَكرُ الانسنُ وَ أَنى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَلَيْتَنى قَدّمْت لحَِيَاتى (24) فَيَوْمَئذٍ لا يُعَذِّب عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَ لا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَأَيّتهَا النّفْس الْمُطمَئنّةُ (27) ارْجِعِى إِلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مّرْضِيّةً (28) فَادْخُلى فى عِبَدِى (29) وَ ادْخُلى جَنّتى (30)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم و الوتر بكسر الواو و الباقون بالفتح و قرأ أبو جعفر و ابن عامر فقدر بالتشديد و الباقون بالتخفيف و قرأ لا يكرمون بالياء و كذلك ما بعده أهل البصرة و الباقون بالتاء و قرأ لا تحاضون أهل الكوفة و أبو جعفر و قرأ لا يعذب و لا يوثق بالفتح الكسائي و يعقوب و سهل و الباقون «لا يعذب» و «لا يوثق» و قرأ أهل المدينة و أبو عمرو و قتيبة عن

الكسائي و الليل إذا يسري بإثبات الياء في الوصل و حذفها في الوقف و قرأ ابن كثير و يعقوب بإثبات الياء في الوصل و الوقف و الباقون بالحذف فيهما و قرأ القواس و البزي و يعقوب بالوادي بإثبات الياء في الوصل و الوقف و ورش بإثباتها في الوصل و حذفها في الوقف و الباقون بحذفها في الوصل و الوقف و قرأ أهل المدينة أكرمني و أهانني بإثبات الياء في الوصل و حذفها في الوقف و القواس و البزي و يعقوب بإثبات الياء في الوصل و الوقف و أبو عمرو لا يبالي كيف قرأ بالياء و غير الياء و روى العياشي عنه بحذف الياء من غير تخيير و الباقون بحذف الياء في الحرفين في الوصل و الوقف و في الشواذ قراءة ابن عباس بعاد إرم ذات العماد و روي ذلك عن الضحاك أيضا و قراءة ابن عباس و عكرمة و الضحاك و ابن السميقع فادخلي في عبدي.

الحجة

قال أبو علي حدثنا محمد بن السري أن الأصمعي قال لكل فرد وتر و أهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد و يكسرون الوتر في الذحل و قيس و تميم يسوونهما في الكسر و يقولون في الوتر الذي هو الإفراد أوترت و أنا أوتر إيثارا أي جعلت أمري وترا و في الذحل وترته أتره وترا وترة قال أبو بكر وترته في الذحل إنما هو أفردته من أهله و ماله و من قرأ يكرمون و ما بعده بالياء فلما تقدم من ذكر الإنسان و المراد به الجنس و الكثرة على لفظ الغيبة و لا يمتنع في هذه الأشياء الدالة على الكثرة أن يحمل على اللفظ مرة و على المعنى أخرى و من قرأ بالتاء فعلى معنى قل لهم ذلك و معنى لا تحضون على طعام المسكين لا تأمرون به و لا تبعثون عليه «و لا تحاضون» تتفاعلون منه و قوله «و لا يعذب عذابه أحد» معناه لا يعذب تعذيبه فوضع العذاب موضع التعذيب كما وضع العطاء موضع الإعطاء في قوله

و بعد عطائك المائة الرتاعا فالمصدر الذي هو عذاب مضاف إلى المفعول به مثل دعاء الخير و المفعول به الإنسان المتقدم ذكره في قوله «يوم يتذكر الإنسان» و الوصاق أيضا موضع الإيثاق فأما من قرأ لا يعذب فقد قيل إن المعنى فيه أنه لا يتولى عذاب الله تعالى يومئذ أحد و الأمر يومئذ أمره و لا أمر لغيره هذا قول و قد قيل أيضا لا يعذب أحد في الدنيا مثل عذاب الله في الآخرة و كان الذي حمل قائل هذا القول على أن قاله إنه إن حمله على ظاهره كان المعنى لا يعذب أحد في الآخرة مثل عذاب الله و معلوم أنه لا يعذب أحد في الآخرة مثل عذاب الله إنما المعذب الله تعالى فعدل عن الظاهر لذلك.

###

و لو قيل إن المعنى فيومئذ لا يعذب أحد أحدا تعذيبا مثل تعذيب الكافر المتقدم ذكره فأضيف المصدر إلى المفعول به كما أضيف إليه في القراءة الأولى و لم يذكر الفاعل كما لم يذكره في مثل قوله تعالى من دعاء الخير لكان المعنى في القراءتين سواء و الذي يرد بأحد الملائكة الذين يتولون تعذيب أهل النار و يكون ذلك كقوله يوم يسحبون في النار على وجوههم و قوله و لو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم و أدبارهم و قوله «و لهم مقامع من حديد» لا شبهة أن يكون هذا القول أولى و الفاعل له هم الملائكة قال و وجه قول من قال يسري بالياء وصل أو وقف إن الفعل لا يحذف منه في الوقف كما يحذف من الأسماء نحو قاض و غاز فتقول هو يقضي و أنا أقضي فتثبت الياء و لا تحذف كما تحذف من الاسم نحو هذا قاض و ليس إثبات الياء بالأحسن في الوقف من الحذف و ذلك أنها فاصلة و جميع ما لا يحذف في الكلام و ما يختار فيه أن لا يحذف نحو القاضي بالألف و اللام يحذف إذا كان في قافية أو فاصلة قال سيبويه: و الفاصلة نحو «و الليل إذا يسر» و يوم التناد و الكبير المتعال فإذا كان شيء من ذلك في كلام تام شبه بالفاصلة فحسن حذفها نحو قوله «ذلك ما كنا نبغ» فإن قلت كيف كان الاختيار فيه أن يحذف إذا كان في فاصلة أو قافية و هذه الحروف من أنفس الكلم و هلا لم يستحسن حذفها كما أثبت سائر الحروف و لم يحذف و القول في ذلك أن الفواصل و القوافي في مواضع الوقف و الوقف موضع تغير فلما كان الوقف تغير فيه الحروف الصحيحة بالتضعيف و الإسكان و روم الحركة غيرت فيه هذه الحروف المشابهة للزيادة بالحذف أ لا ترى أن النداء لما كان في موضع حذف بالترخيم و الحذف للحروف الصحيحة ألزموا الحذف في أكثر الكلام للحرف المتغير و هو تاء التأنيث فكذلك ألزم الحذف في الوقف لهذه الحروف المتغيرة فجعل تغييرها الحذف و لما يراع فيها ما روعي في الحروف الصحيحة فسووا بينها و بين الزائد في الحذف للجزم نحو لم يغز و لم يرم و لم يخش و أجروها مجرى الزائد في الإطلاق نحو

و بعض القوم يخلق ثم لا يفري و ما يمر و ما يحلو كما قالوا

أقوين من حجج و من دهر فلذلك اختير فيها الحذف في الفواصل و القوافي و كذلك قوله «جابوا

الصخر بالواد» الأوجه فيه الحذف إذا كانت فاصلة و إن كان الأحسن إذا لم تكن فاصلة الإثبات و من قرأ في الوصل يسري بالياء و في الوقف بغير ياء فإنه ذهب إلى أنه إذا لم يقف عليها صار بمنزلة غيرها من المواضع التي لا يوقف عليها فلم تحذف من الفاصلة إذا لم يقف عليها كما لم يحذف من غيرها و حذفها إذا وقف عليها من أجل الوقف و من قرأ «أكرمن» و «أهانن» بغير ياء في وصل و لا وقف فهو كمن قرأ «يسر» في الوصل و الوقف لأن ما قبلها كسرة في فاصلة و من قرأهما بياء في الوصل كمثل من قرأ يسري في الوصل بإثبات الياء و بحذفها في الوقف و رواية سيبويه عن أبي عمرو أنه قرأ «ربي أكرمن» و «ربي أهانن» على الوقف و من قرأ أرم ذات العماد فالمعنى جعلها رميما رمت هي و استرمت و أرمها غيرها قال ابن جني و أما القراءة «بعاد إرم» فعلى أنه أراد أهل إرم هذه المدينة فحذف المضاف و هو يريده كقوله تعالى بزينة الكواكب أي بزينة الكواكب قال و قوله في عبدي لفظه لفظ الواحد و معناه الجمع أي عبادي و ذلك أنه جعل عبادي كالواحد أي لا خلاف بينهم في عبوديته كما لا يخالف الإنسان فيصير كقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و هم يد على من سواهم و قال غيره معناه فادخلي في جسم عبدي.

اللغة

الفجر شق عمود الصبح فجرة الله لعباده فجرا إذا أظهره في أفق المشرق مبشرا بإدبار الليل المظلم و إقبال النهار المضيء و هما فجران ( أحدهما ) الفجر المستطيل و هو الذي يصعد طولا كذنب السرحان و لا حكم له في الشرع ( و الآخر ) هو المستطير المنتشر في أفق السماء و هو الذي يحرم عنده الأكل و الشرب لمن أراد أن يصوم في شهر رمضان و هو ابتداء اليوم و الحجر العقل و أصله المنع يقال حجر القاضي على فلان ماله أي منعه من التصرف فيه فالعقل يمنع من المقبحات و يزجر عن فعلها و العماد جمعه عمد و هو ما تبنى به الأبنية و يستعمل في القوة و الشرق يقال فلان رفيع العماد قال:

{و نحن إذا عماد البيت خرت --- على الأخفاض نمنع من يلينا}

و الجواب القطع قال النابغة:

{أتاك أبو ليلى تجوب به الدجى --- دجى الليل جواب الفلاة غشمشم}

و الغشمشم الطويل و السوط معروف قال الفراء السوط اسم للعذاب و إن لم يكن ثم ضرب بسوط و أصل السوط خلط الشيء بعضه ببعض فكان السوط قسط عذاب يخالط اللحوم و الدماء كما يخالطهما السوط قال الشاعر:

{أحارث أنا لو تساط دماؤنا --- تزايلن حتى لا يمس دم دما}

و المرصاد الطريق مفعال من رصده يرصده رصدا إذا راعى ما يكون منه ليقابله بما يقتضيه و اللم الجمع و لممت ما على الخوان ألمه لما إذا أكلته أجمع كأنه يأكل ما ألم به و لا يميز شيئا من شيء و الجم الكثير العظيم و جمة الماء معظمه و جم الماء في الحوض إذا اجتمع و كثر قال زهير:

{فلما وردن الماء زرقا جمامة --- وضعن عصي الحاضر المتخيم}

والدك حط المرتفع بالبسط يقال اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره و ناقة دكاء إذا كانت كذلك و منه الدكان لاستوائه قال:

{ليت الجبال تداعت عند مصرعها --- دكا فلم يبق من أحجارها حجر}

و الوثاق الشد و أوثقته شددته.

###

الإعراب

جواب القسم قوله «إن ربك لبالمرصاد» و قيل جوابه محذوف تقديره ليقبضن على كل ظالم أو لينتصفن كل مظلوم من ظالمة أ ما رأيت كيف فعلنا بعاد و فرعون و ثمود لما ظلموا و أجري إرم على عاد عطف بيان أو على البدل و لا يجوز أن يكون صفة لأنه غير مشتق و إنما لا ينصرف إرم للتعريف و التأنيث أ لا ترى إلى قوله «ذات العماد» و من أضاف فقال بعاد إرم في الشواذ فإنه عنده بمنزلة قولهم زيد بطة لأنه لقب فيضاف إليه الاسم و ثمود في موضع جر أي و بثمود لا ينصرف لأنه أعجمي معرفة على طعام المسكين تقديره على إطعام طعام المسكين فحذف المضاف و يجوز أن يكون طعام اسما أقيم مقام الإطعام كقول لبيد:

{باكرت حاجتها الدجاج بسحرة --- لأعل منها حين هب نيامها}

أي لاحتياجي إليها فهو مفعول له و التراث أصله الوارث من ورثت و لكن التاء تبدل من الواو و مثله تجاه أصله وجاه من واجهه و جواب إذا في قوله «إذا دكت الأرض» قوله «فيومئذ لا يعذب عذابه أحد» و قوله «صفا صفا» مصدر وضع موضع الحال أي مصطفين.

المعنى

«و الفجر» أقسم الله سبحانه بفجر النهار و هو انفجار الصبح كل يوم عن

عكرمة و الحسن و الجبائي و رواه أبو صالح عن ابن عباس و قيل هو فجر ذي الحجة لأن الله تعالى قرن الأيام به فقال «و ليال عشر» و هي عشر ذي الحجة عن مجاهد و الضحاك و قيل فجر أول المحرم لأنه تتجدد عنده السنة عن قتادة و قيل يريد فجر يوم النحر لأنه يقع فيه القربان و يتصل بالليالي العشر عن أبي مسلم و قيل أراد بالفجر النهار كله عن ابن عباس و ليال عشر يعني العشر من ذي الحجة عن ابن عباس و الحسن و قتادة و مجاهد و الضحاك و السدي و روي ذلك مرفوعا شرفها الله ليسارع الناس فيها إلى عمل الخير و قيل هي العشر الأواخر من شهر رمضان في رواية أخرى عن ابن عباس و قيل إنها عشر موسى للثلاثين ليلة التي أتمها الله بها «و الشفع و الوتر» يعني الزوج و الفرد من العدد كله عن الحسن قال أبو مسلم هو تذكير بالحساب لعظم ما فيه من النفع و النعم بما يضبط به من المقادير و قيل الشفع و الوتر كل ما خلقه الله تعالى لأن جميع الأشياء إما زوج و إما فرد عن ابن زيد و الجبائي و قيل الشفع الخلق لأنه قال و خلقناكم أزواجا و الوتر الله تعالى عن عطية العوفي و أبي صالح و ابن عباس و مجاهد و هي رواية أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قيل الشفع و الوتر الصلاة و منه شفع و منها وتر و هي رواية ابن حصين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قيل الشفع يوم النحر و الوتر يوم عرفة عن ابن عباس و عكرمة و الضحاك و هي رواية جابر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و الوجه فيه أن يوم النحر يشفع بيوم نفر بعده و ينفرد يوم عرفة بالموقف و قيل الشفع يوم التروية و الوتر يوم عرفة و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل إن الشفع و الوتر في قول الله عز و جل فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه و من تأخر فلا إثم عليه فالشفع النفر الأول و الوتر يوم النفر الأخير و هو الثالث و أما الليالي العشر فالثماني من ذي الحجة و عرفة و النحر عن ابن الزبير و قيل الوتر آدم شفع بزوجته عن ابن عباس و قيل الشفع الأيام و الليالي و الوتر اليوم الذي لا ليل بعده و هو يوم القيامة عن مقاتل بن حيان و قيل الشفع صفات المخلوقين و تضادها العز و الذل و الوجود و العدم و القدرة و العجز و العلم و الجهل و الحياة و الموت و الوتر صفة الله تعالى إذ هو الموجود لا يجوز عليه العدم و القادر لا يجوز عليه العجز و العالم لا يجوز عليه الجهل و الحي لا يجوز عليه الموت و قيل الشفع علي و فاطمة (عليهما السلام) و الوتر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و قيل الشفع الصفا و المروة و الوتر البيت الحرام «و الليل إذا يسر» اختلفوا في المراد به على وجهين ( أحدهما ) أنه أراد جنس الليالي كما قال و الليل إذ أدبر أقسم بالليل إذا يمضي بظلامه فيذهب حتى ينقضي بالضياء المبتدىء ففي سيره على المقادير المرتبة و مجيئه بالضياء عند تقضيه أدل دلالة على أن فاعله يختص بالعز و الجلال و يتعالى عن الأشباه و الأمثال و قيل إنه إنما أضاف السير إليه لأن الليل يسير بمسير الشمس في الفلك و انتقالها من أفق إلى أفق و قيل إذا يسري إذا جاء

###

و أقبل إلينا و يريد كل ليلة عن قتادة و الجبائي و الوجه الآخر أن المراد به ليلة بعينها تمييزا لها من بين الليالي ثم قيل إنها ليلة المزدلفة لاختصاصها باجتماع الناس فيها بطاعة الله تعالى و فيها يسري الحاج من عرفة إلى المزدلفة ثم يصلي الغداة بها و يغدو منها إلى منى عن مجاهد و عكرمة و الكلبي «هل في ذلك قسم لذي حجر» أي هل فيما ذكر من الأقسام مقنع لذي عقل و لب يعقل القسم و المقسم به و هذا تأكيد و تعظيم لما وقع القسم به و المعنى أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب و دلائل على توحيد الله توضح عن عجائب صنعه و بدائع حكمته ثم اعترض بين القسم و جوابه بقوله «أ لم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد» و هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و تنبيه للكفار على ما فعله سبحانه بالأمم السالفة لما كفرت بالله و بأنبيائه و كانت أطول أعمارا و أشد قوة و عاد قوم هود و اختلفوا في إرم على أقوال ( أحدها ) أنه اسم لقبيلة قال أبو عبيدة هما عادان فالأولى هي إرم و هي التي قال الله تعالى فيهم و أنه أهلك عادا الأولى و قيل هو جد عاد و هو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عن محمد بن إسحاق و قيل هو سام بن نوح نسب عاد إليه عن الكلبي و قيل إرم قبيلة من قوم عاد كان فيهم الملك و كانوا بمهرة و كان عاد أباهم عن مقاتل و قتادة ( و ثانيها ) أن إرم اسم بلد ثم قيل هو دمشق عن ابن سعيد المقري و سعيد بن المسيب و عكرمة و قيل هو مدينة الإسكندرية عن محمد بن كعب القرظي و قيل هو مدينة بناها شداد بن عاد فلما أتمها و أراد أن يدخلها أهلكه الله بصيحة نزلت من السماء ( و ثالثها ) أنه ليس بقبيلة و لا بلد بل هو لقب لعاد و كان عاد يعرف به عن الجبائي و روي عن الحسن أنه قرأ بعاد إرم على الإضافة و قيل هو اسم آخر لعاد و كان له اسمان و من جعله بلدا فالتقدير في الآية بعاد صاحب إرم و قوله «ذات العماد» يعني أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم عن ابن عباس في رواية عطاء و الكلبي عن قتادة و قيل معناه ذات الطول و الشدة عن ابن عباس و مجاهد من قول العرب رجل معمد للطويل و رجل طويل العماد أي القامة ثم وصفهم سبحانه فقال «التي لم يخلق مثلها في البلاد» أي لم يخلق في البلاد مثل تلك القبيلة في الطول و القوة و عظم الأجسام و هم الذين قالوا من أشد منا قوة و روي أن الرجل منهم كان يأتي بالصخرة فيحملها على الحي فيهلكهم و قيل ذات العماد أي ذات الأبنية العظام المرتفعة عن الحسن و قال ابن زيد ذات العماد في أحكام البنيان التي لم يخلق مثلها أي مثل أبنيتها في البلاد.

" قصة إرم ذات العماد "

قال وهب بن منبه خرج عبد الله بن قلابة في طلب إبل له شردت فبينا هو في صحاري

عدن إذ هو قد وقع في مدينة في تلك الفلوات عليها حصن و حول الحصن قصور كثيرة و أعلام طوال فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله فنزل عن دابته و عقلها و سل سيفه و دخل من باب الحصن فلما دخل الحصن فإذا هو ببابين عظيمين لم ير أعظم منهما و البابان مرصعان بالياقوت الأبيض و الأحمر فلما رأى ذلك دهش ففتح أحد البابين فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها و إذا هو قصور كل قصر فوقه غرف و فوق الغرف غرف مبنية بالذهب و الفضة و اللؤلؤ و الياقوت و مصاريع تلك الغرف مثل مصراع المدينة يقابل بعضها بعضا مفروشة كلها باللآلىء و بنادق من مسك و زعفران فلما رأى الرجل ما رأى و لم ير فيها أحدا هاله ذلك ثم نظر إلى الأزقة فإذا هو بشجر في كل زقاق منها قد أثمرت تلك الأشجار و تحت الأشجار أنهار مطردة يجري ماؤها من قنوات من فضة كل قناة أشد بياضا من الشمس فقال الرجل و الذي بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحق ما خلق الله مثل هذه في الدنيا و إن هذه هي الجنة التي وصفها الله تعالى في كتابه فحمل معه من لؤلؤها و من بنادق المسك و الزعفران و لم يستطع أن يقلع من زبرجدها و من ياقوتها شيئا و خرج و رجع إلى اليمن فأظهر ما كان معه و علم الناس أمره فلم يزل ينمو أمره حتى بلغ معاوية خبره فأرسل في طلبه حتى قدم عليه فقص عليه القصة فأرسل معاوية إلى كعب الأحبار فلما أتاه قال يا أبا إسحاق هل في الدنيا مدينة من ذهب و فضة قال نعم أخبرك بها و بمن بناها إنما بناها شداد بن عاد فأما المدينة فارم ذات العماد التي وصفها الله تعالى في كتابه و هي التي لم يخلق مثلها في البلاد قال معاوية فحدثني حديثها فقال إن عادا الأولى ليس بعاد قوم هود و إنما هود و قوم هود ولد ذلك و كاد عاد له ابنان شداد و شديد فهلك عاد فبقيا و ملكا فقهرا البلاد و أخذاها عنوة ثم هلك شديد و بقي شداد فملك وحده و دانت له ملوك الأرض فدعته نفسه إلى بناء مثل الجنة عتوا على الله سبحانه فأمر بصنعة تلك المدينة إرم ذات العماد و أمر على صنعتها مائة قهرمان مع كل قهرمان ألف من الأعوان و كتب إلى كل ملك في الدنيا أن يجمع له ما في بلاده من الجواهر و كان هؤلاء القهارمة أقاموا في بنيانها مدة طويلة فلما فرغوا منها جعلوا عليها حصنا و حول الحصن ألف قصر ثم سار الملك إليها في جنده و وزرائه فلما كان منها على مسيرة يوم و ليلة بعث الله عز و جل عليه و على من معه صيحة من السماء فأهلكتهم جميعا و لم يبق منهم أحدا و سيدخلها في زمانك رجل من المسلمين أحمر أشقر قصير على حاجبه خال و على عنقه خال يخرج في طلب إبل له في تلك الصحاري و الرجل عند معاوية فالتفت كعب إليه و قال هذا و الله ذلك الرجل ثم قال سبحانه «و ثمود الذين جابوا الصخر بالواد» أي و كيف فعل بثمود الذين قطعوا الصخر و نقبوها بالوادي الذي كانوا ينزلونه يعني وادي القرى قال ابن عباس كانوا ينحتون الجبال

###

فيجعلون منها بيوتا كما قال الله تعالى و تنحتون من الجبال بيوتا فارهين «و فرعون» أي و كيف فعل فرعون الذي أرسل إليه موسى «ذي الأوتاد» أي ذي الجنود الذين كانوا يشيدون أمره عن ابن عباس و سماهم أوتادا لأنهم قواد عسكره الذين بهم قوام أمره و قيل كان يشد الرجل بأربعة أوتاد على الأرض إذا أراد تعذيبه و يتركه حتى يموت عن مجاهد و عن ابن مسعود قال وتد امرأته بأربعة أوتاد ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت و قد مر بيانه في سورة ص «الذين طغوا في البلاد» يعني عادا و ثمود و فرعون طغوا أي تجبروا في البلاد على أنبياء الله و عملوا فيها بمعصية الله «فأكثروا فيها» أي في الأرض أو في البلاد «الفساد» أي القتل و المعصية عن الكلبي ثم بين سبحانه ما فعله بهم عاجلا بأن قال «فصب عليهم ربك سوط عذاب» أي فجعل سوطة الذي ضربهم به العذاب عن الزجاج و قيل معناه صب عليهم قسط عذاب كالعذاب بالسوط الذي يعرف أراد ما عذبوا به و قيل إن كل شيء عذب الله به فهو سوط فأجري على العذاب اسم السوط مجازا عن قتادة شبه سبحانه العذاب الذي أحله بهم و ألقاه عليهم بانصباب السوط و تواتره على المضروب حتى يهلكه «إن ربك لبالمرصاد» أي عليه طريق العباد فلا يفوته أحد عن الكلبي و الحسن و عكرمة و المعنى أنه لا يفوته شيء من أعمالهم لأنه يسمع و يرى جميع أقوالهم و أفعالهم كما لا يفوت من هو بالمرصاد و روي عن علي (عليه السلام) أنه قال معناه إن ربك قادر على أن يجزي أهل المعاصي جزاءهم و عن الصادق (عليه السلام) أنه قال المرصاد قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة عبد و قال عطاء يعني يجازي كل واحد و ينتصف من الظالم للمظلوم و قيل لأعرابي أين ربك قال بالمرصاد و ليس يريد به المكان فقد سئل علي (عليه السلام) أين كان ربنا قبل أن خلق السماوات و الأرض فقال أين سؤال عن مكان و كان الله و لا مكان و روي عن ابن عباس في هذه الآية قال إن على جسر جهنم سبع محابس يسأل العبد عندها أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني فيسأل عن الصلاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع فيسأل عن الصوم فإن جاء بها تامة جاز إلى الخامس فيسأل عن الحج فإن جاء به تاما جاز إلى السادس فيسأل عن العمرة فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع فيسأل عن المظالم فإن خرج منها و إلا يقال انظروا فإن كان له تطوع أكمل به أعماله فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة ثم قسم سبحانه أحوال البشر فقال «فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه» أي اختبره و امتحنه بالنعمة «فأكرمه» بالمال «و نعمه» بما وسع عليه من أنواع الإفضال «فيقول ربي أكرمن» فيفرح بذلك و يسر و يقول ربي أعطاني هذا لكرامتي عنده و منزلتي لديه أي يحسب أنه كريم على ربه حيث وسع الدنيا عليه «و أما إذا ما ابتلاه» بالفقر و الفاقة «فقدر» أي فضيق و

قتر «عليه رزقه» و جعله على قدر البلغة «فيقول ربي أهانن» أي فيظن أن ذلك هوان من الله و يقول ربي أذلني بالفقر ثم قال «كلا» أي ليس كما ظن فإني لا أغني المرء لكرامته علي و لا أفقره لمهانته عندي و لكني أوسع على من أشاء و أضيق على من أشاء بحسب ما توجبه الحكمة و يقتضيه الصلاح ابتلاء بالشكر و الصبر و إنما الإكرام على الحقيقة يكون بالطاعة و الإهانة تكون بالمعصية ثم بين سبحانه ما يستحق به الهوان فقال بل إنما أهنت من أهنت لأنهم عصوني.

ثم فصل العصيان فقال «بل لا تكرمون اليتيم» و هو الطفل الذي لا أب له أي لا تعطونهم مما أعطاكم الله حتى تغنوهم عن ذل السؤال و خص اليتيم لأنهم لا كافل لهم يقوم بأمرهم و قد قال (صلى الله عليه وآله وسلم) أنا و كافل اليتيم كهاتين في الجنة و أشار بالسبابة و الوسطى قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون في حجر أمية بن خلف يتيما و كان يدفعه عن حقه فعلى هذا فإنه يحتمل معنيين ( أحدهما ) إنكم لا تحسنون إليه ( و الآخر ) إنكم لا تعطونه حقه من الميراث على ما جرت به عادة الكفار من حرمان اليتيم ما كان له من الميراث و لا تحضون على طعام المسكين أي و لا تحثون على إطعامه و لا تأمرون بالتصدق عليه و من قرأ «لا تحاضون» أراد لا يحض بعضكم بعضا على ذلك و المعنى أن الإهانة ما فعلتموه من ترك إكرام اليتيم و منع الصدقة من الفقير لا ما توهمتموه و قيل إن المراد إنما أعطيتكم المال لذلك فإذا لم تفعلوه فذلك يوجب إهانتكم «و تأكلون التراث» أي الميراث و قيل أموال اليتامى عن أبي مسلم قال و لم يرد الميراث الحلال لأنه لا يلام آكله عليه قال الحسن: يأكل نصيبه و نصيب اليتيم و ذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء و الصبيان و يأكلون أموالهم و قيل يأكلون الميراث فيما يشتهون و لا يتفكرون في إخراج ما أوجب الله عليهم من الحقوق فيه «أكلا لما» شديدا تلمون جميعه في الأكل و قيل هو أن يأكل نصيبه و نصيب غيره عن الحسن و قيل هو أن يأكل ما يجده و لا يفكر فيما يأكله من خبيث و طيب عن ابن زيد «و تحبون المال حبا جما» أي كثيرا شديدا عن ابن عباس و مجاهد و المعنى تحبون جمع المال و تولعون به فلا تنفقونه في خير و قيل يحبون كثرة المال من فرط حرصهم فيجمعونه من غير وجهه و يصرفونه في غير وجهه و لا يتفكرون في العاقبة ثم قال سبحانه «كلا» أي لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا و قال مقاتل: معناه لا يفعلون ما أمروا به في اليتيم و المسكين و قيل كلا زجر تقديره لا تفعلوا هكذا ثم خوفهم فقال «إذا دكت الأرض دكا دكا» أي كسر كل شيء على ظهرها من جبل أو بناء أو شجر حتى زلزلت فلم يبق عليها شيء يفعل ذلك مرة بعد مرة و قيل دكت الأرض أي مدت يوم القيامة مد الأديم عن ابن عباس و قيل دقت جبالها و إنشازها حتى استوت عن ابن قتيبة و المعنى استوت في انفراشها و ذهب دورها و قصورها و سائر أبنيتها حتى تصير كالصحراء

###

الملساء «و جاء ربك» أي أمر ربك و قضاؤه و محاسبته عن الحسن و الجبائي و قيل جاء أمره الذي لا أمر معه بخلاف حال الدنيا عن أبي مسلم و قيل جاء جلائل آياته فجعل مجيئها مجيئه تفخيما لأمرها و قال بعض المحققين: المعنى و جاء ظهور ربك لضرورة المعرفة به لأن ظهور المعرفة بالشيء يقوم مقام ظهوره و رؤيته و لما صارت المعارف بالله في ذلك اليوم ضرورية صار ذلك كظهوره و تجليه للخلق فقيل جاء ربك أي زالت الشبهة و ارتفع الشك كما يرتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه جل و تقدس عن المجيء و الذهاب لقيام البراهين القاهرة و الدلائل الباهرة على أنه سبحانه ليس بجسم «و الملك» أي و تجيء الملائكة «صفا صفا» يريد صفوف الملائكة و أهل كل سماء صف على حدة عن عطاء و قال الضحاك: أهل كل سماء إذا زلزلوا يوم القيامة كانوا صفا محيطين بالأرض و بمن فيها فيكون سبع صفوف فذلك قوله «صفا صفا» و قيل معناه مصطفين كصفوف الناس في الصلاة يأتي الصف الأول ثم الصف الثاني ثم الصف الثالث ثم على هذا الترتيب لأن ذلك أشبه بحال الاستواء من التشويش فالتعديل و التقويم أولى «و جيء يومئذ بجهنم» أي و أحضرت في ذلك اليوم جهنم ليعاقب بها المستحقون لها و يرى أهل الموقف هولها و عظم منظرها و روي مرفوعا عن أبي سعيد الخدري قال لما نزلت هذه الآية تغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و عرف في وجهه حتى اشتد على أصحابه ما رأوا من حاله و انطلق بعضهم إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقالوا يا علي لقد حدث أمر قد رأيناه في نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء علي (عليه السلام) فاحتضنه من خلفه و قبل بين عاتقيه ثم قال يا نبي الله بأبي أنت و أمي ما الذي حدث اليوم قال جاء جبرائيل (عليه السلام) فأقرأني «و جيء يومئذ بجهنم» قال فقلت كيف يجاء بها قال يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع ثم أتعرض لجهنم فتقول ما لي و لك يا محمد فقد حرم الله لحمك علي فلا يبقى أحد إلا قال نفسي نفسي و إن محمدا يقول رب أمتي أمتي ثم قال سبحانه «يومئذ» يعني يوما يجاء بجهنم «يتذكر الإنسان» أي يتعظ و يتوب الكافر «و أنى له الذكرى» أي و من أين له التوبة عن الزجاج و قيل معناه يتذكر الإنسان ما قصر و فرط إذ يعلم يقينا ما قد توعد به فكيف ينفعه التذكر أثبت له التذكر ثم نفاه بمعنى أنه لا ينتفع به فكأنه لم يكن و كان ينبغي له أن يتذكر في وقت ينفعه ذلك فيه ثم حكى سبحانه ما يقول الكافر و المفرط الجاني على نفسه و يتمناه بقوله «يقول يا ليتني قدمت لحياتي» أي يتمنى أن يكون قد كان عمل الطاعات و الحسنات لحياته بعد موته أو عملها للحياة التي تدوم له بقوله «يا ليتني قدمت لحياتي» العمل الصالح لآخرتي التي لا موت فيها ثم قال سبحانه «فيومئذ لا يعذب عذابه أحد» أي لا يعذب عذاب الله أحد من

الخلق «و لا يوثق وثاقه أحد» أي وثاق الله أحد من الخلق فالمعنى لا يعذب أحد في الدنيا مثل عذاب الله الكافر يومئذ و لا يوثق أحد في الدنيا بمثل وثاق الله الكافر يومئذ و أما القراءة بفتح العين في يعذب و يوثق فقد وردت الرواية عن أبي قلابة قال أقرأني من أقرأه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد و لا يوثق وثاقه أحد و المعنى لا يعذب أحد تعذيب هذا الكافر إن قلنا إنه كافر بعينه أو تعذيب هذا الصنف من الكفار و هم الذين ذكروا في قوله «لا تكرمون اليتيم» الآيات و هذا و إن أطلق فالأولى أن يكون المراد التقييد لأنا نعلم أن إبليس أشد عذابا و وثاقا منه و قيل معناه لا يؤاخذ بذنبه غيره و التقدير لا يعذب أحد بعذابه لأنه المستحق بعذابه و لا يؤاخذ الله أحدا بجرم غيره «يا أيتها النفس المطمئنة» بالإيمان المؤمنة الموقنة المصدقة بالثواب و البعث و الطمأنينة حقيقة الإيمان عن الحسن و مجاهد و قيل المطمئنة الآمنة بالبشارة بالجنة عند الموت و يوم البعث عن ابن زيد و قيل النفس المطمئنة التي يبيض وجهها و يعطى كتابها بيمينها فحينئذ تطمئن عن الكلبي و أبي روق «ارجعي إلى ربك» أي يقال لها عند الموت عن أبي صالح و قيل عند البعث عن عكرمة و الضحاك ارجعي إلى ثواب ربك و ما أعده لك من النعيم عن الحسن و قيل ارجعي إلى الموضع الذي يختص الله سبحانه بالأمر و النهي فيه دون خلقه و قيل إن المراد ارجعي إلى صاحبك و جسدك فيكون الخطاب للروح أن ترجع إلى الجسد عن ابن عباس «راضية» بثواب الله «مرضية» أعمالها التي عملتها و قيل راضية عن الله بما أعد الله لها مرضية رضي عنها ربها بما عملت من طاعته و قيل راضية بقضاء الله في الدنيا حتى رضي الله عنها و رضي بأفعالها و اعتقادها «فادخلي في عبادي» أي في زمرة عبادي الصالحين المصطفين الذين رضيت عنهم و هذه نسبة تشريف و تعظيم «و ادخلي جنتي» التي وعدتكم بها و أعددت نعيمكم فيها.

النظم

وجه اتصال قوله «فأما الإنسان» الآية بما قبله فيه قولان ( أحدهما ) أنه يتصل بقوله «إن ربك لبالمرصاد» أي هو بالمرصاد لأعمالهم لا يخفى عليه شيء من مصالحهم فإذا أكرم أحدا منهم بنوع من النعم التي هي الصحة و السلامة و المال و البنون امتحانا و اختبارا ظن ذلك واجبا و إذا قتر عليه رزقه ظن ذلك إهانة له و إنما يفعل سبحانه جميع ذلك للمصالح عن أبي مسلم ( و الثاني ) أن المعنى بالمرصاد لهم يتعبده بما هو الأصلح لهم و أنهم يظنون أنه يبتدىء عباده بالإكرام و الإهانة و ليس كذلك بل هما مستحقان و لا يدخل العباد تحت الاستحقاق إلا بعد التكليف و أما قوله «بل لا تكرمون اليتيم» فوجه اتصاله بما قبله أنه رد عليهم ظنهم أنه ضيق عليهم أرزاقهم على وجه الإهانة فبين سبحانه أن الإهانة لما ذكره لا لما قالوه.