۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الغاشية، آية ٧

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٢٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ ١ وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ ٢ عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ ٣ تَصۡلَىٰ نَارًا حَامِيَةٗ ٤ تُسۡقَىٰ مِنۡ عَيۡنٍ ءَانِيَةٖ ٥ لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ ٦ لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ ٧ وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ ٨ لِّسَعۡيِهَا رَاضِيَةٞ ٩ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ١٠ لَّا تَسۡمَعُ فِيهَا لَٰغِيَةٗ ١١ فِيهَا عَيۡنٞ جَارِيَةٞ ١٢ فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ ١٣ وَأَكۡوَابٞ مَّوۡضُوعَةٞ ١٤ وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ ١٥ وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ ١٦ أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ ١٧ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ ١٨ وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ ١٩ وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ ٢٠ فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ ٢١ لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ ٢٢ إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ٢٣ فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَكۡبَرَ ٢٤ إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم ٢٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ هَلْ أَتَاك حَدِيث الْغَشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئذٍ خَشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نّاصِبَةٌ (3) تَصلى نَاراً حَامِيَةً (4) تُسقَى مِنْ عَينٍ ءَانِيَةٍ (5) لّيْس لهَُمْ طعَامٌ إِلا مِن ضرِيعٍ (6) لا يُسمِنُ وَ لا يُغْنى مِن جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئذٍ نّاعِمَةٌ (8) لِّسعْيهَا رَاضِيَةٌ (9) فى جَنّةٍ عَالِيَةٍ (10) لا تَسمَعُ فِيهَا لَغِيَةً (11) فِيهَا عَينٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سرُرٌ مّرْفُوعَةٌ (13) وَ أَكْوَابٌ مّوْضوعَةٌ (14) وَ نمَارِقُ مَصفُوفَةٌ (15) وَ زَرَابىّ مَبْثُوثَةٌ (16) أَ فَلا يَنظرُونَ إِلى الابِلِ كيْف خُلِقَت (17) وَ إِلى السمَاءِ كَيْف رُفِعَت (18) وَ إِلى الجِْبَالِ كَيْف نُصِبَت (19) وَ إِلى الأَرْضِ كَيْف سطِحَت (20) فَذَكِّرْ إِنّمَا أَنت مُذَكرٌ (21) لّست عَلَيْهِم بِمُصيْطِرٍ (22) إِلا مَن تَوَلى وَ كَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللّهُ الْعَذَاب الأَكْبرَ (24) إِنّ إِلَيْنَا إِيَابهُمْ (25) ثمّ إِنّ عَلَيْنَا حِسابهُم (26)

القراءة

قرأ أهل البصرة غير سهل و أبو بكر تصلى بضم التاء و الباقون بفتحها و قرأ ابن كثير و أهل البصرة غير سهل لا يسمع بضم الياء لاغية بالرفع و قرأ نافع لا تسمع بضم التاء لاغية بالرفع و قرأ الباقون «لا تسمع» بفتح التاء «لاغية» بالنصب و قرأ أبو جعفر إيابهم بتشديد الياء و الباقون بالتخفيف و روي عن علي (عليه السلام) أ فلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت و إلى السماء كيف رفعت و إلى الجبال كيف نصبت و إلى الأرض كيف سطحت بفتح أوائل هذه الحروف كلها و ضم التاء و عن ابن عباس و قتادة و زيد بن أسلم و زيد بن علي إلا من تولى بالتخفيف.

الحجة

حجة من قال «تصلى» قوله سيصلى نارا ذات لهب و قوله إلا من هو صال الجحيم و حجة من قال تصلى قوله ثم الجحيم صلوه و صلوه مثل اصلوه و اللاغية مصدر بمنزلة العاقبة و العافية و يجوز أن تكون صفة نحو أن تقول لا تسمع فيها كلمة لاغية و الأول أوجه لقوله تعالى لا يسمعون فيها لغوا و لا تسمع على بناء الفعل للمفعول به حسن لأن الخطاب ليس بمصروف إلى واحد بعينه و بناء الفعل للفاعل أيضا حسن على الشياع في الخطاب و إن كان لواحد و على هذا و إذا رأيت ثم رأيت نعيما و يجوز أن يكون الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و كل واحد من التاء و الياء في تسمع و يسمع حسن على اللفظ و على المعنى و أما قوله إيابهم على التشديد فقال أبو الفتح أنكر أبو حاتم هذه القراءة لأنه حملها على نحو كذبوا كذابا قال و هذا لا يجوز لأنه كان يجب أوابا لأنه فعال فيصح لاحتمال التغيير بالإدغام كقولهم اجلوذ اجلواذا قال أبو الفتح يجوز أن يكونوا قلبوا الواو ياء من أواب و إن كانت متحصنة بالإدغام استحسانا للتخفيف لا وجوبا كما قالوا ديمت السماء في دومت قال:

{هو الجواد ابن الجواد ابن سبل --- إن ديموا جاد و إن جادوا}

وبل يريد دوموا و قال و يجوز أن يكون بني من آب فيعلت و أصله أيوبت و المصدر إيواب فقلبت الواو ياء لوقوع الياء ساكنة قبلها و يجوز أن يكون أوبت فوعلت و المصدر على الفيعال كالحيقال من حوقلت أنشد الأصمعي:

{يا قوم قد حوقلت أو دنوت --- و بعد حيقال الرجال الموت}

فصار أيوابا فقلبت الواو ياء فصار إيابا و أما قراءة علي (عليه السلام) فالمفعول جميعها محذوف لدلالة المعنى عليه أي كيف خلقتها و كيف رفعتها و كيف نصبتها و سطحتها و من قرأ إلا من تولي فإلا افتتاح كلام و من شرط و جوابه «فيعذبه الله» أي فهو يعذبه الله و قد تقدم القول فيه في مواضع.

اللغة

الغاشية المجللة لجميع الجملة غشيه يغشاه غشيانا و أغشاه غيره إذا جعله يغشى و غشاه بمعناه و نصب الرجل ينصب نصبا فهو نصب و ناصب إذا تعب في العمل و الآنية البالغة النهاية في شدة الحر و الضريع نبت تأكله الإبل يضر و لا ينفع و إنما سمي ضريعا لأنه يشتبه عليها أمره فتظنه كغيره من النبت و الأصل من المضارعة و المشابهة و النمارق واحدتها نمرقة و الزرابي البسط الفاخرة واحدتها زربية و المصيطر المتسلط على غيره بالقهر له يقال تصيطر فلان على فلان و صيطر إذا تسلط و قال أبو عبيدة مصيطر و مبيطر لا ثالث لهما في كلام العرب.

الإعراب

«كيف خلقت» يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من خلقت و يجوز أن يكون على المصدر و تكون الجملة التي هي كيف خلقت معلقة بينظرون لأن النظر مؤد إلى العلم «إلا من تولى» هو استثناء منقطع و سيبويه يقدر الاستثناء المنقطع بلكن و الفراء يقدره بسوى.

المعنى

«هل أتيك حديث الغاشية» خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد قد أتاك حديث يوم القيامة لأنها تغشى الناس بأهوالها بغتة عن ابن عباس و الحسن و قتادة و قيل الغاشية النار تغشي وجوه الكفار بالعذاب و هذا كقوله تغشى وجوههم النار عن محمد بن كعب و سعيد بن جبير «وجوه يومئذ خاشعة» أي ذليلة بالعذاب الذي يغشاها و الشدائد التي تشاهدها و المراد

بذلك أرباب الوجوه و إنما ذكر الوجوه لأن الذل و الخضوع يظهر فيها و قيل المراد بالوجوه الكبراء تقول جاءني وجوه بني تميم أي ساداتهم و قيل عنى به وجوه الكفار كلهم لأنها تكبرت عن عبادة الله تعالى عن مقاتل «عاملة ناصبة» فيه وجوه ( أحدها ) أن المعنى عاملة في النار ناصبة فيها عن الحسن و قتادة قالا لم يعمل الله سبحانه في الدنيا فاعملها و انصبها في النار بمعالجة السلاسل و الأغلال قال الضحاك يكلفون ارتقاء جبل من حديد في النار و قال الكلبي يجرون على وجوههم في النار ( و ثانيها ) أن المراد عاملة في الدنيا بالمعاصي ناصبة في النار يوم القيامة عن عكرمة و السدي ( و ثالثها ) عاملة ناصبة في الدنيا يعملون و ينصبون و يتعبون على خلاف ما أمرهم الله تعالى به و هم الرهبان و أصحاب الصوامع و أهل البدع و الآراء الباطلة لا يقبل الله أعمالهم في البدعة و الضلالة و تصير هباء لا يثابون عليها عن سعيد بن جبير و زيد بن أسلم و أبي الضحاك عن ابن عباس و قال أبو عبد الله (عليه السلام) كل ناصب لنا و إن تعبد و اجتهد يصير إلى هذه الآية «عاملة ناصبة» «تصلى نارا حامية» قال ابن عباس قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله و قيل المعنى إن هؤلاء يلزمون الإحراق بالنار التي في غاية الحرارة «تسقى من عين آنية» أي و تسقى أيضا من عين حارة قد بلغت إناها و انتهت حرارتها قال الحسن قد أوقدت عليها جهنم مذ خلقت فدفعوا إليها وردا عطاشا هذا شرابهم ثم ذكر طعامهم فقال «ليس لهم طعام إلا من ضريع» و هو نوع من الشوك يقال له الشبرق و أهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس و هو أخبث طعام و أبشعه لا ترعاه دابة و عن الضحاك عن ابن عباس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الضريع شيء يكون في النار يشبه الشوك أمر من الصبر و أنتن من الجيفة و أشد حرا من النار سماه الله الضريع و قال أبو الدرداء و الحسن إن الله يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء فيستقون فيعطشهم الله سبحانه ألف سنة ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة و لا مريئة كلما أدنوه إلى وجوههم سلخ جلود وجوههم و شواها فإذا وصل إلى بطونهم قطعها فذلك قوله و سقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم و لما نزلت هذه الآية قال المشركون إن إبلنا لتسمن على الضريع و كذبوا في ذلك لأن الإبل لا ترعاه فقال الله سبحانه تكذيبا لهم «لا يسمن و لا يغني من جوع» أي لا يدفع جوعا و لا يسمن أحدا قال الحسن لا أدري ما الضريع لم أسمع من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئا فيه و قيل هو سم عن مجاهد و قتادة و قيل ضريع بمعنى مضرع أي يضرعهم و يذلهم و قيل يسمى ضريعا لأن آكله يضرع في الإعفاء منه لخشونته و شدة كراهته عن كيسان و قيل هو الحجارة عن سعيد بن جبير ثم وصف سبحانه أهل الجنة فقال «وجوه يومئذ ناعمة» أي

###

منعمة في أنواع اللذات ظاهر عليها إثر النعمة و السرور و مضيئة مشرقة «لسعيها» في الدنيا «راضية» حين أعطيت الجنة بعملها و المعنى لثواب سعيها و عملها من الطاعات راضية يريد أنه لما ظهر نفع أعمالهم و جزاء عباداتهم رضوه و حمدوه و هذا كما يقال عند الصباح يحمد القوم السري «في جنة عالية» أي مرتفعة القصور و الدرجات و قيل إن علو الجنة على وجهين علو الشرف و الجلالة و علو المكان و المنزلة بمعنى أنها مشرفة على غيرها و هي أنزه ما تكون و الجنة درجات بعضها فوق بعض كما أن النار دركات «لا تسمع فيها لاغية» أي كلمة ساقطة لا فائدة فيها و قيل لاغية ذات لغو كقولهم نابل و دارع أي ذو نبل و درع قال الحطيئة:

و غررتني و زعمت أنك لابن بالصيف تأمر «فيها» أي في تلك الجنة «عين جارية» قيل إنه اسم جنس و لكل إنسان في قصره من الجنة عين جارية من كل شراب يشتهيه و في العيون الجارية من الحسن و اللذة و المنفعة ما لا يكون في الواقفة و لذلك وصف بها عيون أهل الجنة و قيل إن عيون أهل الجنة تجري في غير أخدود و تجري كما يريد صاحبها «فيها» أي في تلك الجنة «سرر مرفوعة» قال ابن عباس ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد و الدر و الياقوت مرتفعة ما لم يجيء أهلها فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها ثم ترتفع إلى موضعها و السرر جمع سرير و هو مجلس السرور و قيل إنما رفعت ليرى المؤمنون بجلوسهم عليها جميع ما حولهم من الملك «و أكواب موضوعة» على حافات العيون الجارية كلما أراد المؤمن شربها وجدها مملوءة و هي الأباريق ليس لها خراطيم و لا عرى تتخذ للشراب و قيل هي أواني الشراب من الذهب و الفضة و الجواهر بين أيديهم و يشربون بها ما يشتهونه من الأشربة و يتمتعون بالنظر إليها لحسنها «و نمارق مصفوفة» أي وسائد يتصل بعضها ببعض على هيئة مجالس الملوك في الدنيا «و زرابي مبثوثة» و هي البسط الفاخرة و الطنافس المخملة و المبثوثة المبسوطة المنشورة و يجوز أن يكون المعنى أنها مفرقة في المجالس و عن عاصم بن ضمرة عن علي (عليه السلام) أنه ذكر أهل الجنة فقال يجيئون فيدخلون فإذا أسس بيوتهم من جندل اللؤلؤ و سرر مرفوعة و أكواب موضوعة و نمارق مصفوفة و زرابي مبثوثة و لو لا أن الله تعالى قدرها لهم لالتمعت أبصارهم بما يرون و يعانقون الأزواج و يعقدون على السرر و يقولون الحمد لله الذي هدانا لهذا قال قتادة و لما نعت الله الجنة و ما فيها عجب من ذلك أهل الضلال فأنزل الله سبحانه «أ فلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت» و كانت عيشا من عيشهم فيقول أ فلا يتفكرون فيها و ما يخرج الله من ضروعها من بين فرث و دم لبنا خالصا سائغا للشاربين يقول كما صنعت هذا لهم فكذلك أصنع لأهل الجنة في الجنة و قيل معناه أ فلا يعتبرون بنظرهم إلى الإبل و ما ركبه الله عليه من عجيب الخلق فإنه مع

عظمته و قوته يذلله الصغير فينقاد له بتسخير الله إياه لعباده فيبركه و يحمل عليه ثم يقوم و ليس ذلك في غيره من ذوات الأربع فلا يحمل على شيء منها إلا و هو قائم فأراهم الله سبحانه هذه الآية فيه ليستدلوا على توحيده بذلك عن أبي عمرو بن العلاء و الزجاج و سأل الحسن عن هذه الآية و قيل له الفيل أعظم من الإبل في الأعجوبة فقال أما الفيل فالعرب بعيدو العهد بها ثم هو خنزير لا يركب ظهرها و لا يؤكل لحمها و لا يحلب درها و الإبل من أعز مال العرب و أنفسه تأكل النوى و ألقت و تخرج اللبن و يأخذ الصبي بزمامها فيذهب بها حيث شاء مع عظمها في نفسها و يحكى أن فأرة أخذت بزمام ناقة فأخذت تجرها و هي تتبعها حتى دخلت الحجر فجرت الزمام فبركت الناقة فجرت فقربت فمها من جحر الفأر.

«و إلى السماء كيف رفعت» أي كيف رفعها الله فوق الأرض و جعل بينهما هذا الفضاء الذي به قوام الخلق و حياتهم ثم إلى ما خلقه فيها من بدائع الخلق من الشمس و القمر و الكواكب و علق بها منافع الخلق و أسباب معايشهم «و إلى الجبال كيف نصبت» أي أ و لا يتفكرون في خلق الله سبحانه الجبال أوتادا للأرض و مسكنة لها و أنه لولاها لمادت الأرض بأهلها «و إلى الأرض كيف سطحت» أي كيف بسطها الله و وسعها و لو لا ذلك لما صح الاستقرار عليها و الانتفاع بها و هذه من نعم الله سبحانه على عباده لا توازيها نعمة منعم و فيها دلائل على توحيده و لو تفكروا فيها لعلموا أن لهم صانعا صنعهم و موجدا أوجدهم و لما ذكر سبحانه الأدلة أمر نيته بالتذكير بها فقال «فذكر» يا محمد و التذكير التعريف للذكر بالبيان الذي يقع به الفهم و النفع بالتذكير عظيم لأنه طريق للعلم بالأمور التي يحتاج إليها «إنما أنت مذكر» لهم بنعم الله تعالى عندهم و بما يجب عليهم في مقابلتها من الشكر و العبادة و قد أوضح الله تعالى طريق الحجج في الدين و أكده غاية التأكيد بما لا يسع فيه التقليد بقوله «إنما أنت مذكر» و قوله و ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين و قوله إن في ذلك لآية لقوم يعقلون و لقوم يذكرون و يتفكرون و قيل إن المراد فذكرهم بهذه الأدلة و أمرهم بالاستدلال بها و نبههم عليها عن الجبائي و أبي مسلم «لست عليهم بمصيطر» معناه لست عليهم بمتسلط تسليطا يمكنك أن تدخل الإيمان في قلوبهم و تجبرهم عليه و إنما الواجب عليك الإنذار فاصبر على الإنذار و التبليغ و الدعوة إلى الحق و قيل معناه لست عليهم بمتسلط الآن حتى تقاتلهم إن خالفوك و كان هذا قبل نزول آية الجهاد ثم نسخ بالأمر بالقتال و الوجه الصحيح أنه لا نسخ فيه لأن الجهاد ليس بأكره للقلوب و المراد أنك إنما بعثت للتذكير و ليس عليك من ترك قبولهم شيء «إلا من تولى و كفر» أي أعرض عن الذكر و لم يقبل منك و كفر بالله و بما جئت به فكل أمره إلى الله عن الحسن و قيل معناه إلا من تولى و كفر فلست له بمذكر لأنه لا يقبل منك فكأنك لست تذكره «فيعذبه الله

العذاب الأكبر» و هو الخلود في النار و لا عذاب أعظم منها ثم ذكر سبحانه أن مرجعهم إليه فقال «إن إلينا إيابهم» أي مرجعهم و مصيرهم بعد الموت «ثم إن علينا حسابهم» أي جزاءهم على أعمالهم فهذا جامع بين الوعد و الوعيد و معناه لا يهمنك أمرهم فإنهم و إن عاندوك و آذوك فمصير جميعهم إلى حكمنا لا يفوتوننا و مجازاتهم علينا و عن قريب تقر عينك بما تراه في أعدائك.

النظم

يسأل كيف يتصل ذكر الإبل و ما بعدها بذكر وصف الجنان و نعيمها ( و الجواب ) إنه يتصل بأول السورة و الضمير في قوله «ينظرون» عائد إلى الذين وصفهم بقوله «عاملة ناصبة» و أنه لما ذكر عقابهم و ثواب المؤمنين عاد عليهم بالاحتجاج بالإبل و السماء و الأرض و الجبال و كيفية دلالتها على وجود الصانع الحكيم يريد هلا نظر هؤلاء في صنائع الله فيعرفونه و يعبدونه عن أبي مسلم و قيل إنه لما ذكر سرر الجنة و ارتفاعها تعجبوا من ذلك و قالوا كيف يصعد عليها فأراهم الله سبحانه الإبل و أنه كيف سخرت لبني آدم مع عظمها حتى أنيخت للحمل عليها و تقوم بعد ذلك و كيف أحكم الله خلق السماوات و الأرض و الجبال ردا على أولئك القوم و إنما خص سبحانه هذه الأشياء بالذكر لاستواء الناس كلهم في معرفتها.