۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الإنشقاق، آية ٧

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٢٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتۡ ١ وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا وَحُقَّتۡ ٢ وَإِذَا ٱلۡأَرۡضُ مُدَّتۡ ٣ وَأَلۡقَتۡ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتۡ ٤ وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا وَحُقَّتۡ ٥ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ ٧ فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا ٨ وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا ٩ وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ ١٠ فَسَوۡفَ يَدۡعُواْ ثُبُورٗا ١١ وَيَصۡلَىٰ سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُۥ كَانَ فِيٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورًا ١٣ إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ١٤ بَلَىٰٓۚ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرٗا ١٥ فَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلشَّفَقِ ١٦ وَٱلَّيۡلِ وَمَا وَسَقَ ١٧ وَٱلۡقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ ١٨ لَتَرۡكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٖ ١٩ فَمَا لَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٠ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقُرۡءَانُ لَا يَسۡجُدُونَۤ۩ ٢١ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ ٢٢ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٤ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونِۭ ٢٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ إِذَا السمَاءُ انشقّت (1) وَ أَذِنَت لِرَبهَا وَ حُقّت (2) وَ إِذَا الأَرْض مُدّت (3) وَ أَلْقَت مَا فِيهَا وَ تخَلّت (4) وَ أَذِنَت لِرَبهَا وَ حُقّت (5) يَأَيّهَا الانسنُ إِنّك كادِحٌ إِلى رَبِّك كَدْحاً فَمُلَقِيهِ (6) فَأَمّا مَنْ أُوتىَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسوْف يحَاسب حِساباً يَسِيراً (8) وَ يَنقَلِب إِلى أَهْلِهِ مَسرُوراً (9) وَ أَمّا مَنْ أُوتىَ كِتَبَهُ وَرَاءَ ظهْرِهِ (10) فَسوْف يَدْعُوا ثُبُوراً (11) وَ يَصلى سعِيراً (12) إِنّهُ كانَ فى أَهْلِهِ مَسرُوراً (13) إِنّهُ ظنّ أَن لّن يحُورَ (14) بَلى إِنّ رَبّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (15) فَلا أُقْسِمُ بِالشفَقِ (16) وَ الّيْلِ وَ مَا وَسقَ (17) وَ الْقَمَرِ إِذَا اتّسقَ (18) لَترْكَبنّ طبَقاً عَن طبَقٍ (19) فَمَا لهَُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَ إِذَا قُرِئَ عَلَيهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسجُدُونَ (21) بَلِ الّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلا الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ لهَُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونِ (25)

القراءة

قرأ أبو جعفر و أهل العراق غير الكسائي «يصلى» بالتخفيف بفتح الياء و الباقون يصلى بضم الياء و التشديد و قرأ ابن كثير و أهل الكوفة غير عاصم لتركبن بفتح الباء و الباقون بضم الباء.

الحجة

قال أبو علي حجة يصلى مشددة اللام ثم الجحيم صلوه و حجة «يصلى» و سيصلون سعيرا اصلوها اليوم و هذا كثير في التنزيل و حجة «لتركبن» قول ابن عباس لتركبن السماء حالا بعد حال مرة كالمهل و مرة كالدهان و ابن مسعود لتركبن يا محمد طبقا عن طبق و مجاهد لتركبن أمرا بعد أمر و الحسن أي حالا عن حال و منزلا عن منزل أبو عبيدة لتركبن سنة من كان قبلكم أبو علي من فتح الباء أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و من ضم الباء أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و غيره و الضم يأتي على معنى المفتوحة و فسروا طبقا عن طبق حالا بعد حال و مثل ما فسروا من أن معنى عن معنى بعد قول الأعشى:

{ساد و ألفى رهطه سادة --- و كابرا سادوك عن كابر}

المعنى كابرا بعد كابر فعن متعلق بسادوك و لا يكون متعلقا بكابر و قد بينوا ذلك في قول النابغة:

{بقية قدر من قدور تورثت --- لآل الجلاح كابرا بعد كابر}

و قالوا عرق عن الحمى أي بعدها.

اللغة

الانشقاق افتراق امتداد عن التئام فكل انشقاق افتراق و ليس كل افتراق انشقاقا و الأذن الاستماع تقول العرب أذن لك هذا الأمر أذنا بمعنى استمع لك قال عدي بن زيد:

{في سماع يأذن الشيخ له --- وحديث مثل ماذي مشار}

وقال أيضا:

{أيها القلب تعلل بددن --- إن همي في سماع وأذن}

وقال آخر

وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا و الكدح السعي الشديد في الأمر و الدأب في العمل و يقال كدح الإنسان في عمله يكدح و ثور فيه كدوح أي آثار من شدة السعي قال ابن مقبل:

{وما الدهر إلا تارتان فمنهما --- أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح}

و الحور الرجوع حار يحور إذا رجع و كلمته فما حار جوابا أي ما رد جوابا و نعوذ بالله من الحور بعد الكور أي من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة و التمام و حوره إذا رده إلى البياض و المحور البكرة تدور حتى ترجع إلى مكانها و الشفق هو الحمرة بين المغرب و العشاء الآخرة و هو قول مالك و الشافعي و الأوزاعي و أبي يوسف و محمد و هو قول الخليل و هو المروي عن أئمة الهدى (عليهم السلام) و قال ثعلب هو البياض و هو قول أبي حنيفة قال الفراء سمعت بعض العرب تقول الثوب أحمر كأنه الشفق و قال الشاعر

{أحمر اللون كمحمر الشفق}

و قال آخر:

{قم يا غلام أعني غير محتشم --- على الزمان بكأس حشوها شفق}

و أصل الشفق الرقة و مثله التشفيق و هو الرقة على خلل فيه و أشفق على كذا إذا رق عليه و خاف هلاكه و ثوب شفق رقيق فالشفق هو الحمرة الرقيقة في المغرب بعد مغيب الشمس و الوسق الجمع وسقته أسقه إذا جمعته و طعام موسوق أي مجموع و الوسق الطعام المجتمع الكثير مما يكال أو يوزن و مقداره ستون صاعا و الاتساق الاجتماع على تمام افتعال من الوسق و أصل الطبق الحال و العرب تسمي الدواهي أم طبق و بنات طبق قال

قد طرقت ببكرها أم طبق و قال في أن الطبق الحال:

{الصبر أحمد و الدنيا مفجعة --- من ذا الذي لم يذق من عيشه رنقا} {إذا صفا لك من مسرورها طبق --- أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا}

و قال آخر:

{إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره --- و ساقني طبق منه إلى طبق} {فلست أصبو إلى خل يفارقني --- و لا تقبض أحشائي من الفرق}

الإعراب

قال الزجاج جواب إذا يدل عليه قوله «فملاقيه» و المعنى إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله و الهاء في قوله «فملاقيه» يجوز أن يكون تقديره فملاق ربك و يجوز أن يكون فملاق كدحك أي عملك و سعيك و قوله «كادح إلى ربك كدحا» قيل إن إلى هنا بمعنى اللام و الوجه الصحيح فيه أن يكون محمولا على المعنى لأن معناه ساع إلى ربك سعيا على أنه يحتمل أن يكون إلى متعلقة بمحذوف و يكون التقدير إنك كادح لنفسك صائر إلى ربك كما أن قوله «و تبتل إليه» يكون على معنى تبتل من الخلق راجعا إلى الله تعالى أو راغبا إليه و قوله «يدعو ثبورا» معناه أنه يقول يا ثبوراه فكأنه يدعوه و يقول يا ثبور تعال فهذا أوانك مثل ما قيل في يا حسرتي فعلى هذا يكون ثبورا مفعولا به «أن لن يحور» تقديره أنه لن يحور فهي مخففة من الثقيلة و لا يجوز أن تكون أن الناصبة للفعل لأنه لا يجوز أن يجتمع عاملان على كلمة واحدة و قوله «فما لهم» مبتدأ و خبر و «لا يؤمنون» جملة منصوبة الموضع على الحال و التقدير أي شيء استقر لهم غير مؤمنين.

المعنى

«إذا السماء انشقت» أي تصدعت و انفرجت و انشقاقها من علامات القيامة و ذكر ذلك في مواضع من القرآن «و أذنت لربها» أي سمعت و أطاعت في الانشقاق عن ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد و قتادة و هذا توسع أي كأنها سمعت و انقادت لتدبير الله «و حقت» أي و حق لها أن تأذن بالانقياد لأمر ربها الذي خلقها و تطيع له «و إذا الأرض مدت» أي بسطت باندكاك جبالها و آكامها حتى تصير كالصحيفة الملساء و قيل إنها تمد مد الأديم العكاظي و تزاد في سعتها عن ابن عباس و قيل سويت فلا بناء و لا جبل إلا دخل فيها عن مقاتل «و ألقت ما فيها» من الموتى و الكنوز مثل و أخرجت الأرض أثقالها عن قتادة و مجاهد «و تخلت» أي خلت فلم يبق في بطنها شيء و قيل معناه ألقت ما في بطنها من كنوزها و معادنها و تخلت مما على ظهرها من جبالها و بحارها «و أذنت لربها و حقت» ليس هذا بتكرار لأن الأول في صفة السماء و الثاني في صفة الأرض و هذا كله من أشراط الساعة و جلائل الأمور التي تكون فيها و التقدير إذا كانت هذه الأشياء التي ذكرناها و عددناها رأي الإنسان ما قدم من خير أو شر و يدل على هذا المحذوف قوله «يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا» أي ساع إليه في عملك و قوله «يا أيها الإنسان» خطاب لجميع المكلفين من ولد آدم يقول الله لهم سبحانه و لكل واحد منهم يا أيها الإنسان إنك عامل عملا في مشقة لتحمله إلى الله و توصله إليه «فملاقيه» أي ملاق جزاءه جعل لقاء جزاء العمل لقاء له تفخيما لشأنه و قيل معناه ملاق ربك أي صائر إلى حكمه حيث لا حكم إلا حكمه و قال ابن الأنباري و البلخي جواب إذا قوله «أذنت لربها و حقت» و الواو زائدة كقوله «حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها» و هذا ضعيف و الأول هو الوجه ثم قسم سبحانه أحوال لخلق يوم القيامة فقال «فأما من أوتي كتابه بيمينه» أي من أعطي كتابه الذي ثبت فيه أعماله من طاعة أو معصية بيده اليمني «فسوف يحاسب حسابا يسيرا» يريد أنه لا يناقش في الحساب و لا يواقف على ما عمل من الحسنات و ما له عليها من الثواب و ما حط عنه من الأوزار إما بالتوبة أو بالعفو و قيل الحساب اليسير التجاوز عن السيئات و الإثابة على الحسنات و من نوقش الحساب عذب في خبر مرفوع و في رواية أخرى يعرف عمله ثم يتجاوز عنه و في حديث آخر ثلاث من كن فيه حاسبه الله حسابا يسيرا و أدخله الجنة برحمته قالوا و ما هي يا رسول الله قال تعطي من حرمك و تصل من قطعك و تعفو عمن ظلمك «و ينقلب» بعد الفراغ من الحساب «إلى أهله مسرورا» بما أوتي من الخير و الكرامة و المراد بالأهل هنا ما أعد الله له من الحور العين و قيل أهله أزواجه و أولاده و عشائره و قد سبقوه إلى الجنة و السرور هو الاعتقاد و العلم بوصول نفع إليه أو دفع ضرر عنه في المستقبل و قال قوم هو معنى في القلب يلتذ

###

لأجله بنيل المشتهى يقال سر بكذا من مال أو ولد أو بلوغ أمل فهو مسرور «و أما من أوتي كتابه وراء ظهره» لأن يمينه مغلولة إلى عنقه و تكون يده اليسرى خلف ظهره عن الكلبي و قيل تخلع يده اليسرى خلف ظهره عن مقاتل و الوجه في ذلك أن تكون إعطاء الكتاب باليمين أمارة للملائكة و المؤمنين لكون صاحبه من أهل الجنة و لطفا للخلق في الأخبارية و كناية عن قبول أعماله و إعطاؤه على الوجه الآخر أمارة لهم على أن صاحبه من أهل النار و علامة المناقشة في الحساب و سوء المآب ثم حكى سبحانه ما يحل به فقال «فسوف يدعو ثبورا» أي هلاكا إذا قرأ كتابه و هو أن يقول وا ثبوراه وا هلاكاه «و يصلى سعيرا» أي يدخل النار و يعذب بها عن الجبائي و قيل يصير صلاء النار المسعرة و قيل يلزم النار معذبا على وجه التأبيد «إنه كان في أهله مسرورا» في الدنيا ناعما لا يهمه أمر الآخرة و لا يتحمل مشقة العبادة فأبدله الله بسروره غما باقيا لا ينقطع و كان المؤمن مهتما بأمر الآخرة فأبدله الله بهمه سرورا لا يزول و لا يبيد و قيل كان مسرورا بمعاصي الله تعالى لا يندم عليها عن الجبائي و قيل إن من عصى و سر بمعصية الله فقد ظن أنه لا يرجع إلى البعث و لو كان موقنا بالبعث و الجزاء لكان بعيدا عن السرور بالمعاصي «إنه ظن أن لن يحور» أي ظن في دار التكليف أنه لم يرجع إلى حال الحياة في الآخرة للجزاء فارتكب المأثم و انتهك المحارم و قال مقاتل حسب أن لا يرجع إلى الله فقال سبحانه «بلى» ليحورن و ليبعثن و ليس الأمر على ما ظنه «إن ربه كان به بصيرا» من يوم خلقه إلى أن يبعثه قال الزجاج كان به بصيرا قبل أن يخلقه عالما بأن مرجعه إليه ثم أقسم سبحانه فقال «فلا أقسم» سبق بيانه في سورة القيامة «بالشفق» أي بالحمرة التي تبقى عند المغرب في الأفق و قيل البياض «و الليل و ما وسق» أي و ما جمع و ضم مما كان منتشرا بالنهار في تصرفه و ذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى ماواه عن عكرمة و غيره و قيل و ما ساق لأن ظلمة الليل تسوق كل شيء إلى مسكنه عن الضحاك و مقاتل و قيل «و ما وسق» أي طرد من الكواكب فإنها تظهر بالليل و تخفى بالنهار و أضاف ذلك إلى الليل لأن ظهورها فيه مطرد عن أبي مسلم «و القمر إذا اتسق» أي إذا استوى و اجتمع و تكامل و تم قال الفراء اتساقه امتلاءه و اجتماعه و استواؤه لثلاث عشرة إلى ست عشرة «لتركبن طبقا عن طبق» هذا جواب القسم أي لتركبن يا محمد سماء بعد سماء تصعد فيها عن ابن عباس و ابن مسعود و مجاهد و الشعبي و الكلبي و يجوز أن يريد درجة بعد درجة و رتبة بعد رتبة في المقربة من الله و رفعة المنزلة عنده و روى مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقرأ لتركبن بفتح الباء «طبقا عن طبق» قال يعني نبيكم حالا بعد حال رواه البخاري في الصحيح و من قرأ بالضم فالخطاب للناس أي لتركبن حالا بعد حال و منزلا بعد منزل و أمرا بعد أمر يعني في الآخرة

و المراد أن الأحوال تتقلب بهم فيصيرون على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا و عن بمعنى بعد كما قال سبحانه «عما قليل ليصبحن نادمين» أي بعد قليل.

و قال الشاعر:

{قربا مربط النعامة مني --- لقحت حرب وائل عن حيال}

أي بعد حيال و قيل معناه شدة بعد شدة حياة ثم موت ثم بعث ثم جزاء و روي ذلك مرفوعا و قيل أمرا بعد أمر و رخاء بعد شدة و شدة بعد رخاء و فقرا بعد غنى و غنى بعد فقر و صحة بعد سقم و سقما بعد صحة عن عطا و قيل حالا بعد حال نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم خلقا آخر ثم جنينا ثم وليدا ثم رضيعا ثم فطيما ثم يافعا ثم ناشئا ثم مترعرعا ثم حزورا ثم مراهقا ثم محتلما ثم بالغا ثم أمرد ثم طارا ثم باقلا ثم مسيطرا ثم مطرخما ثم مختطا ثم صملا ثم ملتحيا ثم مستويا ثم مصعدا ثم مجتمعا و الشاب يجمع ذلك كله ثم ملهوزا ثم كهلا ثم أشمط ثم شيخا ثم أشيب ثم حوقلا ثم صفتانا ثم هما ثم هرما ثم ميتا فيشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن يموت على سبعة و ثلاثين اسما و قيل معناه لتحدثن أمرا لم تكونوا عليه في كل عشرين سنة عن مكحول و قيل معناه لتركبن منزلة عن منزلة و طبقة عن طبقة و ذلك أن من كان على صلاح دعاه ذلك إلى صلاح فوقه و من كان إلى فساد دعاه إلى فساد فوقه لأن كل شيء يجر إلى شكله و قيل لتركبن سنن من كان قبلكم من الأولين و أحوالهم عن أبي عبيدة و روي ذلك عن الصادق (عليه السلام) و المعنى أنه يكون فيكم ما كان فيهم و يجري عليكم ما جرى عليهم حذو القذة بالقذة ثم قال سبحانه على وجه التقريع لهم و التبكيت «فما لهم» يعني كفار قريش «لا يؤمنون» بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و القرآن و المعنى أي شيء لهم إذا لم يؤمنوا و هو استفهام إنكار أي لا شيء لهم من النعيم و الكرامة إذا لم يؤمنوا و قيل معناه فما وجه الارتياب الذي يصرفهم عن الإيمان و هو تعجب منهم في تركهم الإيمان و المراد أي مانع لهم و أي عذر لهم في ترك الإيمان مع وضوح الدلائل «و إذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون» عطف على قوله «فما لهم لا يؤمنون» أي ما الذي يصرفهم عن الإيمان و عن

السجود لله تعالى إذا تلي عليهم القرآن و قيل معنى لا يسجدون لا يصلون لله تعالى عن عطا و الكلبي و في خبر مرفوع عن أبي هريرة قال قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا السماء انشقت فسجد ثم قال سبحانه «بل الذين كفروا يكذبون» أي لم يتركوا الإيمان لقصور في البيان أو لانقطاع من البرهان لكنهم قلدوا أسلافهم و رؤساءهم في التكذيب بالرسول و القرآن «و الله أعلم بما يوعون» أي يجمعون في صدورهم و يضمرون في قلوبهم من التكذيب و الشرك عن ابن عباس و قتادة و مقاتل و قيل بما يجمعون من الأعمال الصالحة و السيئة عن ابن زيد قال الفراء أصل الإيعاء جعل الشيء في وعاء و القلوب أوعية لما يحصل فيها من علم أو جهل و في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها ثم قال «فبشرهم» يا محمد «بعذاب أليم» أي اجعل ذلك لهم بدل البشارة للمؤمنين بالرحمة ثم استثنى سبحانه المؤمنين من جملة المخاطبين فقال «إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون» أي غير منقوص و لا مقطوع لأن نعيم الآخرة غير منقطع عن ابن عباس و قيل غير منقص و لا مكدر بالمن عن الجبائي و روي ذلك عن الحسن و قيل له من و لا منة و إنما قيل له من و له منة لأنه يقطع عن شكر النعمة و أصل المن القطع يقال مننت الحبل إذا قطعته قال لبيد:

{لمعفر قهد تنازع شلوه --- غبس كواسب ما يمن طعامها}

و قيل ليس لأحد عليها منة فيما يكسب و في قوله سبحانه «فما لهم لا يؤمنون» و «لا يسجدون» دلالة على أن الإيمان و السجود فعلهم لأن الحكيم لا يقول ما لك لا تؤمن و لا تسجد لمن يعلم أنه لا يقدر على الإيمان و السجود و لو وجد ذلك لم يكن من فعله و يدل قوله «لا يسجدون» على أن الكفار مخاطبون بالعبادات.

النظم

وجه اتصال قوله «إن ربه كان به بصيرا» بما قبله أنه سبحانه لما أخبر عن ظن الكافر أن لن يحور عقبه بالإخبار بأنه يحور و القطع عليه و ذكر أنه بصير به و قيل أن تقديره بلى سيرجع إلى الآخرة و ربه بصير بأحواله فسيجازيه بأعماله.