۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المطففين، آية ٧

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٧

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ ١ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ ٢ وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ ٣ أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ ٤ لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦ كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ ٧ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سِجِّينٞ ٨ كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ٩ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٠ ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣ كـَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤ كـَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ ١٦ ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ١٧

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَيْلٌ لِّلْمُطفِّفِينَ (1) الّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلى النّاسِ يَستَوْفُونَ (2) وَ إِذَا كالُوهُمْ أَو وّزَنُوهُمْ يخْسِرُونَ (3) أَ لا يَظنّ أُولَئك أَنهُم مّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النّاس لِرَب الْعَلَمِينَ (6) َكلا إِنّ كِتَب الفُجّارِ لَفِى سِجِّينٍ (7) وَ مَا أَدْرَاك مَا سجِّينٌ (8) كِتَبٌ مّرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (10) الّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَ مَا يُكَذِّب بِهِ إِلا كلّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلى عَلَيْهِ ءَايَتُنَا قَالَ أَسطِيرُ الأَوّلِينَ (13) َكلا بَلْ رَانَ عَلى قُلُوبهِم مّا كانُوا يَكْسِبُونَ (14) َكلا إِنهُمْ عَن رّبهِمْ يَوْمَئذٍ لمَّحْجُوبُونَ (15) ثمّ إِنهُمْ لَصالُوا الجَْحِيمِ (16) ثمّ يُقَالُ هَذَا الّذِى كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (17)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم إلا يحيى ران بكسر الراء و الباقون بفتحها.

اللغة

التطفيف نقص المكيال و الميزان و الطفيف الشيء النزر القليل مأخوذ من طف الشيء و هو جانبه و في الحديث كلكم بنو آدم طف الصاع لم تملؤوه فليس لأحد فضل إلا بالتقوى و طف الصاع قريب من ملئه أي بعضكم قريب من بعض و إناء طفان إذا لم يكن ملآن و الاكتيال الأخذ بالكيل و نظيره الاتزان و هو الأخذ بالوزن و «إذا كالوهم أو وزنوهم» كان عيسى بن عمر يجعل هم فصلا في موضع رفع أو تأكيدا للضمير في كالوا أو وزنوا و الباقون يجعلونها ضمير المنصوب و هو الصحيح و أهل الحجاز يقولون وزنتك حقك و كلتك طعامك و عليه جاء التنزيل و غيرهم يقول وزنت لك و كلت لك و يقال أخسرت الميزان و خسرته أي نقصت في الوزن و السجين فعيل من السجن قال ابن مقبل

ضربا تواصي به الأبطال سجينا أي شديدا و قيل السجين هو السجن على التخليد فيه لأن هذا الوزن للمبالغة قالوا شريب و سكير و شرير و الرقم طبع الخط بما فيه علامة الأمر يقال رقمت الثوب أرقمه رقما و الرين أصله الغلبة ران على قلبه أي غلب عليه و الخمر ترين على قلب السكران و الموت يرين على الميت فيذب به و في حديث عمر بن الخطاب أنه قال في أسيفع جهينة لما ركبه الدين أدان معرضا فأصبح قد رين به أي أحاط الدين بماله حتى غلبه.

الإعراب

«يوم يقوم الناس» منصوب بقوله «مبعوثون» أي ألا يظنون أنهم مبعوثون يوم القيامة و قيل في أصل كلا قولان ( أحدهما ) أنها كلمة واحدة من غير تركيب وضعت للردع و الزجر و جرت مجرى الأصوات نحو صه و مه و نحوهما ( و الثاني ) أن يكون الكاف للتشبيه دخلت على لا و شددت للمبالغة في الزجر مع الإيذان بتركيب اللفظ.

النزول

قيل لما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله عز و جل «ويل للمطففين» فأحسنوا الكيل بعد ذلك عن عكرمة عن ابن عباس و قيل إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قدم المدينة و بها رجل يقال له أبو جهينة و معه صاعان يكيل بأحدهما و يكتال بالآخر فنزلت الآيات عن السدي.

المعنى

«ويل للمطففين» و هم الذين ينقصون المكيال و الميزان و يبخسون الناس حقوقهم في الكيل و الوزن قال الزجاج و إنما قيل له مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال و الميزان إلا الشيء اليسير الطفيف ثم فسر المطففين فقال «الذين إذا اكتالوا على الناس» أي إذا كالوا ما على الناس ليأخذوه لأنفسهم «يستوفون» عليهم الكيل و لم يذكر اتزنوا لأن الكيل و الوزن بهما الشراء و البيع فأحدهما يدل على الآخر «و إذا كالوهم أو وزنوهم» أي كالوا لهم أو وزنوا لهم «يخسرون» أي ينقصون و المعنى أنهم إذا كالوا أو وزنوا لغيرهم نقصوا تقول كلتك و كلت لك كما تقول نصحتك و نصحت لك و يروى عن ابن مسعود أنه قال الصلاة مكيال فمن وفى وفى الله له و من طفف قد سمعتم ما قال الله في المطففين ثم عجب الله خلقه من غفلة هؤلاء حيث فارقوا أمر الله و طريقة العدل فقال «أ لا يظن» أي أ لا يعلم «أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم» و هو يوم القيامة يريد أ لا يستيقن من فعل هذا أنه مبعوث محاسب عن ابن عباس ثم أخبر عن ذلك اليوم فقال «يوم يقوم الناس لرب العالمين» و المعنى يوم يقوم الناس من قبورهم لأمر رب العالمين و لجزائه أو حسابه و جاء في الحديث أنهم يقومون في رشحهم إلى إنصاف آذانهم و في حديث آخر يقومون حتى يبلغ الرشح إلى أطراف آذانهم و يحتمل أن يكون المراد أيضا أ لا يحسب أولئك لأن من ظن الجزاء و البعث و قوي ذلك في نفسه و إن لم يكن عالما به فإنه يجب عليه أن يتحرز خوفا من العقاب الذي يجوزه و يظنه كما أن من ظن العطب في سلوك طريق فواجب عليه أن يتجنب سلوكه و في الحديث عن سليم بن عامر عن المقداد بن الأسود قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون الشمس بقدر ميل أو ميلين قال سليم فلا أدري أ مسافة الأرض أم الميل الذي تكحل به العين ثم قال صهرتهم الشمس فيكونون في

العرق بقدر أعمالهم فمنهم من يأخذه إلى عقبه و منهم من يلجمه إلجاما قال فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يشير بيده إلى فيه قال يلجمه إلجاما أورده مسلم في الصحيح و روي أن ابن عمر قرأ «ويل للمطففين» حتى بلغ «يوم يقوم الناس لرب العالمين» فبكى حتى خر و امتنع من القراءة «كلا» هو ردع و زجر أي ارتدعوا و انزجروا عن المعاصي فليس الأمر على ما أنتم عليه تم الكلام هاهنا و عند أبي حاتم و سهل كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقا «إن كتاب الفجار لفي سجين» يعني كتابهم الذي فيه ثبت أعمالهم من الفجور و المعاصي عن الحسن و قيل معناه أنه كتب في كتابهم أنهم يكونون في سجين و هي في الأرض السابعة السفلى عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الضحاك و عن البراء بن عازب قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سجين أسفل سبع أرضين و قال شمر بن عطية جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال أخبرني عن قول الله تعالى «إن كتاب الفجار لفي سجين» قال إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها ثم يهبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن تقبلها فتدخل سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجين و هو موضع جند إبليس و المعنى في الآية أن كتاب عملهم يوضع هناك و قيل إن سجين جب في جهنم مفتوح و الفلق جب في جهنم مغطى رواه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قيل السجين اسم لكتابهم و هو ظاهر التلاوة أي ما كتبه الله على الكفار بمعنى أوجبه عليهم من الجزاء في هذا الكتاب المسمى سجينا و يكون لفظه من السجن الذي هو الشدة عن أبي مسلم و الذي يدل على أن العرب ما كانت تعرفه و هو قوله «و ما أدريك ما سجين» أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت و لا قومك عن الزجاج ثم قال مفسرا لذلك «كتاب مرقوم» أي كتاب معلوم كتب فيه ما يسؤهم و يسخن أعينهم و قيل مرقوم معناه رقم لهم بشر كأنه أعلم بعلامة يعرف بها الكافر و الوجه الصحيح أن قوله «كتاب مرقوم» ليس تفسيرا لسجين لأنه ليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء و إنما هو تفسير للكتاب المذكور في قوله «إن كتاب الفجار» على تقدير و هو كتاب مرقوم أي مكتوب قد تبينت حروفه «ويل يومئذ للمكذبين» و هذا تهديد لمن كذب بالجزاء و البعث و لم يصدق و ذكر صاحب النظم أن هذا منتظم بقوله «يوم يقوم الناس» و أن قوله «كلا إن كتاب الفجار» و ما اتصل به اعتراض بينهما ثم فسر سبحانه المكذبين فقال «الذين يكذبون بيوم الدين» أي يوم الجزاء فإن من كذب بالباطل لا يتوجه إليه الوعيد بل هو ممدوح ثم قال «و ما يكذب به» أي لا يكذب بيوم الجزاء «إلا كل معتد» أي متجاوز للحق إلى الباطل «أثيم» كثير الإثم مبالغ في ارتكابه ثم وصف المعتدي الأثيم بقوله «إذا تتلى عليه آياتنا» و هي القرآن «قال أساطير الأولين» أي أباطيل الأولين و التقدير قال هذا أساطير الأولين أي ما سطره الأولون و كتبوه مما لا أصل له «كلا» لا

###

يؤمنون و قيل ليس الأمر على ما قالوه ثم استأنف فقال «بل ران على قلوبهم» أي غلب عليها «ما كانوا يكسبون» و المعنى غلب ذنوبهم على قلوبهم و قيل إن معنى الرين هو الذنب على الذنب حتى يموت القلب عن الحسن و قتادة و قال الفراء كثرت المعاصي منهم و الذنوب و أحاطت بقلوبهم فذلك الرين عليها و عن عبد الله بن مسعود قال إن الرجل ليذنب الذنب فتنكت على قلبه نكتة سوداء ثم يذنب الذنب فتنكت نكتة أخرى حتى يصير قلبه على لون الشاة السوداء و روى العياشي بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال ما من عبد مؤمن إلا و في قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب ذنبا خرج في تلك النكتة نكتة سوداء فإذا تاب ذهب ذلك السواد و إن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا و هو قول الله تعالى «كلا بل ران على قلوبهم» الآية و قال أبو عبد الله (عليه السلام) يصدأ القلب فإذا ذكرته بآلاء الله انجلى عنه و قال أبو مسلم أن اعتيادهم الكفر و ألفتهم له و غفلتهم صار غطاء على قلوبهم فلا يعقلون ما ينفعهم لأن ترك النظر في العواقب و كثرة المعاصي و الانهماك في الفسق يقوي الدواعي في الإعراض عن التوبة و الإيلاع بالذنوب فصار ذلك كالغالب على القلوب الرائن عليها و قال أبو القاسم البلخي و في الآية دلالة على صحة ما يقوله أهل العدل في تفسير الطبع على القلوب و الختم عليها و الإضلال لأنه تعالى أخبر أن أعمالهم السيئة و ما كانوا يكسبونه من القبيح ران على قلوبهم «كلا» يريد لا يصدقون عن ابن عباس ثم استأنف «إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون» يعني أن هؤلاء الذين وصفهم بالكفر و الفجور محجوبون يوم القيامة عن رحمة ربهم و إحسانه و كرامته عن الحسن و قتادة و قيل ممنوعون من رحمته مدفوعون عن ثوابه غير مقبولين و لا مرضيين عن أبي مسلم و قيل محرومون عن ثوابه و كرامته عن علي (عليه السلام) «ثم إنهم» بعد أن منعوا من الثواب و الكرامة «لصالوا الجحيم» أي لازموا الجحيم بكونهم فيها لا يغيبون عنها و قال أبو مسلم لصائرون صلاها أي وقودها «ثم يقال» لهم توبيخا و تبكيتا «هذا الذي» فعل بكم من العذاب و العقاب «الذي كنتم به تكذبون» في دار التكليف و يسمى مثل هذا الخطاب تقريعا لأنه خبر بما يقرع بشدة الغم على وجه الذم.