۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة التكوير، آية ٦

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِذَا ٱلشَّمۡسُ كُوِّرَتۡ ١ وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتۡ ٢ وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ سُيِّرَتۡ ٣ وَإِذَا ٱلۡعِشَارُ عُطِّلَتۡ ٤ وَإِذَا ٱلۡوُحُوشُ حُشِرَتۡ ٥ وَإِذَا ٱلۡبِحَارُ سُجِّرَتۡ ٦ وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتۡ ٧ وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ ٨ بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ ٩ وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتۡ ١٠ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتۡ ١١ وَإِذَا ٱلۡجَحِيمُ سُعِّرَتۡ ١٢ وَإِذَا ٱلۡجَنَّةُ أُزۡلِفَتۡ ١٣ عَلِمَتۡ نَفۡسٞ مَّآ أَحۡضَرَتۡ ١٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ إِذَا الشمْس كُوِّرَت (1) وَ إِذَا النّجُومُ انكَدَرَت (2) وَ إِذَا الجِْبَالُ سيرَت (3) وَ إِذَا الْعِشارُ عُطلَت (4) وَ إِذَا الْوُحُوش حُشِرَت (5) وَ إِذَا الْبِحَارُ سجِّرَت (6) وَ إِذَا النّفُوس زُوِّجَت (7) وَ إِذَا الْمَوْءُدَةُ سئلَت (8) بِأَى ذَنبٍ قُتِلَت (9) وَ إِذَا الصحُف نُشِرَت (10) وَ إِذَا السمَاءُ كُشِطت (11) وَ إِذَا الجَْحِيمُ سعِّرَت (12) وَ إِذَا الجَْنّةُ أُزْلِفَت (13) عَلِمَت نَفْسٌ مّا أَحْضرَت (14)

القراءة

قرأ ابن كثير و أهل البصرة سجرت بالتخفيف و الباقون بالتشديد و قرأ أهل المدينة و ابن عامر و عاصم و يعقوب و سهل «نشرت» بالتخفيف و الباقون بالتشديد و قرأ أهل المدينة و ابن عامر و رويس و عاصم غير يحيى و حماد «سعرت» بالتشديد و الباقون بالتخفيف و قرأ أبو جعفر قتلت بالتشديد و الباقون بالتخفيف و روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و إذا المودة سئلت بفتح الميم و الواو و روي ذلك عن ابن عباس أيضا و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و إذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت و هو قراءة ابن عباس و يحيى بن يعمر و مجاهد و أبي الضحى و جابر بن زيد.

الحجة

قال أبو علي حجة سجرت قوله و البحر المسجور و قيل في البحر المسجور أنه الفارغ و المتتلىء و منه الممتلىء قول الشاعر في صفة وعل:

{إذا شاء طالع مسجورة --- ترى حولها النبع و الساسما}

و حجة تشديد نشرت قوله صحفا منشرة و حجة سعرت بالتخفيف قوله «و كفى بجهنم سعيرا» فسعير فعيل بمعنى مفعول و هذا إنما يجيء من فعل و حجة من قال «سجرت» أن الفعل مسند إلى ضمير كثرة من باب غلقت الأبواب و حجة «نشرت» خفيفة قوله في رق منشور و حجة «سعرت» مشددة كلما خبت زدناهم سعيرا فهذا يدل على كثرة و شيء بعد شيء فحقه التشديد و من قرأ و إذا الموءودة سألت بفتح السين جعل الموءودة موصوفة بالسؤال و بالقول «بأي ذنب قتلت» و يمكن أن يكون الله سبحانه أكملها في تلك الحال و أقدرها على النطق حتى قالت ذلك القول و يعضده ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال يجيء المقتول ظلما يوم القيامة و أوداجه تشخب دما اللون لون الدم و الريح ريح المسك متعلقا بقاتله يقول يا رب سل هذا

فيم قتلني و من قرأ قتلت بالتشديد فالمراد به تكرار الفعل لأن المراد بالموءودة هنا الجنس فإرادة التكرار جائزة و أما من قرأ المودة بفتح الميم و الواو فالمراد بذلك الرحم و القرابة و أنه يسأل قاطعها عن سبب قطعها و روي عن ابن عباس أنه قال هو من قتل في مودتنا أهل البيت (عليهم السلام) و عن أبي جعفر (عليه السلام) قال يعني قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و من قتل في جهاد و في رواية أخرى قال هو من قتل في مودتنا و ولايتنا.

اللغة

التكوير التلفيف على جهة الاستدارة و منه كور العمامة كرت العمامة على رأسي أكورها كورا و كورتها تكويرا و طعنه فكوره إذا ألقاه مجتمعا و نعوذ بالله من الحور بعد الكور أي من النقصان بعد الزيادة و الانكدار انقلاب الشيء حتى يصير أعلاه أسفله بما لو كان ماء لتكدر و أصله الانصباب قال العجاج

أبصر خربان فضاء فانكدر و العشار جمع عشراء و هي الناقة التي قد أتى عليها عشرة أشهر من حملها و الناقة إذا وضعت لتمام ففي سنة و أصل السجر الملأ قال لبيد:

{فتوسطا عرض السري فصدعا --- مسجورة متجاورا قلامها}

أي مملوءة و تنور مسجور مملوء بالنار و الموءودة من وأد يئد وأدا و كانت العرب تئد البنات خوف الإملاق قال قتادة جاء قيس بن عاصم التميمي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية فقال فأعتق عن كل واحدة رقبة قال إني صاحب إبل قال فاهد إلى من شئت عن كل واحدة بدنة قال الجبائي إنما سميت موئودة لأنها ثقلت في التراب الذي طرح عليها حتى ماتت و هذا خطأ لأن الموءودة من وأد يئد معتل الفاء و من الثقل آده يؤده أثقله و هو معتل العين و لو كانت مأخوذة منه لقيل مئودة على وزن معوءدة و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه سئل عن العزل فقال ذاك الوأد الخفي قال الفرزدق:

{ومنا الذي منع الوائدات --- فأحيا الوئيد فلم تواد}

و قال:

{ومنا الذي أحيا الوئيد وغالب --- و عمرو و منا حاجب والأقارع}

و الكشط القلع عن شدة التزاق و الكشط و القشط واحد و في حرف عبد الله و إذا السماء قشطت و التسعير تهييج النار حتى تتأجج و منه السعر لأنه حال هيج الثمن بالارتفاع و الانحطاط.

الإعراب

ارتفعت الشمس بفعل مضمر تقديره إذا كورت الشمس كورت و لا يجوز إظهاره لأن ما بعده يفسره و إنما احتيج إلى إضمار فعل لأن في إذا معنى الشرط و الشرط يقتضي الفعل و جواب إذا قوله «علمت نفس ما أحضرت» فإذا في موضع النصب لأنه ظرف لعلمت و على هذا يجري أمثاله و الجملة التي هي الفعل المحذوف مع فاعله بعد إذا في موضع جر بإضافة إذا إليها و التقدير وقت تكوير الشمس تعلم كل نفس ما عملته و تجزى به و على هذا فهنا اثنا عشر ظرفا كلها إضافة إلى الجمل من قوله «إذا الشمس كورت» إلى قوله «و إذا الجنة أزلفت» و العامل فيها كلها قوله «علمت نفس ما أحضرت».

المعنى

أخبر الله سبحانه عن القيامة و شدائدها فقال «إذا الشمس كورت» أي ذهب ضوءها و نورها فأظلمت و اضمحلت عن ابن عباس و أبي و مجاهد و قتادة و قيل ألقيت و رمي بها عن أبي صالح و الربيع بن خثيم و قيل جمع ضوءها و لفت كما تلف العمامة عن الزجاج و المعنى أن الشمس تكور بأن يجمع نورها حتى تصير كالكارة الملقاء و يذهب ضوءها و يحدث الله تعالى للعباد ضياء غيرها «و إذا النجوم انكدرت» أي تساقطت و تناثرت عن مجاهد و قتادة و الربيع بن خثيم يقال انكدر الطائر من الهواء إذا انقض و قيل تغيرت من الكدورة عن الجبائي و الأول أولى لقوله «و إذا الكواكب انتثرت» إلا أن تقول يذهب ضوءها ثم تتناثر «و إذا الجبال سيرت» عن وجه الأرض فصارت هباء منبثا و سرابا «و إذا العشار» و هي النوق الحوامل أتت عليها عشرة أشهر و بعد الوضع تسمى عشارا أيضا و هي أنفس مال عند العرب «عطلت» أي تركت هملا بلا راع و قيل العشار السحاب تعطل فلا تمطر عن الجبائي و حكي ذلك عن أبي عمرو قال الأزهري لا أعرف هذا في اللغة «و إذا الوحوش حشرت» أي جمعت حتى يقتص لبعضها من بعض فيقتص للجماء من القرناء و يحشر الله سبحانه الوحوش ليوصل إليها ما تستحقه من الأعواض على الآلام التي نالتها في الدنيا و ينتصف لبعضها من بعض فإذا وصل إليها ما استحقته من الأعواض فمن قال أن

العوض دائم تبقى منعمة إلى الأبد و من قال تستحق العوض منقطعا فقال بعضهم يديمه الله لها تفضلا لئلا يدخل على المعوض غم بانقطاعه و قال بعضهم إذا فعل الله بها ما استحقته من الأعواض جعلها ترابا «و إذا البحار سجرت» أي أرسل عذبها على مالحها و مالحها على عذبها حتى امتلأت و قيل إن المعنى فجر بعضها في بعض فصارت البحور كلها بحرا واحدا و يرتفع البرزخ عن مجاهد و مقاتل و الضحاك و قيل سجرت أي أوقدت فصارت نارا تضطرم عن ابن عباس و قيل يبست و ذهب ماؤها فلم يبق فيها قطرة عن الحسن و قتادة و قيل ملئت من القيح و الصديد الذي يسيل من أبدان أهل النار في النار و أراد بحار جهنم لأن بحور الدنيا قد فنيت عن الجبائي «و إذا النفوس زوجت» أي قرن كل واحد منها إلى شكله و ضم إليه و النفس يعبر بها عن الإنسان و قد يعبر بها عن الروح فالمعنى قرن كل إنسان بشكله من أهل النار و بشكله من أهل الجنة عن عمر بن الخطاب و ابن عباس و مجاهد و الحسن و قتادة و قيل معناه ردت الأرواح إلى الأجساد فتصير أحياء عن عكرمة و الشعبي و أبي مسلم و قيل يقرن الغاوي بمن أغواه من إنسان أو شيطان عن الجبائي و قيل زوجت أي قرنت نفوس الصالحين من المؤمنين بالحور العين و قرنت نفوس الكافرين بالشياطين عن عطاء و مقاتل «و إذا الموءودة سئلت» يعني الجارية المدفونة حيا و كانت المرأة إذا حان وقت ولادتها حفرت حفرة و قعدت على رأسها فإن ولدت بنتا رمت بها في الحفرة و إن ولدت غلاما حبسته عن ابن عباس قال شاعرهم:

{سميتها إذ ولدت تموت --- والقبر صهر ضامن زميت}

و معنى قوله «سئلت بأي ذنب قتلت» أن الموءودة تسأل فيقال لها بأي ذنب قتلت و معنى سؤالها توبيخ قاتلها لأنها تقول قتلت بغير ذنب و يجري هذا مجرى قوله سبحانه لعيسى (عليه السلام) «أ أنت قلت للناس اتخذوني و أمي إلهين من دون الله» على سبيل التوبيخ لقومه و إقامة الحجة عليهم عن الفراء و قيل إن معنى سئلت طولب قاتلها بالحجة في قتلها و سئل عن سبب قتلها فكأنه قيل و الموءودة يسأل قاتلها بأي ذنب قتلت هذه و نظيره قوله «إن العهد كان مسئولا» أي مسئولا عنه عن أبي مسلم و على هذا فيكون القتلة هنا هم المسئولين على الحقيقة لا المقتولة و إنما المقتولة مسئول عنها «و إذا الصحف نشرت» يعني صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها أعمال أهلها من خير و شر تنشر ليقرأها أصحابها و لتظهر الأعمال فيجازوا بحسبها «و إذا السماء كشطت» أي أزيلت عن موضعها كالجلد يزال عن

الجزور ثم يطويها الله و قيل معناه قلعت كما يقلع السقف عن الزجاج و قيل كشفت عمن فيها و معنى الكشط رفعك شيئا عن شيء قد غطاه كما يكشط الجلد عن السنام «و إذا الجحيم سعرت» أوقدت و أضرمت حتى ازدادت شدة على شدة و قيل سعرها غضب الله و خطايا بني آدم عن قتادة «و إذا الجنة أزلفت» أي قربت من أهلها للدخول و قيل قربت بما فيها من النعيم فيزداد المؤمن سرورا و يزداد أهل النار حسرة «علمت نفس ما أحضرت» أي إذا كانت هذه الأشياء التي تكون في القيامة علمت في ذلك الوقت كل نفس ما وجدت حاضرا من عملها كما قالوا أحمدته وجدته محمودا و قيل علمت ما أحضرته من خير و شر و إحضار الأعمال مجاز لأنها لا تبقى و المعنى أنه لا يشذ عنها شيء فكان كلها حاضرة و قيل أن المراد صحائف الأعمال.