۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة عبس، آية ٤١

التفسير يعرض الآيات ٢٤ إلى ٤٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ ٢٤ أَنَّا صَبَبۡنَا ٱلۡمَآءَ صَبّٗا ٢٥ ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقّٗا ٢٦ فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا حَبّٗا ٢٧ وَعِنَبٗا وَقَضۡبٗا ٢٨ وَزَيۡتُونٗا وَنَخۡلٗا ٢٩ وَحَدَآئِقَ غُلۡبٗا ٣٠ وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا ٣١ مَّتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٢ فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ ٣٣ يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ ٣٦ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٞ يُغۡنِيهِ ٣٧ وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ مُّسۡفِرَةٞ ٣٨ ضَاحِكَةٞ مُّسۡتَبۡشِرَةٞ ٣٩ وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ عَلَيۡهَا غَبَرَةٞ ٤٠ تَرۡهَقُهَا قَتَرَةٌ ٤١ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَفَرَةُ ٱلۡفَجَرَةُ ٤٢

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَلْيَنظرِ الانسنُ إِلى طعَامِهِ (24) أَنّا صبَبْنَا الْمَاءَ صبّا (25) ثمّ شقَقْنَا الأَرْض شقّا (26) فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّا (27) وَ عِنَباً وَ قَضباً (28) وَ زَيْتُوناً وَ نخْلاً (29) وَ حَدَائقَ غُلْباً (30) وَ فَكِهَةً وَ أَبّا (31) مّتَعاً لّكمْ وَ لأَنْعَمِكمْ (32) فَإِذَا جَاءَتِ الصاخّةُ (33) يَوْمَ يَفِرّ المَْرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ (35) وَ صحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ (36) لِكلِّ امْرِىٍ مِّنهُمْ يَوْمَئذٍ شأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئذٍ مّسفِرَةٌ (38) ضاحِكَةٌ مّستَبْشِرَةٌ (39) وَ وُجُوهٌ يَوْمَئذٍ عَلَيهَا غَبرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَترَةٌ (41) أُولَئك هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)

القراءة

قرأ أهل الكوفة أنا صببنا بالفتح و الباقون بالكسر و في الشواذ قراءة ابن محيصن يعنيه بالعين و فتح الياء.

الحجة

قال أبو علي من كسر كان ذلك تفسيرا للنظر إلى طعامه كما أن قوله «لهم مغفرة» تفسير للوعد و من فتح فقال أنا فالمعنى على البدل بدل الاشتمال لأن هذه الأشياء مشتملة على كون الطعام و حدوثه فهو من نحو «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه» «و قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود» و قوله «و ما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره» لأن الذكر كالمشتمل على المذكور و معنى «إلى طعامه» إلى كون طعامه و حدوثه و هو موضع الاعتبار قال ابن جني قوله يعنيه بالعين قراءة حسنة إلا أن قراءة الجماعة أقوى معنى فإن الإنسان قد يعنيه الشيء و لا يغنيه عن غيره أ لا ترى أن من كان له ألف درهم فيؤخذ منها مائة درهم يعنيه أمرها و لا يغنيه عن بقية ماله أن يهتم به و يراعيه فأما إذا أغناه الأمر عن غيره فإن ذلك أقوى فاعرفه.

اللغة

الحديقة البستان المحوط و جمعه حدائق و منه قولهم أحدق به القوم إذا أحاطوا به و الغلب الغلاظ شجرة غلباء غليظة قال الفرزدق:

{عوى فأثار أغلب ضيغميا --- فويل ابن المراغة ما استثارا}

و الأب المرعى من الحشيش و سائر النبات الذي ترعاه الأنعام و الدواب و يقال أب إلى سيفه فاستله أي بدر إليه وهب إليه فيكون كبدور المرعى بالخروج قال الأعشى:

{صرمت ولم أصرمكم و كصارم --- أخ قد طوى كشحا و أب ليذهبا}

و قال في الأب:

{جذمنا قيس و نجد دارنا --- و لنا الأب بها و المكرع}

و الصاخة الصاكة لشدة صوتها الآذان فتصمها و القترة ظلمة الدخان و منه القتار ريح الشواء لأنها كالدخان.

الإعراب

«فإذا جاءت الصاخة» العامل في الظرف في قوله «لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه» أي ثبت لكل امرىء منهم ذلك في وقت مجيء الصاخة.

المعنى

لما ذكر سبحانه خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر فقال «فلينظر الإنسان إلى طعامه» الذي يأكله و يتقوته من الأطعمة الشهية اللذيذة كيف خلقها سبحانه و هيأها لرزق عباده ليفكر كيف مكنه من الانتفاع بذلك ثم بين فقال «أنا صببنا الماء صبا» أي نزلنا الغيث إنزالا «ثم شققنا الأرض شقا» بالنبات «فأنبتنا فيها» أي في الأرض «حبا» أي جنس الحبوب التي يتغذى بها و تدخر «و عنبا» خص العنب لكثرة منافعه «و قضبا» و هو ألقت الرطب يقضب مرة بعد أخرى يكون علفا للدواب عن ابن عباس و الحسن «و زيتونا» و هو ما يعصر عنه الزيت «و نخلا» جمع نخلة «و حدائق غلبا» أي و بساتين محوطة تشتمل على أشجار عظام غلاظ مختلفة و قيل غلبا ملتفة الشجر عن مجاهد «و فاكهة» يعني سائر ألوان الفواكه «و أبا» و هو المرعى و الكلأ الذي لم يزرعه الناس مما تأكله الأنعام و قيل أن الأب للأنعام كالفاكهة للناس «متاعا» أي منفعة «لكم و لأنعامكم» مر معناه ثم ذكر يوم القيامة فقال «فإذا جاءت الصاخة» يعني صيحة القيامة عن ابن عباس سميت بذلك لأنها تصخ الآذان أي تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها و قيل لأنها يصخ لها الخلق أي يستمع و قد قلب حرف التضعيف ياء لكراهية التضعيف فقالوا صاخ كما قالوا تظنيت في تظننت و تقضي البازي في تقضض ثم ذكر سبحانه في أي وقت تجيء الصاخة فقال «يوم يفر المرء من أخيه و أمه و أبيه و صاحبته» أي و زوجته «و بنيه» أي أولاده الذكور أي لا يلتفت إلى واحد من هؤلاء لعظم ما هو فيه و شغله بنفسه و إن كان في الدنيا يعتني بشأنهم و قيل يفر منهم حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه و بينهم من التبعات و المظالم و قيل لعلمه بأنهم لا ينفعونه و لا يغنون عنه شيئا و يجوز أن يكون مؤمنا و أقرباؤه من أهل النار فيعاديهم و لا يلتفت إليهم أو يفر منهم لئلا يرى ما نزل بهم من الهوان «لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه» أي لكل إنسان منهم أمر عظيم يشغله عن الأقرباء و يصرفه عنهم و معنى يغنيه يكفيه من زيادة عليه أي ليس فيه فضل لغيره لما هو فيه من الأمر الذي قد اكتنفه و ملأ صدره فصار كالغني عن الشيء في أمر نفسه لا ينازع إليه و روي عن عطاء بن يسار عن سودة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قالت قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يبعث الناس عراة حفاة غرلا يلجمهم العرق و يبلغ شحمة الآذان قالت قلت يا رسول الله وا سوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض قال شغل الناس عن ذلك و تلا رسول الله «لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه» ثم قسم سبحانه أحوال الناس في ذلك اليوم فقال «وجوه يومئذ مسفرة» أي مشرقة مضيئة «ضاحكة مستبشرة» من سرورها و فرحها بما أعد لها من الثواب و أراد بالوجوه أصحاب الوجوه «و وجوه يومئذ عليها غبرة» أي سواد و كآبة للهم

«ترهقها» أي تعلوها و تغشاها «قترة» أي سواد أو كسوف عند معاينة النار و قيل أن الغبرة ما انحطت من السماء إلى الأرض و القترة ما ارتفعت من الأرض إلى السماء عن زيد بن أسلم «أولئك هم الكفرة» في أديانهم «الفجرة» في أفعالهم و استدلت الخوارج بذلك على أن من ليس بمؤمن لا بد أن يكون كافرا فإن الله سبحانه قسم الوجوه هذين القسمين و لا تعلق لهم به لأنه سبحانه ذكر هنا قسمين من الوجوه متقابلين وجوه المؤمنين و وجوه الكفار و لم يذكر وجوه الفساق من أهل الصلاة فيجوز أن يكون لها صفة أخرى بأن يكون عليها غبرة لا تغشاها قترة أو يكون عليها صفرة أو لون آخر.