۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النازعات، آية ٤٠

التفسير يعرض الآيات ٢٧ إلى ٤٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا ٢٧ رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا ٢٨ وَأَغۡطَشَ لَيۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا ٢٩ وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ ٣٠ أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا ٣١ وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا ٣٢ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٣ فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٣٤ يَوۡمَ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا سَعَىٰ ٣٥ وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ٣٦ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ٣٧ وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٣٨ فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٣٩ وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٤١ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَا ٤٢ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكۡرَىٰهَآ ٤٣ إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَىٰهَآ ٤٤ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخۡشَىٰهَا ٤٥ كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَهَا لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوۡ ضُحَىٰهَا ٤٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

ءَ أَنتُمْ أَشدّ خَلْقاً أَمِ السمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سمْكَهَا فَسوّاهَا (28) وَ أَغْطش لَيْلَهَا وَ أَخْرَجَ ضحَاهَا (29) وَ الأَرْض بَعْدَ ذَلِك دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنهَا مَاءَهَا وَ مَرْعَاهَا (31) وَ الجِْبَالَ أَرْساهَا (32) مَتَعاً لّكمْ وَ لأَنْعَمِكمْ (33) فَإِذَا جَاءَتِ الطامّةُ الْكُبرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكّرُ الانسنُ مَا سعَى (35) وَ بُرِّزَتِ الجَْحِيمُ لِمَن يَرَى (36) فَأَمّا مَن طغَى (37) وَ ءَاثَرَ الحَْيَوةَ الدّنْيَا (38) فَإِنّ الجَْحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى (39) وَ أَمّا مَنْ خَاف مَقَامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النّفْس عَنِ الهَْوَى (40) فَإِنّ الجَْنّةَ هِىَ الْمَأْوَى (41) يَسئَلُونَك عَنِ الساعَةِ أَيّانَ مُرْساهَا (42) فِيمَ أَنت مِن ذِكْرَاهَا (43) إِلى رَبِّك مُنتهَاهَا (44) إِنّمَا أَنت مُنذِرُ مَن يخْشاهَا (45) كَأَنهُمْ يَوْمَ يَرَوْنهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيّةً أَوْ ضحَاهَا (46)

القراءة

قرأ أبو جعفر و العباس عن العياشي عن أبي عمرو و إنما أنت منذر بالتنوين و الباقون بغير تنوين و في الشواذ قراءة الحسن و عمرو بن عبيد و الجبال أرساها بالرفع و قراءة مجاهد و الأرض مع ذلك دحاها و قراءة عكرمة و برزت الجحيم لمن ترى بالتاء.

الحجة

قال أبو علي حجة التنوين في قوله إنما أنت منذر أن اسم الفاعل هنا للحال و يدل عليه قوله «قل إنما أنذركم بالوحي» فليس المراد أنذر فيما استقبل و إنما يقول أنذر في الحال و اسم الفاعل على قياس الفعل و من أضاف استخف فحذف التنوين كما حذف من قوله فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم و نحو ذلك مما جاء على لفظ الإضافة و المراد به الانفصال و يجوز أن يكون منذر من على نحو هذا ضارب زيدا أمس لأنه قد فعل الإنذار و من قرأ و الجبال أرساها بالرفع فإنه مثل قراءة من قرأ و الظالمون أعد لهم و قد تقدم بيانه و من قرأ و الأرض مع ذلك فلعله قال ذلك تفسيرا للقراءة المشهورة لأنه ليس الغرض فيه ترتيب الزمان و إنما الغرض اجتماعهما أعني السماوات و الأرض في الخلق لا في أن زمان الفعلين واحد و هذا كقولك فلان كريم فيقول السامع و هو مع ذلك شجاع أي قد اجتمع له الوصفان و أما قوله لمن ترى بالتاء المفتوحة فيمكن أن يكون خطابا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المراد لمن ترى يا محمد من الناس فأشار إلى البعض و غرضه الجنس و الجميع كقول لبيد:

{ولقد سئمت من الحياة و طولها --- وسؤال هذا الناس كيف لبيد}

فأشار إلى جنس الناس و نحن نعلم أنه ليس جميعهم شاهدا حاضرا له و يمكن أن يكون التاء في ترى للجحيم أي لمن تراه النار.

اللغة

السمك الارتفاع و هو مقابل العمق لأنه ذهاب الجسم بالتأليف إلى جهة العلو و بالعكس صفة العمق و المسموكات السماوات لارتفاعها و منه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) يا داعم المسموكات قال الفرزدق:

{إن الذي سمك السماء بنى لنا --- بيتا دعائمه أعز و أطول}

و التسوية جعل أحد الشيئين على مقدار الآخر في نفسه أو في حكمه و الغطش الظلمة و أغطشه الله أظلمه و الأغطش الذي في عينيه شبه العمش و فلاة غطشاء لا يهتدى فيها و الدحو البسط دحوت أدحو دحوا و دحيت أدحي دحيا لغتان قال أمية بن أبي الصلت:

{دار دحاها ثم أعمر بابها --- و أقام بالأخرى التي هي أمجد}

و قال أوس:

{ينفي الحصى عن جديد الأرض مبترك --- كأنه فاحص أو لاعب داح}

و الطامة العالية الغالبة يقال هذا أطم من هذا أي أعلى منه و طم الطائر الشجرة علاها و تسمى الداهية التي لا يستطاع دفعها طامة.

الإعراب

و الأرض منصوب بفعل مضمر الذي ظهر تفسيره و كذا قوله «و الجبال أرساها متاعا لكم» مفعول له لأن المعنى لإمتاعكم و يجوز أن يكون منصوبا على المصدر لأن معنى قوله «أخرج منها ماءها و مرعاها» أمتع بذلك و قوله «فإن الجحيم هي المأوى» و تقديره هي المأوى له قال الزجاج و قال قوم الألف و اللام بدل من الضمير العائد أي هي ماواه و المراد أن المعنى يؤول إلى التي هي ماواه لأن الألف و اللام بدل من الهاء و هذا كما يقول الإنسان غض الطرف يا هذا فليس الألف و اللام بدلا من الكاف و إن كان المعنى غض طرفك لأن المخاطب يعرف أنك لا تأمره بغض طرف غيره قال:

{فغض الطرف إنك من نمير --- فلا سعدا بلغت و لا كلابا}

و كذلك المعنى في الآية و جواب إذا في قوله «فإذا جاءت الطامة الكبرى» في قوله «فأما

من طغى» و ما بعده فإن المعنى إذا جاءت الطامة الكبرى فإن الأمر كذلك و قوله «أو ضحاها» أضاف الضحى إلى العشية و الغداة و العشي و الضحوة و الضحى لليوم الذي يكون فيه فإذا قلت أتيتك صباحا و مساء و مساءة و صباحة فالمعنى أتيتك صباحا و مساء يلي الصباح و أتيتك مساء و صباحا يلي المساء و تقول أتيتك العشية و غداتها.

المعنى

لما قدم سبحانه ما أتى به موسى و ما قابلة به فرعون و ما عوقب به في الدارين عظة لمن كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و تحذيرا لهم من المثلات خاطب عقيب ذلك منكري البعث فقال «أ أنتم» أيها المشركون المنكرون للبعث «أشد خلقا أم السماء» يعني أ خلقكم بعد الموت أشد عندكم و في تقديركم أم السماء و هما في قدرة الله تعالى واحد و هذا كقوله لخلق السماوات و الأرض أكبر من خلق الناس ثم ابتدأ فبين سبحانه كيف خلق السماء فقال «بنيها» الله تعالى الذي لا يكبر عليه خلق شيء «رفع سمكها» سقفها و ما ارتفع منها «فسواها» بلا شقوق و لا فطور و لا تفاوت و قيل سواها أحكمها و جعلها متصرفا للملائكة «و أغطش ليلها» أي أظلم ليلها عن ابن عباس و مجاهد و قتادة «و أخرج ضحيها» أي أبرز نهارها و إنما أضاف الليل و الضحى إلى السماء لأن منها منشأ الظلام و الضياء بغروب الشمس و طلوعها على ما دبرها الله عز و جل «و الأرض بعد ذلك دحاها» أي بعد خلق السماء بسطها من الدحو و هو البسط قال ابن عباس إن الله تعالى دحا الأرض بعد السماء و إن كانت الأرض خلقت قبل السماء و كانت ربوة مجتمعة تحت الكعبة فبسطها و قال مجاهد و السدي معناه و الأرض مع ذلك دحاها كما قال عتل بعد ذلك زنيم أي مع ذلك «أخرج منها» أي من الأرض «ماءها» و المعنى فجر الأنهار و البحار و العيون عن ابن عباس «و مرعيها» مما يأكل الناس و الأنعام بين سبحانه بذلك جميع المنافع المتعلقة بالأرض من المياه التي بها حياة كل شيء من الحيوانات و الأشجار و الثمار و الحبوب و العيون عن ابن عباس و بها يحصل جميع الأرزاق و النبات التي تصلح للمواشي فهي ترعاه بأن تأكله في موضعه «و الجبال أرسيها» أي أثبتها في أوساط الأرض «متاعا لكم و لأنعامكم» أي خلق سبحانه الأرض و أخرج منها المياه و المراعي و أثبت الجبال بما فيها من أنواع المعادن لمنفعتكم و منفعة أنعامكم تنتفعون بها و لما دل سبحانه بهذه الأشياء على صحة البعث وصف يوم البعث فقال «فإذا جاءت الطامة الكبرى» و هي القيامة لأنها تطم على كل داهية هائلة أي تعلو و تغلب و من ذلك يقال ما من طامة إلا و فوقها طامة و القيامة فوق كل طامة فهي الداهية العظمى قال الحسن هي النفخة الثانية و قيل هي الغاشية الغليظة المجللة التي تدقق

الشيء بالغلظ و قيل إن ذلك حين يساق أهل الجنة إلى الجنة و أهل النار إلى النار «يوم يتذكر الإنسان ما سعى» أي تجيء الطامة في يوم يتذكر الإنسان ما عمله من خير أو شر «و برزت الجحيم» أي أظهرت النار «لمن يرى» فيراها الخلق مكشوفا عنها الغطاء و يبصرونها مشاهدة «فأما من طغى» أي تجاوز الحد الذي حده الله و ارتكب المعاصي «و آثر الحياة الدنيا» على الآخرة «فإن الجحيم هي المأوى» له و الإيثار إرادة الشيء على طريقة التفضيل له على غيره «و أما من خاف مقام ربه» أي خاف مقام مسألة ربه عما يجب عليه فعله أو تركه «و نهى النفس عن الهوى» أي عن المحارم التي تشتهيها و تهواها و قيل إن الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها عن مقاتل «فإن الجنة هي المأوى» له أي هي مقره و ماواه ثم خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «يسئلونك عن الساعة أيان مرسيها» أي متى يكون قيامها ثابتة على ما وصفتها «فيم أنت من ذكريها» أي لست في شيء من علمها و ذكراها و المعنى لا تعلمها قال الحسن أي ليس عندك علم بوقتها و إنما تعلم أنها تكون لا محالة و قيل معناه ليس هذا مما يتصل بما بعثت لأجله فإنما بعثت داعيا و قيل إنها من حكاية قولهم و المعنى أنك قد أكثرت من ذكراها فمتى يكون «إلى ربك منتهيها» أي قل لهم إلى الله إجراؤها و المنتهى موضع بلوغ الشيء فكأنه قيل إلى أمر ربك منتهى أمرها بإقامتها لأن منتهى أمرها بذكرها و وصفها و الإقرار بها إلى الرسول و منتهى أمرها بإقامتها إلى الله لا يقدر عليها إلا هو سبحانه و قيل معناه إلى ربك منتهى علمها أي لا يعلم وقتها إلا هو عن الحسن «إنما أنت منذر من يخشيها» أي إنما أنت مخوف من يخاف قيامها أي إنما ينفع إنذارك من يخافها فأما من لا يخشاها فكأنك لم تنذره «كأنهم يوم يرونها» أي يعاينون القيامة «لم يلبثوا» في الدنيا «إلا عشية أو ضحيها» أي إلا قدر آخر نهار و أوله و مثله كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار و قد مر بيانه و قيل إن معناه أنهم إذا رأوا الآخرة صغرت الدنيا في أعينهم حتى كأنهم لم يقيموا بها إلا مقدار عشية أو مقدار ضحى تلك العشية عن قتادة.