هَلْ أَتَاك حَدِيث مُوسى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبّهُ بِالْوَادِ المُْقَدّسِ طوىً (16) اذْهَب إِلى فِرْعَوْنَ إِنّهُ طغَى (17) فَقُلْ هَل لّك إِلى أَن تَزَكى (18) وَ أَهْدِيَك إِلى رَبِّك فَتَخْشى (19) فَأَرَاهُ الاَيَةَ الْكُبرَى (20) فَكَذّب وَ عَصى (21) ثمّ أَدْبَرَ يَسعَى (22) فَحَشرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبّكُمُ الأَعْلى (24) فَأَخَذَهُ اللّهُ نَكالَ الاَخِرَةِ وَ الأُولى (25) إِنّ فى ذَلِك لَعِبرَةً لِّمَن يخْشى (26)
القراءة
قرأ أهل الحجاز و البصرة طوى بغير تنوين و الباقون بالتنوين و قرأ أهل الحجاز و عباس و يعقوب تزكى بتشديد الزاء و الباقون بتخفيفها.
الحجة
قال أبو علي قال أبو عبيدة طوى مضمومة الأول و مكسورته فمن لم ينون جعله اسما مؤنثا و من نون جعله مثل ثنى على معنى المقدس مرة بعد مرة و روي عن الحسن أنه قرأ طوى بكسر الطاء و قال و طوي بالبركة و التقديس مرتين كما قال طرفة:
{أعاذل إن اللوم في غير كنهه --- علي طوى من غيك المتردد}
أي أن لومك مكرر علي قال أبو علي من لم يصرف طوى احتمل قوله أمرين ( أحدهما ) أنه جعله اسم بلدة أو بقعة أو يكون معدولا كزفر و ممر و من صرف احتمل أيضا أمرين ( أحدهما ) أن يكون جعله اسم موضع أو بلد أو مكان ( و الآخر ) أن يكون مثل زحل
و حطم و لكع و قوله «تزكى» معناه تطهر من الكفر و المبتدأ محذوف من اللفظ مراد في المعنى و التقدير هل لك إلى ذلك حاجة أو إربة قال الشاعر:
{فهل لكم فيها إلي فإنني --- طبيب بما أعيى النطاسي حذيما}
و من قال تزكى أراد تتزكى فأدغم تاء التفعل في الزاء لتقاربهما و من خفف حذف التاء التي أثبتها من أدغم و تخفيفها بالحذف أشبه.
المعنى
ثم ذكر سبحانه قصة موسى (عليه السلام) فقال «هل أتيك» يا محمد «حديث موسى» استفهام يراد به التقرير «إذ نادية ربه» أي حين ناداه الله و دعاه فالنداء الدعاء بطريقة يا فلان فالمعنى قال له يا موسى «بالواد المقدس» أي المطهر «طوى» اسم واد عن مجاهد و قتادة و قيل طوي بالتقديس مرتين و هو الموضع الذي كلم الله فيه موسى «اذهب إلى فرعون إنه طغى» أي علا و تكبر و كفر بالله و تجاوز الحد في الاستعلاء و التمرد و الفساد «فقل هل لك إلى أن تزكى» أي تتطهر من الشرك و تشهد أن لا إله إلا الله عن ابن عباس و هذا تلطف في الاستدعاء و معناه هل لك رغبة إلى أن تسلم و تصلح و تطهر «و أهديك إلى ربك» أي و أدلك إلى معرفة ربك و أنه خلقك و رباك و قيل و أهديك أي أرشدك إلى طريق الحق الذي إذا سلكته وصلت إلى رضاء الله و ثوابه «فتخشى» أي فتخافه فتفارق ما نهاك عنه و في الكلام حذف تقديره فأتاه و دعاه «فأريه الآية الكبرى» يعني العصا و قال الحسن هي اليد البيضاء «فكذب» بأنها من الله «و عصى» نبي الله و جحد نبوته «ثم أدبر» فرعون أي ولى الدبر ليطلب ما يكسر به حجة موسى في المعجزة العظيمة فما ازداد إلا غواية «يسعى» أي يعمل بالفساد في الأرض و قيل إنه لما رأى الحية في عظمها خاف منها فأدبر و سعى هربا عن الجبائي «فحشر» أي فجمع قومه و جنوده «فنادى» فيهم «فقال أنا ربكم الأعلى» أي لا رب فوقي و قيل معناه أنا الذي أنال بالضرر من شئت و لا ينالني غيري و كذب اللعين إنما هذه صفة الله الذي خلقه و خلق جميع الخلائق و قيل إنه جعل الأصنام أربابا فقال أنا ربها و ربكم «فأخذه الله نكال الآخرة و الأولى» نكال مصدر مؤكد لأن معنى أخذه الله نكل به نكال
الآخرة و الأولى بأن أغرقه في الدنيا و يعذبه في الآخرة و قيل معناه فعاقبه الله بكلمته الآخرة و كلمته الأولى فالآخرة قوله «أنا ربكم الأعلى» و الأولى قوله ما علمت لكم من إله غيري فنكل به نكال هاتين الكلمتين و جاء في التفسير عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه كان بين الكلمتين أربعون سنة و قيل إنه إنما ناداهم «فقال أنا ربكم الأعلى» فامنعوني من هذا الثعبان و لم يعلم الجهال أن من يخاف ضرر حية و يستعين بأمثاله لا يكون إلها و عن وهب عن ابن عباس قال قال موسى (عليه السلام) يا رب إنك أمهلت فرعون أربعمائة سنة و هو يقول أنا ربكم الأعلى و يجحد رسلك و يكذب بآياتك فأوحى الله تعالى إليه أنه كان حسن الخلق سهل الحجاب فأحببت أن أكافيه و روى أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال جبرئيل (عليه السلام) قلت يا رب تدع فرعون و قد قال أنا ربكم الأعلى فقال إنما يقول هذا مثلك من يخاف الفوت «إن في ذلك» الذي فعل بفرعون حين كذب و عصى «لعبرة» أي لعظة «لمن يخشى» الله تعالى و يخاف عقابه و نقمته و دلالة يمكن أن يعتبر بها العاقل و يميز بين الحق و الباطل.
النظم
وجه اتصال قصة موسى (عليه السلام) بما قبلها أنه لما تقدم ذكر المكذبين للأنبياء المنكرين للبعث عقبه بحديث موسى و تكذيب قومه إياه و ما قاساه من الشدائد تسلية لنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) و عدة له بالنصر و حثا إياه على الصبر اقتداء بموسى و تحذيرا لقومه أن ينزل بهم ما نزل بأولئك و عظة بهم و تأكيدا للحجة عليهم.