۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النبأ، آية ١٨

التفسير يعرض الآيات ١٧ إلى ٣٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ كَانَ مِيقَٰتٗا ١٧ يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا ١٨ وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ أَبۡوَٰبٗا ١٩ وَسُيِّرَتِ ٱلۡجِبَالُ فَكَانَتۡ سَرَابًا ٢٠ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتۡ مِرۡصَادٗا ٢١ لِّلطَّٰغِينَ مَـَٔابٗا ٢٢ لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا ٢٣ لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا ٢٤ إِلَّا حَمِيمٗا وَغَسَّاقٗا ٢٥ جَزَآءٗ وِفَاقًا ٢٦ إِنَّهُمۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ حِسَابٗا ٢٧ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كِذَّابٗا ٢٨ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ كِتَٰبٗا ٢٩ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا ٣٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنّ يَوْمَ الْفَصلِ كانَ مِيقَتاً (17) يَوْمَ يُنفَخُ فى الصورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً (18) وَ فُتِحَتِ السمَاءُ فَكانَت أَبْوَباً (19) وَ سيرَتِ الجِْبَالُ فَكانَت سرَاباً (20) إِنّ جَهَنّمَ كانَت مِرْصاداً (21) لِّلطغِينَ مَئَاباً (22) لّبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (23) لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَ لا شرَاباً (24) إِلا حَمِيماً وَ غَساقاً (25) جَزَاءً وِفَاقاً (26) إِنهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (27) وَ كَذّبُوا بِئَايَتِنَا كِذّاباً (28) وَ كلّ شىْءٍ أَحْصيْنَهُ كتَباً (29) فَذُوقُوا فَلَن نّزِيدَكُمْ إِلا عَذَاباً (30)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير الأعشى و البرجمي «و فتحت» بالتخفيف و الباقون بالتشديد

و قرأ حمزة لبثين بغير الألف و الباقون «لابثين» بالألف و الخلاف في غساق مذكور في ص و رووا عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) و كذبوا بآياتنا كذابا خفيفة و القراءة المشهورة «و كذبوا بآياتنا كذابا» بالتثقيل و حكى أبو حاتم في الشواذ عن عبد الله بن عمر كذابا بضم الكاف و تشديد الذال.

الحجة

قال أبو علي فتحت بالتشديد أوفق لقوله تعالى «مفتحة لهم الأبواب» و من حجة التخفيف قوله فتحنا عليهم أبواب كل شيء و حجة من قرأ «لابثين» بالألف مجيء المصدر على اللبث فهو من باب شرب يشرب و لقم يلقم و ليس من باب فرق يفرق إذ لو كان منه لكان المصدر مفتوح العين فلما أسكن وجب أن يكون اسم الفاعل على فاعل كشارب و لاقم كما كان اللبث كاللقم و من قرأ لبثين جعل اسم الفاعل فعلا و قد جاء غير حرف من هذا النحو على فاعل و فعل و الكذاب مصدر كذب كما أن الكلام مصدر كلم و كذا القياس فيما زاد على الثلاثة أن تأتي بلفظ الفعل و تزيد في آخره الألف كقوله أكرمته إكراما و أما التكذيب فزعم سيبويه أن التاء عوض من التضعيف و الياء التي قبل الآخر كالألف فأما الكذاب فمصدر كذب قال الأعشى:

{فصدقته و كذبته --- و المرء ينفعه كذابه}

فهو مثل كتاب في مصدر كتب و أما الكذاب بضم الكاف فقد قال أبو حاتم لا وجه له إلا أن يكون كذاب جمع كاذب فينصبه على الحال أي و كذبوا بآياتنا في حال كذبهم قال طرفة:

{إذا جاء ما لا بد منه فمرحبا --- به حين يأتي لا كذاب و لا علل}

اللغة

الميقات منتهى المقدار المضروب لحدوث أمر من الأمور و هو من الوقت كما أن الميعاد من الوعد و المقدار من القدر و المرصاد هو المعد لأمر على ارتقاب الوقوع فيه قال الأزهري المرصاد المكان الذي يرصد فيه العدو و الأحقاب جمع واحدها حقب من قوله «أو أمضي حقبا» أي دهرا طويلا و قيل واحده حقب بفتح القاف و واحد الحقب حقبة قال:

{و كنا كندماني جذيمة حقبة --- من الدهر حتى قيل لن يتصدعا}

الإعراب

«يوم ينفخ» منصوب لأنه بدل من «يوم الفصل» و أفواجا نصب على الحال «لا يذوقون فيها بردا» جملة يجوز أن يكون حالا من لابثين و التقدير يلبثون غير ذائقين و يجوز أن

يكون صفة لقوله «أحقابا» و التقدير أحقابا غير مذوق فيها و جزاء مصدر وضع موضع الحال و كل شيء منصوب بفعل مضمر يفسره قوله «أحصيناه» و كتابا منصوب على المصدر لأن كتب في معنى أحصى و يجوز أن يكون في موضع الحال أي نكتبه و التقدير أحصيناه كاتبين.

المعنى

ثم ذكر سبحانه الإعادة و البعث تنبيها على أنه دل بذكر الآيات فيما تقدم على صحة البعث فقال «إن يوم الفصل» أي يوم القضاء الذي يفصل الله فيه الحكم بين الخلائق «كان ميقاتا» لما وعد الله من الجزاء و الحساب و الثواب و العقاب «يوم ينفخ في الصور» قد مر معناه «فتأتون أفواجا» أي جماعة جماعة إلى أن تتكاملوا في القيامة و قيل زمرا زمرا من كل مكان للحساب و كل فريق يأتي مع شكله و قيل إن كل أمة تأتي مع نبيها فلذلك جاءوا أفواجا أفواجا «و فتحت السماء» أي شقت لنزول الملائكة «فكانت أبوابا» أي ذات أبواب و قيل صار فيها طرق و لم تكن كذلك من قبل «و سيرت الجبال» أي أزيلت عن أماكنها و ذهب بها «فكانت سرابا» أي كالسراب يظن أنها جبال و ليست إياها و في الحديث عن البراء بن عازب قال كان معاذ بن جبل جالسا قريبا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في منزل أبي أيوب الأنصاري فقال معاذ يا رسول الله أ رأيت قول الله تعالى «يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا» الآيات فقال يا معاذ سألت عن عظيم من الأمر ثم أرسل عينيه ثم قال يحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا قد ميزهم الله من المسلمين و بدل صورهم بعضهم على صورة القردة و بعضهم على صورة الخنازير و بعضهم منكسون أرجلهم من فوق و وجوههم من تحت ثم يسحبون عليها و بعضهم عمي يترددون و بعضهم صم بكم لا يعقلون و بعضهم يمضغون ألسنتهم فيسيل القيح من أفواههم لعابا يتقذرهم أهل الجمع و بعضهم مقطعة أيديهم و أرجلهم و بعضهم مصلبون على جذوع من نار و بعضهم أشد نتنا من الجيف و بعضهم يلبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس و أما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت و أما المنكسون على رءوسهم فأكلة الربا و العمي الجائرون في الحكم و الصم و البكم المعجبون بأعمالهم و الذين يمضغون بألسنتهم فالعلماء و القضاة الذين خالف أعمالهم أقوالهم و المقطعة أيديهم و أرجلهم الذين يؤذون الجيران و المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان و الذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات و اللذات و يمنعون حق الله في أموالهم و الذين يلبسون الجباب فأهل الفخر و الخيلاء «إن جهنم كانت مرصادا» يرصدون به أي هي معدة

لهم يرصد بها خزنتها الكفار عن المبرد و قيل مرصدا محبسا يحبس فيه الناس عن مقاتل و قيل طريقا منصوبا على العاصين فهو موردهم و منهلهم و هذا إشارة إلى أن جهنم للعصاة على الرصد لا يفوتونها «للطاغين مآبا» أي للذين جاوزوا حدود الله و طغوا في معصية الله مرجعا يرجعون إليه و مصيرا فكان المجرم قد كان بإجرامه فيها ثم رجع إليها «لابثين فيها أحقابا» أي ماكثين فيها أزمانا كثيرة و ذكر فيها أقوال ( أحدها ) أن المعنى أحقابا لا انقطاع لها كلما مضى حقب جاء بعده حقب آخر و الحقب ثمانون سنة من سني الآخرة عن قتادة و الربيع ( و ثانيها ) أن الأحقاب ثلاثة و أربعون حقبا كل حقب سبعون خريفا كل خريف سبعمائة سنة كل سنة ثلاثمائة و ستون يوما و كل يوم ألف سنة عن مجاهد ( و ثالثها ) أن الله تعالى لم يذكر شيئا إلا و جعل له مدة ينقطع إليها و لم يجعل لأهل النار مدة بل قال «لابثين فيها أحقابا» فو الله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر ثم آخر كذلك إلى أبد الآبدين فليس للأحقاب عدة إلا الخلود في النار و لكن قد ذكروا أن الحقب الواحد سبعون ألف سنة كل يوم من تلك السنين ألف سنة مما نعده عن الحسن ( و رابعها ) أن مجاز الآية لابثين فيها أحقابا لا يذوقون في تلك الأحقاب بردا و لا شرابا إلا حميما و غساقا ثم يلبثون فيها لا يذوقون غير الحميم و الغساق من أنواع العذاب فهذا توقيت لأنواع العذاب لا لمكثهم في النار و هذا أحسن الأقوال ( و خامسها ) أنه يعني به أهل التوحيد عن خالد بن معدان و روى نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يخرج من النار من دخلها حتى يمكث فيها أحقابا و الحقب بضع و ستون سنة و السنة ثلاثمائة و ستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون فلا يتكلن أحد أن يخرج من النار و روى العياشي بإسناده عن حمران قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن هذه الآية فقال هذه في الذين يخرجون من النار و روي عن الأحول مثله و قوله «لا يذوقون فيها بردا و لا شرابا» يريد النوم و الماء عن ابن عباس قال أبو عبيدة البرد النوم هنا و أنشد

فصدني عنها و عن قبلاتها البرد أي النوم و قيل لا يذوقون في جهنم بردا ينفعهم من حرها و لا شرابا ينفعهم من عطشها عن مقاتل «إلا حميما» و هو الماء الحار الشديد الحر «و غساقا» و هو صديد أهل النار «جزاء وفاقا» أي وافق عذاب النار الشرك لأنهما عظيمان فلا ذنب أعظم من الشرك و لا عذاب أعظم من النار عن مقاتل و قيل جوزوا جزاء وفق أعمالهم عن الزجاج و هو المروي عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الوفاق الجاري على المقدار فالجزاء وفاق لأنه جار على مقدار الأعمال في الاستحقاق «إنهم كانوا لا يرجون حسابا» أي فعلنا ذلك بهؤلاء

الكفار لأنهم كانوا لا يخافون أن يحاسبوا و المعنى كانوا لا يؤمنون بالبعث و لا بأنهم محاسبون عن الحسن و قتادة و قيل لا يرجون المجازاة على الأعمال و لا يظنون أن لهم حسابا عن أبي مسلم و قال الهذلي في الرجاء بمعنى الخوف:

{إذا لسعته النحل لم يرج لسعها --- و خالفها في بيت نوب عواسل}

«و كذبوا بآياتنا» أي بما جاءت به الأنبياء و قيل بالقرآن و قيل بحجج الله و لم يصدقوا بها «كذابا» أي تكذيبا «و كل شيء أحصيناه كتابا» أي و كل شيء من الأعمال بيناه في اللوح المحفوظ و مثله و كل شيء أحصيناه في إمام مبين و قيل معناه و كل شيء من أعمالهم حفظناه لنجازيهم به ثم بين أن ذلك الإحصاء و الحفظ وقع بالكتابة لأن الكتابة أبلغ في حفظ الشيء من الإحصاء و يجوز أن يكون كتابا حالا مؤكدة أي أحصيناه في حال كونه مكتوبا عليهم و الكتاب بمعنى المكتوب «فذوقوا» لهؤلاء الكفار ذوقوا ما أنتم فيه من العذاب «فلن نزيدكم إلا عذابا» لأن كل عذاب يأتي بعد الوقت الأول فهو زائد عليه.