۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المرسلات، آية ٢٥

التفسير يعرض الآيات ١٦ إلى ٢٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَلَمۡ نُهۡلِكِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٦ ثُمَّ نُتۡبِعُهُمُ ٱلۡأٓخِرِينَ ١٧ كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٨ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٩ أَلَمۡ نَخۡلُقكُّم مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٢٠ فَجَعَلۡنَٰهُ فِي قَرَارٖ مَّكِينٍ ٢١ إِلَىٰ قَدَرٖ مَّعۡلُومٖ ٢٢ فَقَدَرۡنَا فَنِعۡمَ ٱلۡقَٰدِرُونَ ٢٣ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ٢٤ أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ كِفَاتًا ٢٥ أَحۡيَآءٗ وَأَمۡوَٰتٗا ٢٦ وَجَعَلۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ شَٰمِخَٰتٖ وَأَسۡقَيۡنَٰكُم مَّآءٗ فُرَاتٗا ٢٧ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ٢٨

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أَ لَمْ نهْلِكِ الأَوّلِينَ (16) ثمّ نُتْبِعُهُمُ الاَخِرِينَ (17) كَذَلِك نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (19) أَ لَمْ نخْلُقكم مِّن مّاءٍ مّهِينٍ (20) فَجَعَلْنَهُ فى قَرَارٍ مّكِينٍ (21) إِلى قَدَرٍ مّعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (24) أَ لَمْ نجْعَلِ الأَرْض كِفَاتاً (25) أَحْيَاءً وَ أَمْوَتاً (26) وَ جَعَلْنَا فِيهَا رَوَسىَ شمِخَتٍ وَ أَسقَيْنَكم مّاءً فُرَاتاً (27) وَيْلٌ يَوْمَئذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (28)

القراءة

قرأ أهل المدينة و الكسائي فقدرنا بالتشديد و الباقون «فقدرنا» بالتخفيف و في الشواذ قراءة الأعرج نتبعهم بالجزم.

الحجة

قد تقدم أن قدر و قدر بمعنى و التخفيف أليق بقوله «فنعم القادرون» و من شد أراد أن يجيء باللغتين كما يقال جاد مجد و كقوله سبحانه فمهل الكافرين أمهلهم و من جزم نتبعهم فإنه يحتمل أمرين ( أحدهما ) أنه أسكن العين استثقالا لتوالي الحركات ( و الثاني ) أن يكون عطفا على نهلك كما تقول أ لم أزرك ثم أحسن إليك فيكون معنى هذه القراءة أنه يريد قوما أهلكهم الله سبحانه بعد قوم قبلهم على اختلاف أوقات المرسلين إليهم نبيا بعد نبي و أما الرفع على القراءة المشهورة فلاستئناف الكلام أو على أن يجعل خبر مبتدإ محذوف.

اللغة

القرار المكان الذي يمكن طول المكث فيه و القدر المقدر المعلوم الذي لا زيادة فيه و لا نقصان و القدر المصدر من قولهم قدر يقدر قدرا و قدرا أي قدر فمن شدد جمع بين اللغتين كما قال الأعشى:

{و أنكرتني و ما كان الذي نكرت --- من الحوادث إلا الشيب و الصلعا}

و كفت الشيء يكفته كفتا و كفاتا إذا ضمه و منه الحديث اكفتوا صبيانكم أي ضموهم إلى أنفسكم و مثله ضموا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء و يقال للوعاء كفت و كفيت و قال أبو عبيدة كفاتا أي أوعية و الرواسي الثوابت و الشامخات العاليات و منه شمخ بأنفه إذا رفعه كبرا و ماء فرات و زلال و عذب و نمير كله من العذوبة و الطيب و منه سمي النهر العظيم المعروف بالفرات قال الشاعر:

{إذا غاب عنا غاب عنا فراتنا --- و إن شهد أجدى نيله و فواضله}

قال ابن عباس أصول الأنهار العذبة أربعة جيحان و منه دجلة و سيحان نهر بلخ و فرات الكوفة و نيل مصر.

الإعراب

أحياء منصوب بأنه مفعول قوله «كفاتا» معناه أن يكفت أحياء و أمواتا فعلى هذا يكون كفاتا مصدرا و إن جعلته جمع كفت فيكون العامل في أحياء معناه و التقدير واعية أحياء أو تعي أحياء.

المعنى

ثم ذكر سبحانه ما فعله بالمكذبين الأولين فقال «أ لم نهلك الأولين» يعني بالعذاب في الدنيا يريد قوم نوح و عاد و ثمود حين كذبوا رسلهم «ثم نتبعهم الآخرين» قوم لوط و إبراهيم لم يعطف نتبعهم على نهلك فيجزم بل استأنف و قال المبرد تقديره ثم نحن نتبعهم لا يجوز غيره لأن قوله «أ لم نهلك» ماض و قوله «ثم نتبعهم» مستقبل و يؤيده قول الحسن أن الآخرين هم الذين تقوم عليهم القيامة «كذلك نفعل بالمجرمين» أي كما فعلنا بمن تقدم نفعل بالمكذبين من أهل مكة و قد فعل بهم ذلك فقتلوا يوم بدر و قد يكون الإهلاك بتصيير الشيء إلى حيث لا يدري أين هو إما بإعدامه أو بإخفاء مكانه و قد يكون بالأمانة و قد يكون بالنقل إلى حال الجمادية «ويل يومئذ» يعني يوم الجزاء «للمكذبين» فإنهم يجازون باليم العقاب «أ لم نخلقكم من ماء مهين» أي حقير قليل الغناء و في خلق الإنسان على هذا الكمال من الحواس الصحيحة و العقل الشريف و التمييز و النطق من ماء ضعيف أعظم الاعتبار و أبين الحجة على أن له صانعا مدبرا حكيما و الجاحد لذلك كالمكابر لبداية العقول «فجعلناه» أي فجعلنا ذلك الماء المهين «في قرار مكين» يعني الرحم

«إلى قدر معلوم» أي إلى مقدار من الوقت معلوم يعني مدة الحمل «فقدرنا» أي قدرنا خلقه كيف يكون قصيرا أو طويلا ذكرا أم أنثى «فنعم القادرون» أي فنعم المقدرون نحن و يجوز أن يكون المعنى إذا خفف من القدرة أي قدرنا على جميع ذلك فنعم القادرون على تدبير ذلك و على ما لا يقدر عليه أحد إلا نحن فحذف المخصوص بالمدح «ويل يومئذ للمكذبين» بأنا قد خلقنا الخلق و أنا نعيدهم «أ لم نجعل الأرض كفاتا» للعباد تكفتهم «أحياء» على ظهرها في دورهم و منازلهم «و» تكفتهم «أمواتا» في بطنها أي تحوزهم و تضمهم عن قتادة و مجاهد و الشعبي قال بنان خرجنا في جنازة مع الشعبي فنظر إلى الجنازة فقال هذه كفات الأموات ثم نظر إلى البيوت فقال هذه كفات الأحياء و روي ذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و قيل كفاتا أي وعاء و هذا كفته أي وعاءه و قوله «أحياء و أمواتا» أي منه ما ينبت و منه ما لا ينبت فعلى هذا يكون أحياء و أمواتا نصبا على الحال و على القول الأول على المفعول به «و جعلنا فيها رواسي شامخات» أي جبالا ثابتة عالية «و أسقيناكم ماء فراتا» أي و جعلنا لكم سقيا من الماء العذب عن ابن عباس «ويل يومئذ للمكذبين» بهذه النعم و أنها من جهة الله و قيل بالأنبياء و القرآن و إنما كرر لأنه عدد النعم فذكره عند كل نعمة فلا يعد ذلك تكرارا و قد تقدم الوجه في التكرار في سورة الرحمن.