۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الإنسان، آية ٢

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا ١ إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا ٢ إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا ٣ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا ٤ إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥ عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا ٦ يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا ٧ وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا ٨ إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا ٩ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا قَمۡطَرِيرٗا ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ هَلْ أَتى عَلى الانسنِ حِينٌ مِّنَ الدّهْرِ لَمْ يَكُن شيْئاً مّذْكُوراً (1) إِنّا خَلَقْنَا الانسنَ مِن نّطفَةٍ أَمْشاجٍ نّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سمِيعَا بَصِيراً (2) إِنّا هَدَيْنَهُ السبِيلَ إِمّا شاكِراً وَ إِمّا كَفُوراً (3) إِنّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سلَسِلا وَ أَغلَلاً وَ سعِيراً (4) إِنّ الأَبْرَارَ يَشرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزَاجُهَا كافُوراً (5) عَيْناً يَشرَب بهَا عِبَادُ اللّهِ يُفَجِّرُونهَا تَفْجِيراً (6) يُوفُونَ بِالنّذْرِ وَ يخَافُونَ يَوْماً كانَ شرّهُ مُستَطِيراً (7) وَ يُطعِمُونَ الطعَامَ عَلى حُبِّهِ مِسكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً (8) إِنمَا نُطعِمُكمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُرِيدُ مِنكمْ جَزَاءً وَ لا شكُوراً (9) إِنّا نخَاف مِن رّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطرِيراً (10)

القراءة

قرأ أهل المدينة و أبو بكر عن عاصم و الكسائي سلاسلا بالتنوين و كذلك قواريرا قواريرا و يقفون بالألف على الجميع و قرأ ابن كثير و خلف سلاسل بغير تنوين و قواريرا قوارير الأول بالتنوين و الثاني بغير تنوين و يقفان على سلاسل و قوارير الثانية بغير الألف و قرأ حمزة و يعقوب بغير تنوين في الجميع و يقفان بغير ألف عليها و قرأ أبو عمرو و ابن عامر و حفص بغير تنوين فيها أيضا إلا أنهم يقفون على سلاسل و قواريرا الأولى بالألف و على قوارير الثانية بغير ألف غير أن شجاعا يقف على سلاسل أيضا بغير ألف.

الحجة

قال أبو علي حجة من صرف سلاسلا و قواريرا في الوصل و الوقف أمران ( أحدهما ) أن أبا الحسن قال سمعنا من العرب من يصرف هذا و يصرف جميع ما لا ينصرف قال و هذه لغة أهل الشعر لأنهم اضطروا إليه في الشعر فصرفوه فجرت ألسنتهم على ذلك و احتملوا ذلك في الشعر لأنه يحتمل الزيادة كما يحتمل النقص فاحتملوا زيادة التنوين و الأمر الآخر أن هذه الجموع أشبهت الآحاد لأنهم قالوا صواحبات يوسف فلما جمعت جمع الآحاد المنصرفة جعلوه في حكمها فصرفوها قال أبو الحسن و كثير من العرب يقول مواليات يريد الموالي و أنشد للفرزدق:

{فإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم --- خضع الرقاب نواكسي الأبصار}

فهذا كأنه جمع نواكس و من قرأ بغير تنوين و لا ألف فإنه جعله كقوله «لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد» و إلحاق الألف في سلاسل و قوارير كالحاقة في قوله «الظنونا» و «السبيلا» و «الرسولا» يشبه ذلك بالإطلاق في القوافي من حيث كانت مثلها في أنها كلام تام.

اللغة

الدهر مرور الليل و النهار و جمعه أدهر و دهور و أصل النطفة الماء القليل و قد تقع على الكثير قال أمير المؤمنين (عليه السلام) حين ذكر الخوارج مصارعهم دون النطفة يريد النهروان و الجمع نطاف و نطف قال الشاعر:

{و ما النفس إلا نطفة بقرارة --- إذا لم تكدر كان صفوا غديرها}

و واحد الأمشاج مشيج و مشجت هذا بهذا أي خلطته و هو ممشوج و مشيج و واحد الأبرار بار نحو ناصر و أنصار و بر أيضا و الكأس الإناء إذا كان فيه شراب قال عمرو بن كلثوم:

{صددت الكأس عنا أم عمرو --- و كان الكأس مجراها اليمينا}

و أوفى بالعقد و وفى به فأوفى لغة أهل الحجاز و وفى لغة تميم و أهل نجد و النذر عقد عملي فعل بر يوجبه الإنسان على نفسه نذر ينذر قال عنترة:

{الشاتمي عرضي و لم أشتمهما --- و الناذرين إذا لم ألقهما دمي}

أي يقولان إن لقينا عنترة لنقتلنه و المستطير المنتشر قال الأعشى:

{فبانت و قد أسأرت في الفؤاد --- صدعا على نأيها مستطيرا}

و القمطرير الشديد في الشر و قد اقمطر اليوم اقمطرارا و يوم قمطرير و قماطر كأنه قد التف شره بعضه على بعض قال الشاعر:

{بني عمنا هل تذكرون بلاءنا --- عليكم إذا ما كان يوم قماطر}

قيل إن هل هنا بمعنى قد قال الشاعر:

{أم هل كبير بكى لم يقض عبرته --- إثر الأحبة يوم البين مشكوم}

الإعراب

«لم يكن شيئا» جملة في محل الرفع لأنها صفة حين و التقدير لم يكن فيه شيئا مذكورا و أمشاج يجوز أن يكون صفة لنطفة و يجوز أن يكون بدلا و الوصف بالجمع مثل قولهم برمة أعشار و ثوب أسمال و نبتليه في موضع نصب على الحال.

«إما شاكرا و إما كفورا» حالان من الهاء في هديناه أي هديناه شاكرا أو كفورا و قوله «عينا» في انتصابه وجوه ( أحدها ) أن يكون بدلا من كافورا إذا جعلت الكافور اسم عين فيكون بدل الكل من الكل ( و الثاني ) أن يكون بدلا من قوله «من كأس» أي يسقون من عين ثم حذف الجار فوصل الفعل إليه فنصبه ( و الثالث ) أن يكون منصوبا على المدح و التقدير أعني عينا يشرب بها الباء مزيدة أي يشربها و المعنى يشرب ماؤها لأن العين لا تشرب و إنما يشرب ماؤها.

النزول

قد روى الخاص و العام أن الآيات من هذه السورة و هي قوله «إن الأبرار يشربون» إلى قوله «و كان سعيكم مشكورا» نزلت في علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهما السلام) و جارية لهم تسمى فضة و هو المروي عن ابن عباس و مجاهد و أبي صالح.

"و القصة طويلة"

جملتها أنهم قالوا مرض الحسن و الحسين (عليهما السلام) فعادهما جدهما (صلى الله عليه وآله وسلم) و وجوه العرب و قالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا فنذر صوم ثلاثة أيام إن شفاهما الله سبحانه و نذرت فاطمة (عليها السلام) كذلك و كذلك فضة فبرءا و ليس عندهم شيء فاستقرض علي (عليه السلام) ثلاثة أصوع من شعير من يهودي و روي أنه أخذها ليغزل له صوفا و جاء به إلى فاطمة (عليها السلام) فطحنت صاعا منها فاختبزته و صلى علي المغرب و قربته إليهم فأتاهم مسكين يدعو لهم و سألهم فأعطوه و لم يذوقوا إلا الماء فلما كان اليوم الثاني أخذت صاعا فطحنته و خبزته و قدمته إلى علي (عليه السلام) فإذا يتيم في الباب يستطعم فأعطوه و لم يذوقوا إلا الماء فلما كان اليوم الثالث عمدت إلى الباقي فطحنته و اختبزته و قدمته إلى علي (عليه السلام) فإذا أسير بالباب يستطعم فأعطوه

و لم يذوقوا إلا الماء فلما كان اليوم الرابع و قد قضوا نذورهم أتى علي (عليه السلام) و معه الحسن و الحسين (عليهما السلام) إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و بهما ضعف فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و نزل جبرائيل (عليه السلام) بسورة هل أتى و في رواية عطاء عن ابن عباس أن علي ابن أبي طالب (عليه السلام) آجر نفسه ليستقي نخلا بشيء من شعير ليلة حتى أصبح فلما أصبح و قبض الشعير طحن ثلثه فجعلوا منه شيئا ليأكلوه يقال له الحريرة فلما تم إنضاجه أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام ثم عمل الثلث الثاني فلما تم إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه ثم عمل الثلث الثالث فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين فسأل فأطعموه و طووا يومهم ذلك ذكره الواحدي في تفسيره و ذكر علي بن إبراهيم أن أباه حدثه عن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كان عند فاطمة شعير فجعلوه عصيدة فلما أنضجوها و وضعوها بين أيديهم جاء مسكين فقال المسكين رحمكم الله فقام علي فأعطاه ثلثها فلم يلبث أن جاء يتيم فقال اليتيم رحمكم الله فقام علي (عليه السلام) فأعطاه الثلث ثم جاء أسير فقال الأسير رحمكم الله فأعطاه علي (عليه السلام) الثلث الباقي و ما ذاقوها فأنزل الله سبحانه الآيات فيهم و هي جارية في كل مؤمن فعل ذلك لله عز و جل و في هذا دلالة على أن السورة مدنية و قال أبو حمزة الثمالي في تفسيره حدثني الحسن بن الحسن أبو عبد الله بن الحسن أنها مدنية نزلت في علي و فاطمة السورة كلها حدثنا السيد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني القايني قال أخبرنا الحاكم أبو القسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني قال حدثنا أبو نصر المفسر قال حدثني عمي أبو حامد إملاء قال حدثني الفزاري أبو يوسف يعقوب بن محمد المقري قال حدثنا محمد بن يزيد السلمي قال حدثنا زيد بن موسى قال حدثنا عمرو بن هارون عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس قال أول ما أنزل بمكة ( اقرأ باسم ربك ) ثم ( ن و القلم ) ثم ( المزمل ) ثم ( المدثر ) ثم ( تبت ) ثم ( إذا الشمس كورت ) ثم ( سبح اسم ربك الأعلى ) ثم ( و الليل إذا يغشى ) ثم ( و الفجر ) ثم ( و الضحى ) ثم ( أ لم نشرح ) ثم ( و العصر ) ثم ( و العاديات ) ثم ( إنا أعطيناك الكوثر ) ثم ( ألهيكم التكاثر ) ثم ( أ رأيت ) ثم ( الكافرون ) ثم ( أ لم تر كيف ) ثم ( قل أعوذ برب الفلق ) ثم ( قل أعوذ برب الناس ) ثم ( قل هو الله أحد ) ثم ( و النجم ) ثم ( عبس ) ثم ( إنا أنزلناه ) ثم ( و الشمس ) ثم ( البروج ) ثم ( و التين ) ثم ( لإيلاف ) ثم ( القارعة ) ثم ( القيامة ) ثم ( الهمزة ) ثم ( و المرسلات ) ثم ( ق ).

###

ثم ( لا أقسم بهذا البلد ) ثم ( الطارق ) ثم ( اقتربت الساعة ) ثم ( ص ) ثم ( الأعراف ) ثم ( قل أوحي ) ثم ( يس ) ثم ( الفرقان ) ثم ( الملائكة ) ثم ( كهيعص ) ثم ( طه ) ثم ( الواقعة ) ثم ( الشعراء ) ثم ( النمل ) ثم ( القصص ) ثم ( بني إسرائيل ) ثم ( يونس ) ثم ( هود ) ثم ( يوسف ) ثم ( الحجر ) ثم ( الأنعام ) ثم ( الصافات ) ثم ( لقمان ) ثم ( القمر ) ثم ( سبأ ) ثم ( الزمر ) ثم ( حم المؤمن ) ثم ( حم السجدة ) ثم ( حمعسق ) ثم ( الزخرف ) ثم ( الدخان ) ثم ( الجاثية ) ثم ( الأحقاف ) ثم ( الذاريات ) ثم ( الغاشية ) ثم ( الكهف ) ثم ( النحل ) ثم ( نوح ) ثم ( إبراهيم ) ثم ( الأنبياء ) ثم ( المؤمنون ) ثم ( الم تنزيل ) ثم ( الطور ) ثم ( الملك ) ثم ( الحاقة ) ثم ( ذو المعارج ) ثم ( عم يتساءلون ) ثم ( النازعات ) ثم ( انفطرت ) ثم ( انشقت ) ثم ( الروم ) ثم ( العنكبوت ) ثم ( المطففين ) فهذه أنزلت بمكة و هي خمس و ثمانون سورة ثم أنزلت بالمدينة ( البقرة ) ثم ( الأنفال ) ثم ( آل عمران ) ثم ( الأحزاب ) ثم ( الممتحنة ) ثم ( النساء ) ثم ( إذا زلزلت ) ثم ( الحديد ) ثم سورة ( محمد ) ثم ( الرعد ) ثم سورة ( الرحمن ) ثم ( هل أتى ) ثم ( الطلاق ) ثم ( لم يكن ) ثم ( الحشر ) ثم ( إذا جاء نصر الله ) ثم ( النور ) ثم ( الحج ) ثم ( المنافقون ) ثم ( المجادلة ) ثم ( الحجرات ) ثم ( التحريم ) ثم ( الجمعة ) ثم ( التغابن ) ثم سورة ( الصف ) ثم سورة ( الفتح ) ثم سورة ( المائدة ) ثم سورة ( التوبة ) فهذه ثمان و عشرون سورة و قد رواه الأستاذ أحمد الزاهد بإسناده عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس في كتاب الإيضاح و زاد فيه و كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ثم يزيد الله فيها ما يشاء بالمدينة و بإسناده عن عكرمة و الحسن بن أبي الحسن البصري إن أول ما أنزل الله من القرآن بمكة على الترتيب ( اقرأ باسم ربك و ن و المزمل ) إلى قوله و ما نزل بالمدينة ( ويل للمطففين ) ( و البقرة و الأنفال و آل عمران و الأحزاب و المائدة و الممتحنة و النساء و إذا زلزلت و الحديد و سورة محمد ) (صلى الله عليه وآله وسلم) ( و الرعد و الرحمن و هل أتى على الإنسان ) إلى آخره و بإسناده عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال سألت النبي عن ثواب القرآن فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء فأول ما نزل عليه بمكة ( فاتحة الكتاب ) ثم ( اقرأ باسم ربك ) ثم ( ن ) إلى أن قال و أول ما نزل بالمدينة سورة ( البقرة ) ثم ( الأنفال ) ثم ( آل عمران ) ثم ( الأحزاب ) ثم ( الممتحنة ) ثم ( النساء ) ثم ( إذا زلزلت ) ثم ( الحديد ) ثم ( سورة محمد ) ثم

( الرعد ) ثم ( سورة الرحمن ) ثم ( هل أتى ) إلى قوله فهذا ما أنزل بالمدينة ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جميع سور القرآن مائة و أربع عشرة سورة و جميع آيات القرآن ستة آلاف آية و مائتا آية و ست و ثلاثون آية و جميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف واحد و عشرون ألف حرف و مائتان و خمسون حرفا لا يرغب في تعلم القرآن إلا السعداء و لا يتعهد قراءته إلا أولياء الرحمن ( أقول ) قد اتسع نطاق الكلام في هذا الباب حتى كاد يخرج عن أسلوب الكتاب و ربما نسبنا به إلى الإطناب و لكن الغرض فيه أن بعض أهل العصبية قد طعن في هذه القصة بأن قال هذه السورة مكية فكيف يتعلق بها ما كان بالمدينة و استدل بذلك على أنها مخترعة جرأة على الله سبحانه و عداوة لأهل بيت رسوله فأحببت إيضاح الحق في ذلك و إيراد البرهان في معناه و كشف القناع عن عناد هذا المعاند في دعواه على أنه كما ترى يحتوي على السر المخزون و الدر المكنون من هذا العلم الذي يستضاء بنوره و يتلألأ بزهوره و هو معرفة ترتيب السور في التنزيل و حصر عددها على الجملة و التفصيل اللهم أمددنا بتأييدك و أيدنا بتوفيقك فأنت الرجاء و الأمل و على فضلك المعول و المتكل.

المعنى

«هل أتى» معناه قد أتى «على الإنسان» أي أ لم يأت على الإنسان «حين من الدهر» و قد كان شيئا إلا أنه «لم يكن شيئا مذكورا» لأنه كان ترابا و طينا إلى أن نفخ فيه الروح عن الزجاج و على هذا فهل هنا استفهام يراد به التقرير قال الجبائي و هو تقرير على ألطف الوجوه و تقديره أيها المنكر للصانع و قدرته أ ليس قد أتى عليك دهور لم تكن شيئا مذكورا ثم ذكرت و كل أحد يعلم من نفسه أنه لم يكن موجودا ثم وجد فإذا تفكر في ذلك علم أن له صانعا صنعه و محدثا أحدثه و المراد بالإنسان هنا آدم (عليه السلام) و هو أول من سمي به عن الحسن و قتادة و سفيان و الجبائي و قيل إن المراد به كل إنسان و الألف و اللام للجنس عن أبي مسلم و قيل أنه أتى على آدم (عليه السلام) أربعون سنة لم يكن شيئا مذكورا لا في السماء و لا في الأرض بل كان جسدا ملقى من طين قبل أن ينفخ فيه الروح و روى عطاء عن ابن عباس أنه تم خلقه بعد عشرين و مائة سنة و روى العياشي بإسناده عن عبد الله بن بكير عن زرارة قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوله «لم يكن شيئا مذكورا» قال كان شيئا و لم يكن مذكورا و بإسناده عن سعيد الحداد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال كان مذكورا في العلم و لم يكن مذكورا في الخلق و عن عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله و عن حمران بن أعين قال سألت عنه فقال كان شيئا مقدورا و لم يكن مكونا و في هذا دلالة على أن المعدوم معلوم و إن لم يكن مذكورا و إن المعدوم يسمى شيئا فإذا حملت الإنسان على الجنس فالمراد أنه

قبل الولادة لا يعرف و لا يذكر و لا يدري من هو و ما يراد به بل يكون معدوما ثم يوجد في صلب أبيه ثم في رحم أمه إلى وقت الولادة و قيل المراد به العلماء لأنهم كانوا لا يذكرون فصيرهم الله سبحانه بالعلم مذكورين بين الخاص و العام في حياتهم و بعد مماتهم و سمع عمر بن الخطاب رجلا يقرأ هذه الآية فقال ليت ذلك ثم يعني ليت آدم بقي على ما كان فكان لا يلد و لا يبتلي أولاده ثم قال سبحانه «إنا خلقنا الإنسان» يعني ولد آدم (عليه السلام) «من نطفة» و هي ماء الرجل و المرأة الذي يخلق منه الولد «أمشاج» أي أخلاط من ماء الرجل و ماء المرأة في الرحم فأيهما علا ماء صاحبه كان الشبه له عن ابن عباس و الحسن و عكرمة و مجاهد و قيل أمشاج أطوار طورا نطفة و طورا علقة و طورا مضغة و طورا عظاما إلى أن صار إنسانا عن قتادة و قيل أراد اختلاف ألوان النطفة فنطفة الرجل بيضاء و حمراء و نطفة المرأة خضراء و صفراء فهي مختلفة الألوان عن مجاهد و الضحاك و الكلبي و روي أيضا عن ابن عباس و قيل نطفة مشجت بدم الحيض فإذا حبلت ارتفع الحيض عن الحسن و قيل هي العروق التي تكون في النطفة عن ابن مسعود و قيل أمشاج أخلاط من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة و البرودة و اليبوسة و الرطوبة جعلها الله في النطفة ثم بناه الله البنية الحيوانية المعدلة الأخلاط ثم جعل فيه الحياة ثم شق له السمع و البصر فتبارك الله رب العالمين و ذلك قوله «فجعلناه سميعا بصيرا» و قوله «نبتليه» أي نختبره بما نكلفه من الأفعال الشاقة ليظهر إما طاعته و إما عصيانه فنجازيه بحسب ذلك قال الفراء معناه «فجعلناه سميعا بصيرا» لنبتليه أي لنتعبده و نأمره و ننهاه و المراد فأعطيناه آلة السمع و البصر ليتمكن من السمع و البصر و معرفة ما كلف «إنا هديناه السبيل» أي بينا له الطريق و نصبنا له الأدلة و أزحنا له العلة حتى يتمكن من معرفة الحق و الباطل و قيل هو طريق الخير و الشر عن قتادة و قيل السبيل هو طريق معرفة الدين الذي به يتوصل إلى ثواب الأبد و يلزم كل مكلف سلوكه و هو أدلة العقل و الشرع التي يعم جميع المكلفين «إما شاكرا و إما كفورا» قال الفراء معناه أن شكر و أن كفر على الجزاء و قال الزجاج معناه ليختار إما السعادة و إما الشقاوة و المراد إما أن يختار بحسن اختياره الشكر لله تعالى و الاعتراف بنعمه فيصيب الحظ و إما أن يكفر نعم الله و يجحد إحسانه فيكون ضالا عن الصواب فأيهما اختار جوزي عليه بحسبه و هذا كقوله «فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر» و في هذه الآية دلالة على أن الله قد هدى جميع خلقه لأن اللفظ عام ثم بين سبحانه ما أعده للكافرين فقال «إنا أعتدنا للكافرين» أي هيأنا و ادخرنا لهم جزاء على كفرانهم و عصيانهم «سلاسل» يعني في جهنم كما قال في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا «و أغلالا و سعيرا» نار موقدة نعذبهم بها و نعاقبهم فيها ثم ذكر ما أعده

للشاكرين المطيعين فقال «إن الأبرار» و هو جمع البر المطيع لله المحسن في أفعاله و قال الحسن هم الذين لا يؤذون الذر و لا يرضون الشر و قيل هم الذين يقضون الحقوق اللازمة و النافلة و قد أجمع أهل البيت (عليهم السلام) و موافقوهم و كثير من مخالفيهم إن المراد بذلك علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهما السلام) و الآية مع ما بعدها متعينة فيهم و أيضا فقد انعقد الإجماع على أنهم كانوا أبرارا و في غيرهم خلاف «يشربون من كأس» إناء فيه شراب «كان مزاجها» أي ما يمازجها «كافورا» و هو اسم عين ماء في الجنة عن عطاء و الكلبي و اختاره الفراء قال و يدل عليه قوله «عينا» و هي كالمفسرة للكافور و قيل يعني الكافور الذي له رائحة طيبة و المعنى يمازجه ريح الكافور و ليس ككافور الدنيا عن مجاهد و مقاتل قال قتادة يمزج بالكافور و يختم بالمسك و قيل معناه طيب بالكافور و المسك و الزنجبيل عن ابن كيسان «عينا يشرب بها عباد الله» أي أولياؤه عن ابن عباس أي هذا الشراب من عين يشرب بها أولياء الله و خصهم بأنهم عباد الله تشريفا و تبجيلا قال الفراء شربها و شرب بها سواء في المعنى كما يقولون تكلمت بكلام حسن و كلاما حسنا قال عنترة:

{شربت بماء الدحرضين فأصبحت --- عسرا علي طلابها ابنة مخرم}

و أنشد الفراء:

{شربن بماء البحر ثم ترفعت --- متى لجج خضر لهن نئيج}

أي صوت.

«يفجرونها تفجيرا» أي يقودون تلك العين حيث شاءوا من منازلهم و قصورهم عن مجاهد و التفجير تشقيق الأرض بجري الماء قال و أنهار الجنة تجري بغير أخدود فإذا أراد المؤمن أن يجري نهرا خط خطا فينبع الماء من ذلك الموضع و يجري بغير تعب ثم وصف سبحانه هؤلاء الأبرار فقال «يوفون بالنذر» أي كانوا في الدنيا بهذه الصفة و الإيفاء بالنذر هو أن يفعل ما نذر عليه فإذا نذر طاعة تممها و وفى بها عن مجاهد و عكرمة و قيل يتمون ما فرض الله عليهم من الواجبات عن قتادة «و يخافون يوما كان شره مستطيرا»

###

أي فاشيا منتشرا ذاهبا في الجهات بلغ أقصى المبالغ و سمي العذاب شرا لأنه لا خير فيه للمعاقبين و إن كان في نفسه حسنا لكونه مستحقا و قيل المراد بالشر هنا أهوال يوم القيامة و شدائده «و يطعمون الطعام على حبه» أي على حب الطعام و المعنى يطعمون الطعام أشد ما تكون حاجتهم إليه وصفهم الله سبحانه بالأثرة على أنفسهم و في الحديث عن أبي سعيد الخدري أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ما من مسلم أطعم مسلما على جوع إلا أطعمه الله من ثمار الجنة و ما من مسلم كسا أخاه على عري إلا كساه الله من خضر الجنة و من سقى مسلما على ظمإ سقاه الله من الرحيق قال ابن عباس يطعمون الطعام على شهوتهم له و محبتهم إياه و قيل الهاء كناية عن الله تعالى أي يطعمون الطعام على حب الله «مسكينا» و هو الفقير الذي لا شيء له «و يتيما» و هو الذي لا والد له من الأطفال «و أسيرا» و هو المأخوذ من أهل دار الحرب عن قتادة و قيل هو المحبوس من أهل القبلة عن مجاهد و سعيد بن جبير و قيل الأسير المرأة «إنما نطعمكم لوجه الله» أي لطلب رضا الله خالصا لله مخلصا من الرياء و طلب الجزاء و هو قوله «لا نريد منكم جزاء و لا شكورا» و هو مصدر مثل القعود و الجلوس و قيل إنهم لم يتكلموا بذلك و لكن علم الله سبحانه ما في قلوبهم فأثنى به عليهم ليرغب في ذلك الراغب عن سعيد بن جبير و مجاهد و المراد لا نطلب بهذا الطعام مكافاة عاجلة و لا نريد أن تشكرونا عليه عند الخلق بل فعلناه لله «إنا نخاف من ربنا يوما» أي عذاب يوم «عبوسا» أي مكفهرا تعبس فيه الوجوه و وصف اليوم بالعبوس توسعا لما فيه من الشدة و هذا كما يقال يوم صائم و ليل قائم قال ابن عباس يعبس فيه الكافر حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران «قمطريرا» أي صعبا شديدا عن أبي عبيدة و المبرد و قال الحسن سبحان الله ما أشد اسمه و هو من اسمه أشد و قيل القمطرير الذي يقلص الوجوه و يقبض الجباه و ما بين الأعين من شدته عن قتادة.