۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القيامة، آية ١٨

التفسير يعرض الآيات ١٦ إلى ٢٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ ١٦ إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ ١٧ فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ ١٨ ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ ١٩ كـَلَّا بَلۡ تُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ ٢٠ وَتَذَرُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ ٢١ وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ٢٣ وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۭ بَاسِرَةٞ ٢٤ تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ ٢٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

لا تحَرِّك بِهِ لِسانَك لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَ قُرْءَانَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَاتّبِعْ قُرْءَانَهُ (18) ثمّ إِنّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) َكلا بَلْ تحِبّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَ تَذَرُونَ الاَخِرَةَ (21) وُجُوهٌ يَوْمَئذٍ نّاضِرَةٌ (22) إِلى رَبهَا نَاظِرَةٌ (23) وَ وُجُوهٌ يَوْمَئذِ بَاسِرَةٌ (24) تَظنّ أَن يُفْعَلَ بهَا فَاقِرَةٌ (25)

القراءة

قرأ أهل المدينة و الكوفة تحبون و تذرون بالتاء و الباقون بالياء.

الحجة

من قرأ بالتاء فعلى معنى قل لهم بل تحبون و تذرون و من قرأ بالياء فعلى معنى هم يحبون و يذرون قال أبو علي الياء على ما تقدم من ذكر الإنسان فإن المراد به الكثرة و العموم كقوله إن الإنسان خلق هلوعا ثم قال إلا المصلين.

اللغة

التحريك تصيير الشيء من مكان إلى مكان أو من جهة إلى جهة بفعل الحركة

فيه و الحركة ما به يتحرك المتحرك و المتحرك هو المنتقل من جهة إلى غيرها و اللسان آلة الكلام و العجلة طلب عمل الشيء قبل وقته الذي ينبغي أن يعمل فيه و نقيضه الإبطاء و السرعة عمل الشيء في أول الوقت الذي هو له و ضده الأناة و القرآن أصله الضم و الجمع و هو مصدر كالرجحان و النقصان و البيان إظهار المعنى للنفس بما يتميز به عن غيره و نقيض البيان الإخفاء و الإغماض و النصرة مثل البهجة و الطلاقة و ضده العبوس و البسور نضر وجهه ينضر نضارة و نضرة فهو ناضر و النظر تقليب الحدقة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته و يكون النظر بمعنى الانتظار كما قال عز شأنه و إني مرسلة إليهم بهدية فناظرة أي منتظرة و قال الشاعر:

{وجوه يوم بدر ناظرات --- إلى الرحمن تنتظر الفلاحا}

ثم يستعمل في الفكر فيقال نظرت في هذه المسألة أي تفكرت و منه المناظرة و تكون من المقابلة يقال دور بني فلان تتناظر أي تتقابل و الفاقرة الكاسرة لفقار الظهر شدة و قيل الفاقرة الداهية و الآبدة.

المعنى

ثم خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «لا تحرك به لسانك لتعجل به» قال ابن عباس كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا نزل عليه القرآن عجل بتحريك لسانه لحبه إياه و حرصه على أخذه و ضبطه مخافة أن ينساه فنهاه الله عن ذلك و في رواية سعيد بن جبير عنه أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعاجل من التنزيل شدة و كان يشتد عليه حفظه فكان يحرك لسانه و شفتيه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي فقال سبحانه «لا تحرك به» أي بالوحي أو بالقرآن لسانك يعني بالقراءة لتعجل به أي لتأخذه كما قال و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه «إن علينا جمعه» في صدرك حتى تحفظه «و قرآنه» أي و تأليفه على ما نزل عليك عن قتادة و قيل معناه إن علينا جمعه و قرآنه عليك حتى تحفظه و يمكنك تلاوته فلا تخف فوت شيء منه عن ابن عباس و الضحاك «فإذا قرأناه» أي قرأه جبريل عليك بأمرنا «فاتبع قرآنه» أي قراءته عن ابن عباس و المعنى اقرأه إذا فرغ جبريل عن قراءته قال فكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد هذا إذا نزل عليه جبريل (عليه السلام) أطرق فإذا ذهب قرأ و قيل «فاتبع قرآنه» أي فاعمل بما فيه من الأحكام و الحلال و الحرام عن قتادة و الضحاك و قال البلخي الذي اختاره أنه لم يرد القرآن و إنما أراد قراءة العباد لكتبهم يوم القيامة يدل على ذلك ما قبله و ما بعده و ليس فيه شيء يدل على أنه القرآن و لا شيء من أحكام الدنيا و في ذلك تقريع للعبد و توبيخ له حين لا تنفعه العجلة يقول لا تحرك لسانك بما تقرأه من صحيفتك التي فيها أعمالك يعني اقرأ كتابك و لا تعجل فإن هذا الذي هو على نفسه

بصيرة إذا رأى سيئاته ضجر و استعجل فيقال له توبيخا لا تعجل و تثبت لتعلم الحجة عليك فإنا نجمعها لك فإذا جمعناه فاتبع ما جمع عليك بالانقياد لحكمه و الاستسلام للتبعة فيه فإنه لا يمكنك إنكاره «ثم إن علينا بيانه» لو أنكرت و قال الحسن معناه ثم إن علينا بيان ما أنبأناك أنا فاعلون في الآخرة و تحقيقه و قيل يريد أنا نبين لك معناه إذا حفظته عن قتادة و قيل معناه ثم إن علينا أن نحفظه عليك حتى تبين للناس بتلاوتك إياه عليهم و قيل معناه علينا أن ننزله قرآنا عربيا فيه بيان للناس عن الزجاج و في هذا دلالة على أنه لا تعمية في القرآن و لا الغاز و لا دلالة فيه على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة و إنما يدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب «كلا» أي لا تتدبرون القرآن و ما فيه من البيان «بل تحبون العاجلة و تذرون الآخرة» أي تختارون الدنيا على العقبي فيعلمون للدنيا لا للآخرة جهلا منهم و سوء اختيار ثم بين سبحانه حال الناس في الآخرة فقال «وجوه يومئذ» يعني يوم القيامة «ناضرة» أي ناعمة بهجة حسنة عن ابن عباس و الحسن و قيل مسرورة عن مجاهد و قيل مضيئة بيض يعلوها النور عن السدي و مقاتل جعل الله سبحانه وجوه المؤمنين المستحقين للثواب بهذه الصفة علامة للخلق و الملائكة على أنهم الفائزون «إلى ربها ناظرة» اختلف فيه على وجهين ( أحدهما ) أن معناه نظر العين ( و الثاني ) أنه الانتظار و اختلف من حمله على نظر العين على قولين ( أحدهما ) أن المراد إلى ثواب ربها ناظرة أي هي ناظرة إلى نعيم الجنة حالا بعد حال فيزداد بذلك سرورها و ذكر الوجوه و المراد أصحاب الوجوه روي ذلك عن جماعة من علماء المفسرين من الصحابة و التابعين لهم و غيرهم فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه كما في قوله تعالى و جاء ربك أي أمر ربك و قوله و أنا أدعوكم إلى العزيز الغفار أي إلى طاعة العزيز الغفار و توحيده و قوله إن الذين يؤذون الله أي أولياء الله ( و الآخر ) أن النظر بمعنى الرؤية و المعنى تنظر إلى الله معاينة رووا ذلك عن الكلبي و مقاتل و عطاء و غيرهم و هذا لا يجوز لأن كل منظور إليه بالعين مشار إليه بالحدقة و اللحاظ و الله يتعالى عن أن يشار إليه بالعين كما يجل سبحانه عن أن يشار إليه بالأصابع و أيضا فإن الرؤية بالحاسة لا تتم إلا بالمقابلة و التوجه و الله يتعالى عن ذلك بالاتفاق و أيضا فإن رؤية الحاسة لا تتم إلا باتصال الشعاع بالمرئي و الله منزه عن اتصال الشعاع به على أن النظر لا يفيد الرؤية في اللغة فإنه إذا علق بالعين أفاد طلب الرؤية كما أنه إذا علق بالقلب أفاد طلب المعرفة بدلالة قولهم نظرت إلى الهلال فلم أره فلو أفاد النظر الرؤية لكان هذا القول ساقطا متناقضا و قولهم ما زلت أنظر إليه حتى رأيته و الشيء لا يجعل غاية لنفسه فلا يقال ما زلت أراه حتى رأيته و لأنا نعلم الناظر ناظرا بالضرورة و لا نعلمه رائيا بالضرورة بدلالة أنا نسأله

هل رأيت أم لا و أما من حمل النظر في الآية على الانتظار فإنهم اختلفوا في معناه على أقوال ( أحدها ) أن المعنى منتظرة لثواب ربها و روي ذلك عن مجاهد و الحسن و سعيد بن جبير و الضحاك و هو المروي عن علي (عليه السلام) و من اعترض على هذا بأن قال إن النظر بمعنى الانتظار لا يتعدى بإلى فلا يقال انتظرت إليه و إنما يقال انتظرته فالجواب عنه على وجوه منها أنه قد جاء في الشعر بمعنى الانتظار معدي بإلى كما في البيت الذي سبق ذكره:

ناظرات إلى الرحمن و كقول جميل بن معمر:

{و إذا نظرت إليك من ملك --- و البحر دونك جدتني نعما}

و قول الآخر:

{إني إليك لما وعدت لناظر --- نظر الفقير إلى الغني الموسر}

و نظائره كثيرة و منها أن تحمل إلى في قوله «إلى ربها ناظرة» على أنها اسم فهو واحد الآلاء التي هي النعم فإن في واحدها أربع لغات إلي و ألى مثل معا و قفا و إلي و إلي مثل جدي و حسي و سقط التنوين بالإضافة و قال أعشى وائل:

{أبيض لا يرهب الهزال و لا --- يقطع رحما و لا يخون إلى}

أي لا يخون نعمة من أنعم عليه و ليس لأحد أن يقول إن هذا من أقوال المتأخرين و قد سبقهم الإجماع فإنا لا نسلم ذلك لما ذكرناه من أن عليا (عليه السلام) و مجاهدا و الحسن و غيرهم قالوا المراد بذلك تنتظر الثواب و منها أن لفظ النظر يجوز أن يعدى بإلى في الانتظار على المعنى كما أن الرؤية عديت بإلى في قوله تعالى أ لم تر إلى ربك كيف مد الظل فأجرى الكلام على المعنى و لا يقال رأيت إلى فلان و من إجراء الكلام على المعنى قول الفرزدق:

{و لقد عجبت إلى هوازن أصبحت --- مني تلوذ ببطن أم جرير}

فعدي عجبت بإلى لأن المعنى نظرت ( و ثانيها ) أن معناه مؤملة لتجديد الكرامة كما يقال عيني ممدودة إلى الله تعالى و إلى فلان و أنا شاخص الطرف إلى فلان و لما كانت العيون بعض أعضاء الوجوه أضيف الفعل الذي يقع بالعين إليها عن أبي مسلم ( و ثالثها ) أن المعنى

###

أنهم قطعوا آمالهم و أطماعهم عن كل شيء سوى الله تعالى و وجوده دون غيره فكنى سبحانه عن الطمع بالنظر أ لا ترى أن الرعية تتوقع نظر السلطان و تطمع في إفضاله عليها و إسعافه في حوائجها فنظر الناس مختلف فناظر إلى سلطان و ناظر إلى تجارة و ناظر إلى زراعة و ناظر إلى ربه يؤمله و هذه الأقوال متقاربة في المعنى و على هذا فإن هذا الانتظار متى يكون فقيل إنه بعد الاستقرار في الجنة و قيل إنه قبل استقرار الخلق في الجنة و النار فكل فريق ينتظر ما هو له أهل و هذا اختيار القاضي عبد الجبار و ذكر جمهور أهل العدل أن النظر يجوز أن يحمل على المعنيين جميعا و لا مانع لنا من حمله على الوجهين فكأنه سبحانه أراد أنهم ينظرون إلى الثواب المعد لهم في الحال من أنواع النعيم و ينتظرون أمثالها حالا بعد حال ليتم لهم ما يستحقونه من الإجلال و يسأل على هذا فيقال إذا كان بمعنى النظر بالعين حقيقة و بمعنى الانتظار مجازا فكيف يحمل عليهما و الجواب أن عند أكثر المتكلمين في أصول الفقه يجوز أن يراد بلفظة واحدة إذ لا تنافي بينهما و هو اختيار المرتضى قدس الله روحه و لم يجوز ذلك أبو هاشم إلا إذا تكلم به مرتين مرة يريد النظر و مرة يريد الانتظار و أما قولهم المنتظر لا يكون نعيمه خالصا فكيف يوصف أهل الجنة بالانتظار فالجواب عنه أن من ينتظر شيئا لا يحتاج إليه في الحال و هو واثق بوصوله إليه عند حاجته فإنه لا يهتم بذلك و لا يتنغص سروره به بل ذلك زائد في نعيمه و إنما يلحق الهم المنتظر إذا كان يحتاج إلى ما ينتظره في الحال و يلحقه بفوته مضرة و هو غير واثق بالوصول إليه و قد قيل في إضافة النظر إلى الوجوه إن الغم و السرور إنما يظاهران في الوجوه فبين الله سبحانه أن المؤمن إذا ورد يوم القيامة تهلل وجهه و أن الكافر العاصي يخاف مغبة أفعاله القبيحة فيكلح وجهه و هو قوله «و وجوه يومئذ باسرة» أي كالحة عابسة متغيرة «تظن أن يفعل بها فاقرة» أي تعلم و تستيقن أنه يعمل بها داهية تفقر ظهورهم أي تكسرها و قيل إنه على حقيقة الظن أي يظنون حصولها جملة و لا يعلمون تفصيلها و هذا أولى من الأول لأنه لو كان بمعنى العلم لكان أن بعده مخففة من أن الثقيلة على ما ذكر في غير موضع و ذكر سبحانه هذه الوجوه الظانة في مقابلة الوجوه الناظرة فهؤلاء يرجون تجديد الكرامة و هؤلاء يظنون حلول الفاقرة فيكون حال الوجوه الراجية للأحوال السارة على الضد من حال الوجوه الظانة للفاقرة.

النظم

وجه اتصال قوله «لا تحرك به لسانك» بما قبله أنه لما تقدم ذكر القيامة و الوعيد خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لا تحرك به لسانك لتعجل قراءته بل كررها عليهم ليتقرر في قلوبهم فإنهم غافلون عن الأدلة ألهاهم حب العاجلة فاحتاجوا إلى زيادة تنبيه و تقرير.